Super User

Super User

الإثنين, 18 شباط/فبراير 2019 11:55

إغتنام الفرصة في طلب العلم

على الراغب في تحصيل العلم أن يغتنم التحصيل في الفراغ والنشاط وحالة الشباب وقوّة البدن ونباهة الخاطر وسلامة الحواسّ وقلّة الشواغل وتراكم العوارض، سيّما قبل ارتفاع المنزلة والاتّسام بالفضل والعلم، فإنّه أعظم صادٍّ عن درك الكمال، بل سبب تامّ في النقصان والاختلال.

هذا ما يقوله الشهيد الثاني وإنّه الرجل العالم الحكيم العارف بحقائق الاُمور والمجرّب لما يبتلى به طلاّب الحوزة.

وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي ذرّ الغفاري: اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، ودنياك قبل آخرتك، وحياتك قبل مماتك، وفراغك قبل شغلك.

والعلم في الصغر كالنقش في الحجر، ومثل الذي يتعلّم في كبره كالذي يكتب على البحر، وما اُوتي عالم علماً إلاّ وهو شابّ، فيلزم طالب العلم أن يستغلّ وقته، منذ الصغر، وفي بداية أمره وتعلّمه «ينبغي لطالب العلم أن يكون مستفيداً في كلّ وقت حتّى يحصل له الفضل، وطريق الاستفادة أن يكون معه في كلّ وقت (قلم وقرطاس) حتّى يكتب ما يسمع من الفوائد، قيل: (ما حفظ فرّ، وما كتب قرّ)، قيل: (العلم ما يؤخذ من أفواه الرجال؛ لأ نّهم يحفظون أحسن ما يسمعون، ويقولون أحسن ما يحفظون)، ووصّى شخص لابنه بأن يحفظ كلّ يوم شقصاً من العلم، فإنّه يسير وعن قريب يصير كثيراً، فالعلم كثير والعمر قصير، فينبغي أن لا يضيّع الطالب له الأوقات والساعات، ويغتنم الليالي والخلوات، قيل: (الليل طويل فلا تقصّره بمنامك، والنهار مضيء فلا تكدّره بآثامك).

وينبغي لطالب العلم أن يغتنم الشيوخ ويستفيد منهم، ولا يتحسّر لكلّ ما فات، بل يغتنم ما حصل له في الحال والاستقبال من تحمل المشاقّ والمذلّة في طلب العلم، والتملّق مذموم، إلاّ في طلب العلم، فإنّه لا بدّ له من التملّق للاُستاذ والشركاء وغيرهم للاستفادة، وقيل: (العلم عزّ لا ذلّ فيه، ولا يدرك إلاّ بذلٍّ لا عزّ فيه) «[1].

» قيل: وقت التعلّم من المهد إلى اللحد، وأفضل أوقاته شرع الشباب، ووقت السحر وما بين العشائين، وينبغي أن يستغرق جميع أوقاته، فإذا ملّ من علم يشتغل بعلم آخر، وكان محمّد بن الحسن لا ينام الليل، وكان يضع عنده دفاتر إذا ملّ من نوع ينظر إلى نوع آخر، وكان يضع عنده الماء ويزيل نومه بالماء، وكان يقول: النوم من الحرارة «[2].

وبنظري على طالب العلم أن يطالع كثيراً، ليل نهار، والمطالعة كباقي الصفات والأعمال من قسم العادة، فإذا اعتاد الإنسان عليها، فإنّه من الصعب تبديل العادة، فإنّها طبيعة ثانويّة في الإنسان، فلا بدّ أن يعوّد نفسه على المطالعة مع مراعاة شرائطها وآدابها، وثمرتها أنّ سماء ذهن المطالع تمتلئ من الأسحبة المختلفة والمتفاوتة، وهذا يعني أ نّه يطالع كلّ شيء حتّى القصص البوليسيّة، ونتيجة المطالعات الكثيرة والمختلفة، أنّها في سماء الذهن تصطدم بعضها مع بعض فيتولّد منها الرعد والبرق، ثمّ المطر والوابل ـ كما في سماء الطبيعة ـ وهي التي تسمّى بالرشحات الفكريّة، والنتائج العقلانيّة، ويأتي للمجتمع بشيء جديد، وموضوع لم يسمع من قبل، ويقال: فلان العالم منظّر وانّه صاحب نظرية جديدة، وفكر عملاق، وما شابه ذلك من الكلمات التي تنبئ عن أمر مبتكر جديد.

ثمّ على طالب العلم أن يتأمّل فيما يقرأه ويطالعه ويدرسه (ينبغي لطالب العلم أن يكون متأمّلا في جميع الأوقات في دقائق العلوم، ويعتاد ذلك، فإنّما يدرك الدقائق بالتأمّل، ولهذا قيل: «تأمّل تدرك»، ولا بدّ من التأمّل قبل الكلام حتّى يكون صواباً، فإنّ الكلام كالسهم، فلا بدّ من تقديمه بالتأمّل قبل الكلام، حتّى يكون ذكره مصيباً في اُصول الفقه، هذا أصل كبير، وهو أن يكون كلام الفقيه المناظر بالتأمّل، ويكون مستفيداً في جميع الأحوال والأوقات، وعن جميع الأشخاص، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الحكمة ضالّة المؤمن، أينما وجدها أخذها»، وقيل: «خذ ما صفى، ودع ما كدر»، وليس لصحيح البدن والعقل عذر في ترك العلم)[3].

(ثمّ لا بدّ لطالب العلم من الجدّ والمواظبة والملازمة قيل: «من طلب شيئاً وجَدَّ وَجَد، ومن قرع باباً ولَجَّ وَلَج»، وقيل: «بقدر ما يسعى ينال ما يتمنّى «.

قيل يحتاج في التعلّم إلى جدّ الثلاثة: المتعلّم والاُستاذ والأب إن كان في الحياة.

ولا بدّ لطالب العلم من المواظبة على الدرس والتكرار في أوّل الليل وآخره وما بين العشائين، ووقت السحر وقت مبارك، قيل: «من أسحر نفسه بالليل فقد فرح قلبه بالنهار»، ويغتنم أ يّام الحداثة وعنفوان الشباب، ولا يجتهد نفسه جهداً يضعف النفس، وينقطع عن العمل، بل يستعمل الرفق في ذلك، والرفق أصل عظيم في جميع الأشياء.

ولا بدّ لطالب العلم من الهمّة العالية في العلم، فإنّ المرء يطير بهمّته، كالطير يطير بجناحيه، فلا بدّ أن تكون همّته على حفظ جميع الكتب حتّى يحصل البعض، فأمّا إذا كان له همّة عالية ولم يكن له جدّ، أو كان له جدّ ولم يكن له همّة عالية، لا يحصل له إلاّ قليلٌ من العلم، وينبغي أن يتعب نفسه على الجدّ والتحصيل والمواظبة بالتأمّل في فضائل العلوم ودقائقها، فإنّ العلم يبقى، وغيره يفنى، فإنّه حياة أبديّة، قيل: «العالمون أحياء وإن ماتوا»، «العلماء باقون، أعيانهم مفقودة، ومحبّتهم في القلوب»، وكفى بلذّة العلم داعياً إلى التحصيل للعاقل)[4].

فلا بدّ من النشاط الدائم في تحصيل العلم، والتفقّه في الدين، قيل: تفقّهوا قبل أن تسوّدوا، أي تصيروا سادة، فتأنفوا من التعلّم او تستحيوا منه بسبب المنزلة، فيفوتكم العلم. وقال آخر: تفقّه قبل أن تترأّس، فإذا رئست فلا سبيل إلى التفقّه. وعن ابن عباس: ما اُوتي عالم علماً إلاّ وهو شابّ، وقد نبّه الله تعالى ذلك بقوله: (وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيَّاً)[5].

وهذا باعتبار الغالب، وإلاّ فمن كبر لا ينبغي له أن يحجم عن الطلب، فإنّ الفضل واسع والكرم وافر، والله المعين، وأبواب الرحمة مفتّحة، وإذا كان المحلّ قابلا تمّت النعمة وحصل المطلوب، والله سبحانه يقول: (وَاتَّقوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ)[6].

(وَلَمَّـا بَلَغَ أشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حَكْماً وَعِلـْماً)[7].

وقد اشتغل جماعة من السلف في حال كبرهم حتّى فاقوا الشباب، فتفقّهوا وصاروا أساطين في الدين وعلماء مصنّفين في الفقه وغيره، فليغتنم العاقل عمره، وليحرز شبابه عن التضييع، فإنّ بقيّة العمر لا ثمن لها[8].

فاطلب العلم من المهد إلى اللحد، وليغتنم العاقل عمره الثمين، وليحرز شبابه عن البطالة والتضييع.

وإذا رجعنا إلى سيرة فطاحل العلم وعباقرة الفنّ والأدب رأينا أنّ الغالب فيهم إنّما نال درجات العلى، وفاق الأقران وحاز السبق، من اتّبع نفسه في صباه وأيّام شبابه، ولهذا يقال: من أتعب نفسه في شبابه استراح في شيبته.

وقال بعض السلف: لا يطلب أحد هذا العلم بعزّ النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح.

وقال آخر: ولا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتّى يضرّ به الفقر، ويؤثره على كلّ شيء.

وهذا كلّه وإن كان فيه مبالغة، فالمقصود أنّه لا بدّ فيه من جمع القلب واجتماع الفكر، وأن يقطع من العوائق الشاغلة والعلائق المانعة من تحصيل العلوم والفنون.

سماحة السيد عادل العلوي – بتصرّف
[1]آداب المتعلّمين، جامع المقدّمات 2: 57.
[2]آداب المتعلّمين، جامع المقدّمات 2: 57.
[3]آداب المتعلّمين ـ جامع المقدّمات 2: 54.
[4]المصدر: 53.
[5]مريم: 12.
[6]البقرة: 282.
[7]القصص: 14.
[8]منية المريد: 226.

وقعت الرياض وإسلام آباد، الأحد، اتفاقيات اقتصادية باستثمارات سعودية تبلغ 20 مليار دولار.

جاء ذلك خلال زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الحالية لباكستان والتي تستغرق يومين، في مستهل جولة آسيوية.

وذكر الموقع الإلكتروني لقناة "العربية" السعودية، أن بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني عمران خان شهدا توقيع 8 اتفاقيات بين البلدين، قيمتها 20 مليار دولار.

وتضم الاتفاقيات "3 مذكرات تفاهم للاستثمار في قطاعات النفط والطاقة المتجدّدة والمعادن، شملت مصفاة أرامكو في ميناء جوادر الباكستاني (جنوب غرب) بقيمة 10 مليارات دولار، وهي من الأكبر في العالم".

بدوره، قال بن سلمان في كلمة ألقاها على هامش لقائه بخان، إن "التوقيع على مذكرات التفاهم بقيمة 20 مليار دولار في المرحلة الأولى سيعزز التعاون والروابط الثنائية بين البلدين".

وأضاف وفق وكالة الأنباء الباكستانية الرسمية، أن "المملكة ترغب في أن ترى باكستان قوية سياسياً واقتصادياً".

من جانبه، قال خان إن "مذكرات التفاهم التي تم التوقيع عليها بين باكستان والمملكة ستعود بالفائدة على الدولتين".

وأضاف أن "باكستان سترحب بالسعودية للمشاركة في التنمية الإقليمية"، في إشارة إلى الممر الاقتصادي الباكستاني الصيني، وفق المصدر ذاته.

وتم التوقيع على مشروع الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان عام 2014، ويهدف إلى ربط مقاطعة شينشيانغ الصينية ذات الأهمية الاستراتيجية شمال غربي الصين، بميناء جوادر الباكستاني، من خلال شبكة من الطرق والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب لنقل البضائع والنفط والغاز.

والعام الماضي، دعت إسلام أباد، الرياض، رسميًا للانضمام إلى مشروع الممر الذي تبلغ تكلفته 64 مليار دولار، وهو جزء من المشروع الصيني "حزام واحد وطريق واحد".

كما طلب خان من بن سلمان باتخاذ الإجراءات لإطلاق سراح نحو 3 آلاف سجين باكستاني في السجون السعودية، دون مزيد من التفاصيل.

وفي وقت سابق الأحد، وصل بن سلمان إسلام آباد، في مستهل جولة آسيوية، تشمل أيضا الهند والصين.

وتعد هذه ثاني جولة خارجية لولي العهد السعودي في سياق محاولات الخروج مما يصفها مراقبون بـ"عزلة خاشقجي"، في إشارة إلى اتهامات بتورط مسؤولين في المملكة بقتل الصحفي الراحل في قنصلية الرياض بإسطنبول.

إذ تأتي جولة بن سلمان في وقت تواجه السعودية أزمة دولية كبيرة على خلفية مقتل خاشقجي، حيث أعلنت المملكة في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2018 مقتله داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، بعد 18 يوما من الإنكار.

وقدمت الرياض روايات متناقضة عن اختفاء الصحفي الراحل، قبل أن تقول إنه تم قتله بعد فشل "مفاوضات" لإقناعه بالعودة إلى السعودية؛ ما أثار موجة غضب عالمية ضد المملكة، ومطالبات بتحديد مكان الجثة، ومن أمر بتنفيذ الجريمة.

لم يستبعد رئيس حركة "النهضة"، راشد الغنوشي، الأحد، إمكانية تغيير حكومة يوسف الشاهد بحكومة تكنوقراط أو حكومة انتخابات أو الإبقاء عليها إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقررة أواخر 2019.

جاء ذلك في تصريحات إعلامية له على هامش زيارة لعدد من المكاتب المحلية لحركة "النهضة" في ولاية المنستير شرقي البلاد.

وقال الغنوشي إن "حركة النهضة (أكبر قوة بالبرلمان بـ68 نائبا من أصل 217/إسلامية) في تشاور مع كل الأطراف بشأن الحكومة القائمة اليوم إذا ما كانت ستقود البلاد إلى الانتخابات أو اجراء تغيير حكومي وتشكيل حكومة تكنوقراط أو حكومة انتخابات لتامين الاستحقاق الانتخابي"، متابعا بالقول: "فرضية غير مستبعدة".

كانت حركة "النهضة" من الداعمين لفكرة الاستقرار الحكومي أو التعديل الجزئي عليها، في الوقت الذي كانت فيه أحزاب أخرى على غرار حزب "نداء تونس" (41 نائبا/ليبيرالي) تدعو إلى تغير الحكومة بما في ذلك إقالة رئيسها يوسف الشاهد.

وشدّد الغنوشي قبل أشهر على "حاجة البلاد إلى الاستقرار الحُكومي وتحسين الأداء في المجالين الاقتصادي والاجتماعي ومكافحة الفساد.. على أن تلتزم الحكومة بالتفرغ الكامل لتنزيل (لتنفيذ) بنود وثيقة قرطاج (المحددة للأوليات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة)".

وفي مايو/أيار الماضي، أعلن "نداء تونس"، عبر بيان، أن "الحكومة الحالية تحوّلت إلى عنوان أزمة سياسية، ولم تعد حكومة وحدة وطنية".

ولم تتحد رسميا بعد آجال الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة في تونس.

لكن رئيس هيئة الانتخابات في تونس، نبيل بفون، قال، في تصريحات سابقة له، إن الهيئة بصدد إعداد رزنامة الانتخابات القادمة، ومن المرجح تنظيم التشريعية في أحد أيام الأحاد من أكتوبر/تشرين الأول المقبل، فيما ستكون الرئاسية أحد أيام الأحاد من نوفمبر/تشرين الأول التالي له.

حذر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الأحد، من تداعيات تحالف دول عربية مع "العدو المحتل" (إسرائيل)، بدعوى مواجهة إيران، واعتبر أن "المستهدف الحقيقي هو القضية الفلسطينية".

وقال الاتحاد، في بيان: "تابع المسلمون بحسرة ما وقع في مؤتمر وارسو (الأربعاء الماضي) من اجتماع عدد كبير من مسؤولي الدول العربية برئيس وزراء الدولة (إسرائيل) التي تحتل قدسهم وأرضهم في فلسطين وتقتل أبناءها وتحاصر مدنها وتُهّود القدس وفلسطين بعد مباركة أمريكا".

وتابع: "فخرج (رئيس وزراء إسرائيل بنيامين) نتنياهو مزهوا في هذا المؤتمر قائلا: إنها نقلة تاريخية، وطالب وزير خارجية أمريكا بالتقارب والعمل على تحقيق المصالح المشتركة بين العرب وإسرائيل ونسي هؤلاء العرب الحاضرون كل ما فعلته إسرائيل وما تفعله في القدس والضفة، وغزة وغيرها".

واستدرك: "بل قابل بعضهم بالعبارات الدبلوماسية والتأييد لما يفعله الاحتلال في فلسطين وسوريا، والتنديد بما يفعله المقاومون المحاصرون.. كل ذلك لأجل إقناع أمريكا وإسرائيل بضرب إيران".

وتعتبر كل من إسرائيل ودول في الخليج إيران العدو الأول لها.

وشدد على أن "كل المؤشرات تدل على أن المستهدف الحقيقي هو القضية الفلسطينية، وتحقيق ما يسمى صفقة القرن"، ودعا إلى "عدم التفريط بالقدس وفلسطين".

و"صفقة القرن" هي خطة سلام تعمل عليها إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ويتردد أنها تقوم على إجبار الفلسطينيين على تقديم تنازلات مجحفة، خاصة بشأن وضع مدينة القدس المحتلة وحق عودة اللاجئين.

وحذر الاتحاد من أنه "لو حدث فرضا ضرب إيران سيتحول الخليج والجزيرة إلى فوضى هدامة لن يستفيد منها سوى الأعداء".

وشدد على أن "أمن العالم الإسلامي، بما فيه أمن المنطقة، لن يتحقق من خلال التعاون والتحالف مع العدو المحتل المتربص الذي شعاره المرفوع فوق الكنيست: من النيل إلى الفرات.. والطامع في العودة إلى أرض خيبر، وأرض بني النّضير، والقينقاع، وقريظة بالمدينة المنورة" .

وأردف: "ولا يخفى أن المشروع الصهيوني يقوم على تفكيك الأمة، والفوضى الخلاقة لتنشغل الأمة بمشاكلها وحروبها وتبقى هي متفرجة محققة أمنها واستقرارها".

وحذر من أن "الشراكة والتحالف مع العدو المحتل خطر كبير، بل عدّه علماء الأمة منذ الخمسينات في مصر، والسعودية والعراق، وسوريا، والمغرب وغيرها، خيانة عظمى".

وزاد بأن "العالم العربي يعاني من حروب مدمرة في اليمن، وسوريا، وليبيا وغيرها، ولم تحقق هذه الحروب خيرا لشعوبها".

وحذر من "العمل أو السعي لإحداث حرب مواجهة في منطقة الخليج بين دولها وإيران".

ومضى قائلا: "لن تحارب إسرائيل أو أمريكا نيابة عن أحد، وإنما الخسران الكبير يقع على المنطقة بأسرها، فما الذي استفاده العراقيون والإيرانيون من الحرب العراقية الإيرانية، التي دامت 8 سنوات، غير الدمار والنتائج الخطيرة التي نُشاهدها".

وختم الاتحاد بأن "التاريخ شاهد على أن التنازل عن القضايا الكبرى سيزيد من تفكيك الأمة وفقدان الثقة بين الشعوب وقادتها، كما أن التاريخ لن يرحم".

أعلن وزير الخارجية الباكستاني، شاه محمود قريشي، الأحد، أن بلاده سترسل وفدًا رفيع المستوى، إلى إيران لبحث تداعيات الهجوم الذي استهدف "الحرس الثوري" جنوب شرقي البلاد، قبل أيام.

جاء ذلك في اتصال هاتفي بين وزير الخارجية الباكستاني، ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف، بحسب بيان لوزارة الخارجية الإيرانية.

وقال قريشي إن بلاده سترسل وفدًا متخصصًا إلى إيران لإجراء محادثات مع سلطات البلاد حول الهجوم الأخير.

وأعرب الوزير الباكستاني عن استعداد بلاده "لأي تعاون للتحقيق في الحادث المؤسف، والمكافحة المشتركة للجماعات الإرهابية"، بحسب المصدر نفسه.

كما أدان قريشي الهجوم، معربًا عن تعاطفه مع عوائل الضحايا.

وفي وقت سابق اليوم، استدعت الخارجية الإيرانية، سفيرة باكستان في طهران "رفعت محمود"، وسلمتها مذكرة احتجاج على خلفية الهجوم.

والسبت، اتهم الحرس الثوري كلًا من باكستان والسعودية والإمارات، بـ"دعم" الهجوم، الذي وقع قرب مدينة "زاهدان" بمحافظة "سيستان وبلوشستان"، المتاخمة للحدود الباكستانية، وأسفر عن مقتل 27 عنصرًا وإصابة 13 آخرين.

وطالب قائد "الحرس" محمد علي جعفري، في تصريح صحفي، إسلام آباد بـ"الالتزام بشكل جدي بمسؤولياتها في مكافحة الإرهاب وضمان أمن الحدود المشتركة".

وأعلنت جماعة "جيش العدل" المسلحة، مسؤوليتها عن الهجوم الذي وقع الأربعاء الماضي.

وتقول الجماعة إنها "تدافع عن" حقوق البلوش (أقلية عرقية سنية)، وتنشط جنوبي البلاد؛ فيما تعتبرها طهران "تنظيما إرهابيًا".  

في ذكرى مولد آية الله العظمى المرجع الديني والقائد الكبير الإمام روح الله الموسوي الخميني يحتار الكاتب والباحث في أيّ جانب يتطرّقون إليه في شخصيته العظيمة، فما من جانب من جوانبها إلا وتتأصّل فيه الفكر والعظمة والابتكار، كما أنّ كل جانب منها يحتاج إلى خوض بحوث معمّقة لاكتنافها وتوضيح معالمها.

1- مرحلة الطفولة:

ولد الإمام الخميني عام (1320 هـ 21/9/1902م) بمدينة (خُمين) وهي تبعد 349 كلم جنوب غربي (طهران) في بيت عُرف بالعلم والفضل والتقوى.. ولم تمضِ على ولادته ستة أشهر حتى استُشهد والده آية الله السيد مصطفى الموسوي على أيدي قطّاع الطرق، المدعومين من قِبل الحكومة آنذاك، وكان استشهاده في الحادي عشر من ذي القعدة عام (1320 هـ). وهكذا، تجرّع الإمام الخميني منذ صباه مرارة اليتم، وتعرّف على مفهوم الشهادة.

أمضى الإمام فترة طفولته وصباه تحت رعاية والدته المؤمنة السيدة (هاجر)، التي تنتسب لأسرة اشتُهرت بالعلم والتقوى، وكفالة عمّته الفاضلة (صاحبة خانم)، التي عُرفت بشجاعتها وقول الحق، وفي الخامسة عشرة من عمره الشريف افتقد وجود هاتين العزيزتين.

الأسرة والأبناء:

اقترن عام (1929م) بكريمة المرحوم آية الله الحاج الميرزا محمد الثقفي الطهراني، وكانت ثمرة هذا الاقتران ثمانية أبناء هم:

1- الشهيد آية الله السيد مصطفى.

2- ابن اسمه علي توفي في سن الرابعة.

3- السيدة صديقة عقيلة المرحوم آية الله إشراقي.

4- السيدة فريدة عقيلة السيد الأعرابي.

5- السيدة فهيمة (زهراء) عقيلة الدكتور السيد البروجردي.

6- بنت اسمها سعيدة توفيت ولها من العمر سبعة شهور.

7- المرحوم حجة الإسلام والمسلمين السيد أحمد الخميني.

8- بنت اسمها لطيفة توفيت وهي طفلة.

ومع أنّ سماحته كان يعتمد طوال حياته السياسية وجهاده على الله، ويتوكل عليه فحسب، ويستمد العون منه وحده، ويواصل خطواته بوحي من ثقته بإيمانه، إلاّ أنّ الدور الفعّال والمؤثر لولده الأكبر السيد مصطفى - إلى جواره - طوال مراحل النهضة الإسلامية، لم يكن خافياً على أحد. ونظراً لهذا الدور الذي كان يضطلع به السيد مصطفى في تنظيم طاقات الثورة، وجمع الأخبار والمعلومات اللازمة، وإيصال نداءات قائد الثورة السرّية إلى المراجع العظام والعلماء وزعماء الفصائل السياسية، وإيجاد قنوات الاتصال والتواصل مع العناصر الثورية، ألقت عناصر نظام سلطة الشاه القبض عليه وأُودع السجن، ثم تم نفيه بعد إطلاق سراحه، كوالده الكبير إلى تركيا، ومن ثم إلى العراق. ولا شكّ أنّ الذي مهّد الطريق لاستشهاده عام (1978) لم يكن غير دوره الفاعل في النهضة الإسلامية ومواصلتها.

ومن تلك اللحظة التي استُشهد فيها، ألقت المشيئة الإلهية المسؤولية التي كانت ملقاة حتى ذلك التاريخ على عاتق السيد مصطفى الخميني، على كاهل شاب لا يقلّ عن أخيه حنكة وتدبيراً، ألا وهو السيد أحمد الخميني.

ولا يخفى إنّ طريقة حياة الإمام ، وبساطة عيشه، ولكونها نابعة من معتقداته الدينية، بقيت ثابتةً لم تتغير في مختلف مراحل حياته، وطوال مسيرة جهاده السياسي الحافلة بالأحداث.

لقد دُهِش الصحفيون الأجانب ومراسلو وكالات الأنباء العالمية، الذين سُمح لهم بعد رحيل الإمام بزيارة محل إقامة سماحته، دُهِشوا لمشاهدتهم البيت المتواضع، ووسائل المعيشة البسيطة. وإنّ ما رأَوه لا يمكن مقارنته بأيّ وجه مع نمط حياة رؤساء البلدان والزعماء السياسيين والدينيين في عصرنا الراهن.. إنّ أسلوب حياته وبساطة معيشته يعيدان إلى الأذهان الصورة التي كانت عليها حياة الأنبياء عليهم السلام والأولياء والصالحين ومن أراد أن يطلع على سيرته الكاملة فليراجع الكتب المدّونة في ذلك بما فيها مجموعة قبسات من سيرة الإمام الخميني(ره) إعداد غلام علي الرجائي، ومن أراد أن يطلع باختصار فليراجع كتاب الإمام الخميني سيرة ومسيرة من إعداد مكتب الإمام الخامنئي في سورية.

مؤلفات حول الثورة الإسلامية والإمام الخميني:

1- قبسات من سيرة الإمام الخميني  لغلام علي رجائي، طبعة الدار الإسلامية، بيروت.

2- رجل من أهل قم للشيخ حسن فؤاد حمادة، طبعة دار الهادي، بيروت.

3- حديث اليقظة للأستاذ حميد أنصاري، طبعة دار الولاء، بيروت.

4- الإمام الخميني والثورة الإسلامية في إيران المحامي أحمد حسين يعقوب، طبعة الغدير للدراسات والنشر، بيروت.

ميلاد السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام ([1])

وليدة الأسرة المباركة:

غني عن التعريف أن نذكر حياة كلّ من النبي الأكرم(ص)  والسيدة خديجة عليها السلام وكيفية زواجهما، إمّا النبي الأكرم (ص)  فهو خير البشر أجمع ولا يقاس به أحد وهو أفضل المخلوقات وسر وجودها وأمّا السيدة خديجة الكبرى فهي أول إمرأة آمنت برسول الله (ص)  وصدقته وآزرته بمالها فلذا كان رسول الله(ص)  يودّها ويحترمها ويشاورها في أموره، وكانت له وزير صدق...

وفي حقها قال النبي(ص) : «وخير نساء أمّتي خديجة بنت خويلد»([2]).

ففاطمة الزهراء عليها السلام ولدت من هذين الشخصيتين العظيمتين وهما النبي الأعظم محمد بن عبد الله (ص)  والسيدة خديجة الكبرى بنت خويلد.

وقد روى أكثر العلماء ومنهم الشيخ الطوسي في المصباح والعلامة المجلسي في حياة القلوب أن ولادة تلك السيدة الجليلة تصادف العشرين من شهر جمادى الثانية ويوم الجمعة في السنة الخامسة بعد المبعث وقيل لسنتين بعد المبعث([3]).

وفي رواية أخرى عن عائشة قالت: فادركتني الغيرة يوماً، فقلت: وهل كانت إلا عجوزاً قد أخلف الله لك خيراً منها.

قالت: فغضب حتى اهتزّ مقدم شعره، وقال: والله ما أخلف لي خيراً منها، لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وأنفقتني مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها إذ حرمني أولاد الناس.

قالت: «فقلت في نفسي والله لا أذكرها بسوء أبداً»([4]).

في هذا الجو من البهجة والسعادة والاحترام المتبادل وُلِدَت الزهراء عليها السلام ؛ فأبوها أشرف الخلق، وسيد الرسل، وخاتم الأنبياء، وحبيب الله، وهو الذي كان يتمتّع بالخُلُق السّامي حتى أثنى عليه القرآن الكريم فقال سبحانه وتعالى: (وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ)([5]) وأمّها كانت سيدة قومها ذات الشرف السامي والنسب الرفيع، والجمال المهذّب، والمال الوفير، والعقل الموزون، والشخصية المتميّزة، فهي سيدة قومها...

الزهراء كانت وليدة من هكذا أمٍّ وأبٍ فهي من دوحة النبوة، ومن ذلك الشرف والعز والعظمة.

أما كيف انعقدت نطفتها الطاهرة؟ فإليك ما اتفق عليه مؤرخوا المسلمين عن الإمام الرضا(ع) قال: قال النبي(ص): «لما عرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبـرئيل وأدخلني الجنة فناولني من رطبها فأكلته، فتحوّل ذلك نطفة في صلبي فلمّا هبطت واقعت خديجة، فحملت بفاطمة، ففاطمة حوراء إنسية، فكلّما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة»([6]).

وفي (الروض الفائق) لشعيب المصري: روى بعض الرواة الأجلاء أن خديجة الكبرى تمنّت يوماً من الأيام على سيد الأنام النبي(ص) أن تنظر إلى بعض فاكهة الجنة، فأتى جبرئيل إلى نبي الرحمة بتفّاحتين من الجنة، وقال: «يا محمد يقول لك من جعل لكل شيء قدراً كُلْ واحدةً وأطعِم الأخرى لخديجة الكبرى، واغشها، فإني خالق منكما فاطمة الزهراء، ففعل المختار ما أشار به الأمين وأمر».. إلى أن قال: «فكان المختار كلّما اشتاق إلى الجنة ونعيمها قبّل فاطمة وشمّ طيب نسيمها، فيقول حين يستنشق نسمتها القدسيّة: إن فاطمة حوراء إنسية»([7]).

أقول: هذه الرواية وعشرات في مضمونها وردت في أمّهات المصادر وكتب التاريخ تؤكد أن نطفة الزهراء انعقدت من فاكهة الجنة، وإنّ الجليل سبحانه وتعالى شاء أن تكون الزهراء حوراء إنسية كما أشار إلى ذلك النبي(ص) ، لذا وجدتُ من الأهمية بمكان أن أشير إلى جملة من المؤرخين وإلى بعض المصادر التي ذهبت إلى ذكر هذا المعنى المتّحد في ذاك المضمون وبألفاظ متقارب منهم:

الخطيب البغدادي في (تاريخه) الجزء الخامس ص87.

والخطيب الخوارزمي في (فضل الحسين) ص63.

والحافظ الذهبي في (ميزان الاعتدال) الجزء الأول ص38.

والعلامة الزرندي في (نظم درر السمطين).

والحافظ العسقلاني في (لسان الميزان) الجزء الخامس ص160.

والعلامة القندوزي في (ينابيع المودة).

والعلامة محب الدين الطبري في (ذخائر العقبى) ص43.

أقول: لقد روى هؤلاء الأعلام خبر فاكهة الجنة وانعقاد نطفة الزهراء(س) منها، وبطرق عديدة، ورواتها كلّ من: عائشة، وابن عباس، وسعيد بن مالك، وعمر بن الخطاب.

إذاً متى ولدت أم الأئمة فاطمة عليها السلام ؟

اتفقت الأخبار من طرقنا الخاصة ومن طرق غيرنا أنها ولدت بعد البعثة بخمس سنوات، وفي بعض الأخبار أنها ولدت بعد المعراج مباشرة، وسنة المعراج (الأول) للنبي(ص)  كانت في السنة الثالثة من المبعث، وقيل في السنة الثانية.

ومن خلال عدة من النصوص أنّ النبي عرج به إلى السماء أكثر من مرة لذا تصدق تلك الروايات التي قالت كانت ولادة فاطمة في السنة الخامسة بعد المبعث وهي السنة التي عرج بها النبي إلى السماء وأكل من فاكهة الجنة([8]).

أما اليوم فإنه كان في العشرين من جمادى الآخرة وأقامت مع أبيها بمكة ثماني سنين، ثم هاجرت مع الفواطم إلى المدينة المنورة، وعلى هذا التحديد جملة كبيرة من علماء الأمة وكبار المؤرخين كالشيخ الكليني في كتابه (الكافي).

وابن شهر آشوب في (مناقب آل أبي طالب).

والشيخ المفيد كما في (إقبال الأعمال)، و(حدائق الرياض).

والشيخ الكفعمي في (المصباح)، وهكذا الشيخ الطوسي.

والطبري في (دلائل الإمامة)؛ كما هو المروي عن الإمام الصادق(ع)، والشيخ المجلسي في (بحار الأنوار) الجزء 43.

وعليه تأكّد لنا أن ولادة الزهراء عليها السلام كان بعد المعراج مباشرة، وهذا يعني أنها ولدت بعد البعثة المباركة بخمس سنين. ومن قال غير ذلك فهو ضعيف لا يقوم على دليل لأن قبل المبعث لم يكن معراج ولا إسراء، فافهم وتدبّر، ولا تذهب بك الظنون والمذاهب.

فاطمة... فداها أبوها:

روى الصدوق في (أماليه)، بسنده عن محمد بن قيس، قال: كان النبي(ص)  إذا قدم من سفر بدأ بفاطمة عليها السلام فدخل عليها فأطال عندها المكث، وقد خرج مرة في سفر فصنعت فاطمة عليها السلام مسكتين من ورق وقلادة وقرطين([9]) وستراً لباب البيت لقدوم أبيها وزوجها(ع)، فلمّا قدم رسول الله(ص)  دخل عليها فوقف أصحابه على الباب لا يدرون يقفون أو ينصرفون لطول مكثه عندها، فخرج عليهم رسول الله(ص)  وقد عرف الغضب في وجهه حتى جلس عند المنبر، فظنّت فاطمة عليها السلام أنه إنّما فعل ذلك رسول الله(ص)  لما رأى من المسكتين والقلادة والقرطين والستر، فنزعت قلادتها وقرطيها ومسكتيها، ونزعت الستر، فبعثت به إلى رسول الله(ص)  وقالت للرسول: قل له تقرأ عليك ابنتك السلام وتقول: اجعل هذا في سبيل الله: فلمّا أتاه قال (ص) : «فعلت!. فداها أبوها - ثلاث مرات - ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة ما أسقى فيها كافراً شربة ما». ثم قام فدخل عليها([10]).

محبة فاطمة وشفاعتها:

عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قلت لأبي جعفر الباقر(ع): جعلت فداك يا ابن رسول الله حدّثني بحديث فضل جدتك فاطمة، إذا أنا حدّثت به الشيعة فرحوا بذلك.

فقال أبو جعفر(ع): «حدّثني أبي عن جدّي عن رسول الله(ص)  قال: إذا كان يوم القيامة تُنصب للأنبياء والرسل منابر من نور، فيكون منبـري أعلى من منابرهم يوم القيامة.

ثم يقول: اخطب، فاخطب بخطبة لم يسمع أحد من الأنبياء والرسل بمثلها.

ثم ينصب للأوصياء منابر من نور، وينصب لوصيّ علي بن أبي طالب في أوساطهم منبـر، فيكون منبـره أعلى من منابرهم.

ثم يقول: يا علي اخطب، فيخطب بخطبة لم يسمع أحد من الأوصياء بمثلها.

ثم ينصب لأولاد الأنبياء والمرسلين منابر من نور، فيكون لابني وسبطي وريحانتي أيام حياتي منبـر من نور، ثم يقال لهما: اخطبا. فيخطبان بخطبتين لم يسمع أحد من أولاد الأنبياء والمرسلين بمثلها.

ثم ينادي المنادي وهو جبـريل(ع): أين فاطمة بنت محمد؟ فتقوم (س)، إلى أن قال: فيقول الله تبارك وتعالى: يا أهل الجمع لمن الكرم اليوم؟

فيقول: محمد وعلي والحسن والحسين عليهم السلام: لله الواحد القهار.

فيقول الله تعالى: يا أهل الجمع إني قد جعلتُ الكرم لمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين.

يا أهل الجمع: طأطؤا الرؤوس، وغضّوا الأبصار، فإن هذه فاطمة تسير إلى الجنة، فيأتيها جبـرئيل بناقة من نوق الجنّة، مدبّجة الجنبين، خطامها من اللؤلؤ الرطب، عليها رحل من المرجان فتناخ بين يديها، فتركبها، فيبعث الله مائة ألف ملك ليسيروا عن يمينها، ويبعث إليها مائة ألف ملك ليسيروا عن يسارها، ويبعث إليها مائة ألف ملك يحملونها على أجنحتهم، حتى يصيروا على باب الجنة، فإذا صارت عند باب الجنة تلتفت، فيقول الله: يا بنت حبيبي ما التفاتك، وقد أمرتُ بك إلى جنّتي؟

فتقول: يا رب أحببت أن يعرف قدري في مثل هذا اليوم.

فيقول الله: يا بنت حبيبي! ارجعي فانظري من كان في قلبه حبٌ لكِ أو لأحد من ذريتك، خُذي بيده فأدخليه الجنة».

قال أبو جعفر الباقر(ع): «والله يا جابر، إنها ذلك اليوم لتلتقط شيعتها ومحبّيها، كما يلتقط الطير الحبّ الجيد من الحبّ الرديء، فإذا صار شيعتها معها عند باب الجنة يلقي الله في قلوبهم أن يلتفتوا، فإذا التفتوا يقول الله تعالى: يا أحبّائي ما التفاتكم، وقد شفّعت فيكم فاطمة بنت حبيبي؟

فيقولون: يا رب أحببنا أن يعرف قدرنا في مثل هذا اليوم.

فيقول الله: يا أحبّائي. ارجعوا وانظروا من أحبّكم لحب فاطمة.

انظروا من أطعمكم لحب فاطمة.

انظروا من سقاكم شربة ماء لحب فاطمة.

انظروا من ردّ عنكم غيبة في حب فاطمة.

فخذوا بيده وأدخلوه الجنة»([11]).

نعم إنها الجنة إن شاء الله، هذه فاطمة بنت محمد(ص)  إنها لتشفع لمحبّيها يوم المحشر على رغم أنوف مبغضيها.

منزلة فاطمة عند رسول الله (ص):

روى جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله(ص)  في مرضه الذي قبض فيه، لفاطمة(س): بأبي وأمي انتِ! أرسلي إلى بعلك فادعيه لي.

فقالت فاطمة للحسين أو للحسن: «انطلق إلى أبيك فقل: يدعوك جدّي».

فانطلق إليه الحسين(ع) فدعاه، فأقبل علي بن أبي طالب(ع) حتى دخل على رسول الله(ص)  وفاطمة عنده وهي تقول: «وا كرباه لكربك يا أبتاه!».

فقال رسول الله(ص) : «لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة، ولكن قولي كما قال أبوك على إبراهيم([12]): تدمع العينان، وقد يوجع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون».

وروي أن النبي(ص)  دعا علياً وفاطمة والحسن والحسين(ع) وقال لمن في بيته: أخرجوا عني.

وقال لأم سلمة: كوني على الباب فلا يقربه أحد.

ثم قال لعلي: اُدنُ منّي، فدنا فأخذ بيد فاطمة فوضعها على صدره طويلاً وأخذ بيد علي بيده الأخرى، فلما أراد رسول الله(ص)  الكلام غلبته عبرته، فلم يقدر على الكلام، فبكت فاطمة بكاءً شديداً وبكى علي والحسن والحسين عليهم السلام لبكاء رسول الله(ص).

فقالت فاطمة: يا رسول الله قد قطَّعت قلبي، وأحرقت كبدي لبكائك يا سيد النبيين من الأولين والآخرين، ويا أمين ربه ورسوله، ويا حبيبه ونبيه.

مَنْ لِوُلدي بعدك؟

ولذُلٍّ ينزل بي بعدك؟

مَنْ لعليّ أخيك وناصر الدين؟

مَنْ لوحي الله وأمره؟

ثم بكت وأكبّت على وجهه فقبّلته، وأكبّ عليه علي والحسن والحسين عليهم السلام فرفع رأسه (ص)  إليهم، ويد فاطمة في يده فوضعها في يد علي، وقال له: «يا أبا الحسن وديعة الله ووديعة رسوله محمد عندك فاحفظ الله واحفظني فيها، وإنك لفاعل هذا.

يا علي هذه والله سيدة نساء أهل الجنة من الأولين والآخرين، هذه والله مريم الكبـرى([13]).

أما والله ما بلغت نفسي هذا الموضع حتى سألت الله لهم ولكم فأعطاني ما سألته.

يا علي أنفذ ما أمرتك به فاطمة، فقد أمرتها بأشياء أمر بها جبـرئيل.

واعلم يا علي إني راضٍ عمّن رضيت عنه ابنتي فاطمة، وكذلك ربّي وملائكته.

يا علي: ويل لِمَنْ ظلمها، ويل لِمَنْ انبزها حقها، وويل لمن هتك حرمتها».

ثم ضمَّ (ص)  فاطمة إليه وقبّل رأسها وقال: فداك أبوك يا فاطمة([14]).

عصمة فاطمة عليها السلام:

عن أم سلمة قالت: في بيتي نزلت (إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً)([15]) فجاءت فاطمة ببرمة فيها ثريد، فقال (ص)  لها: ادعي زوجك وحسناً وحسيناً. فدعتهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت هذه الآية فغشّاهم بكساء خيبري كان عليه، فقال:

«اللّهم هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا» قالها ثلاث مرات([16]).

وعن عائشة بنت أبي بكر قالت: خرج رسول الله(ص)  غداة غدٍ وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخلهُ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً)([17]).

نقول: لقد نزلت في حق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها عليهم السلام آيات عديدة، استدلّ بها المفسّرون والمؤرخون من أصحاب الفقه وأرباب المذاهب، على عصمة هؤلاء الخمسة الأطهار، ونحن توخينا الاختصار وتركنا البحث للقارئ النبيه، إذ هناك العشرات من المصادر ينبغي مراجعتها.

من فضائل فاطمة عليها السلام ومناقبها:

رُوي عن جابر بن عبد الله قال: إنّ رسول الله(ص)  أقام أياماً ولم يُطعم طعاماً حتى شقّ ذلك عليه، فطاف في ديار أزواجه فلم يصب عند إحداهن شيئاً فأتى فاطمة، فقال (ص) : «يا بنية هل عندك شيء آكله، فإني جائع؟».

قالت: لا والله بنفسي وأخي.

فلمّا خرج عنها بعثت جارية لها رغيفين وبضعة لحم فأخذته ووضعته تحت جفنة وغطّت عليها وقالت: والله لأوثرنّ بها رسول الله(ص)  على نفسي وغيري. وكانوا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله(ص)  فرجع إليها، فقالت عليها السلام: «قد أتانا الله بشيء فخبأته لك». فقال (ص): «هلمّي علي يا بنية». فكشفت الجفنة فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً، فلما نظرت إليه بهتتْ وعرفت أنه من عند الله، فحمدت الله وصلّت على نبيه أبيها وقدّمته إليه، فلمّا رآه حمد الله، وقال (ص): من أين لك هذا؟

قالت: «هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب»، فبعث رسول الله(ص)  إلى علي فدعاه وأحضره وأكل رسول الله(ص)  وعلي وفاطمة والحسن والحسين وجميع أزواج النبي حتى شبعوا.

قالت فاطمة عليها السلام: «وبقيت الجفنة كما هي فأوسعت منها على جميع جيراني جعل الله فيها بركة وخيراً كثيراً»([18]).

أقول: ليهنك يا بنت محمد(ص)  حيث أجراك الله سبحانه مجرى مريم بنت عمران (إذْ كُلّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً. قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنّىَ لَكِ هَـَذَا؟ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ)([19]).

بل أنت يا أمّ الهداة أعلى وأزكى وأطهر، فكم لك من آيات باهرات وكرامات ساطعات؟!

وهل يغيب عن الأذهان ما قال فيكِ النبي الأكرم(ص) ؟! فممّا قاله؛ كما هو عن
ابن عباس قال: إن رسول الله(ص)  كان جالساً ذات يوم وعنده علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، فقال: اللهم إنك تعلم أنّ هؤلاء أهل بيتي وأكرم الناس عليّ فأحبب من أحبهم، وأبغض من أبغضهم، ووال من والاهم، وعاد من عاداهم، وأعن من أعانهم، واجعلهم مطهّرين من كل رجس، معصومين من كل ذنب، وأيّدهم بروح القدس منك.

ثم قال (ص): «يا علي أنت إمام أمتي وخليفتي عليها بعدي، وأنت قائد المؤمنين إلى الجنة، وكأني أنظر إلى ابنتي فاطمة قد أقبلت يوم القيامة على نجيب من نور عن يمينها سبعون ألف ملك، وعن يسارها سبعون ألف ملك، وبين يديها سبعون ألف ملك، وخلفها سبعون ألف ملك، تقود مؤمنات أمتي إلى الجنة».

فقيل يا رسول الله هي سيدة نساء عالمها؟

فقال (ص): ذاك لمريم بنت عمران، فأما ابنتي فاطمة فهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين وإنها لتقوم في محرابها فيسلّم عليها سبعون ألف ملك من الملائكة المقرّبين وينادونها بما نادت به الملائكة مريم، فيقولون: يا فاطمة: «يَا مَرْيَمُ إِنّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىَ نِسَآءِ الْعَالَمِينَ»([20]).

وفي (المناقب) روى أبو علي الصولي في أخبار فاطمة، وأبو السعادات في فضائل العشرة بالإسناد عن أبي ذر الغفاري قال: بعثني النبي(ص)  أدعو علياً فأتيت بيته وناديته فلم يجبني فأخبرت النبي(ص) .

فقال (ص) : «عد إليه فإنه في البيت ودخلت عليه فرأيت الرحى تطحن ولا أحد عندها».

فقلت لعلي: إنّ النبي(ص)  يدعوك فخرج متّشحاً حتى أتى النبي(ص)  فأخبرت النبي(ص)  بما رأيت.

فقال (ص) : «يا أبا ذر لا تعجب فإنّ لله ملائكة سيّاحون في الأرض موكّلون بمعونة آل محمد»([21]).

وعن الحسن البصري، وابن إسحاق، عن عمار، وميمونة، أن كليهما قالا: وجدت فاطمة نائمة والرحى تدور، فأخبرت رسول الله بذلك، فقال: إنّ الله علم ضعف أمته فأوحى إلى الرّحى أن تدور فدارت([22]).

ومن مناقبها؛ أسلم ببركتها جمع غفير:

إنها عليها السلام رهنت كسوة لها عند امرأة زيد اليهودي في المدينة واستقرضت الشعير فلما دخل زيد داره قال: ما هذه الأنوار في دارنا؟

قالت: لكسوة فاطمة، فأسلم في الحال، وأسلمت امرأته، وجيرانه حتى أسلم ثمانون نفساً([23]).

وتزامناً مع ذكرى ميلاد سيدة نساء العالمين حبيبة المصطفى وأمّ أبيها فاطمة الزهراء عليها السلام نعيش ذكرى ميلاد مؤسس وقائد الثورة الإسلامية في إيران الإمام الخميني حفيد الزهراء، وابنها البار، الذي اقتدى بنهجها وجهادها، حتى أعاد إلى الأذهان قدرة الله سبحانه، وعز الإسلام، وما وعده الله لنبيّه، فقد أنجز وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهلك الأحزاب وحده..

 

([1]) أعلن يوم ولادة الزهراء في الجمهورية الإسلامية، يوماً للمرأة المسلمة في كل عام، ولقد تزامن يوم مولد الإمام الخمينيH مع مولد جدته فاطمة الزهراءB ولذا يحتفل الشعب الإيراني وبعض الشعوب المسلمة في هذا اليوم العظيم.

([2]) تذكرة الخواص: 302.

([3]) بنقل من كتاب منتهى الآمال 1: 255 بتصرف في العبارات..

([4]) المصدر السابق: 303.

([5]) سورة القلم: الآية 4.

([6]) أمالي الصدوق.

([7]) الروض الفائق: 214.

([8]) الكافي: 1/442 باب مولد النبي حديث 13.

([9]) المسكة: السوار، والورق أي الفضة.

([10]) أمالي الصدوق: 234.

([11]) بحار الأنوار 8: 51، ط مؤسسة الوفاء - بيروت 1983.

([12]) إبراهيم بن رسول الله وأمّه مارية القبطية، توفي وله من العمر سنة ونصف.

([13]) أراد في (كونها مريم الكبرى) أي من حيث المنزلة أو من حيث الشبه.

([14]) أمالي الصدوق.

([15]) سورة الأحزاب: الآية 33.

([16]) ينابيع المودة: 125.

([17]) ينابيع المودة: 125.

([18]) بحار الأنوار 43: 27، والخرايج.

([19]) سورة آل عمران: الآية 37.

([20]) بحار الأنوار 43: 217.

([21]) الخرايج، ومناقب ابن شهر آشوب، وبحار الأنوار 43: 29 مع اختلاف يسير في الألفاظ.

([22]) بحار الأنوار 43: 45.

([23]) المصدر السابق 43: 231.

تزامن خروج الإمام الحسين(ع) من المدينة إلى مكة مع خروج عبد الله ابن الزبير على الحكم الأموي، وقد لازم الأخير الحِجر، وجعل يحرّض الناس على بني أمية، وكان يأتي إلى الحسين ويشير عليه بالخروج إلى العراق بحجة أن من فيها شيعته وشيعة أبيه، ولكن الحسين(ع) قد خرج إلى العراق لمّا وصلته كتب أهل الكوفة بالقدوم عليهم، فانفرد ابن الزبير بمكة، وبينما كان يزيد منشغلاً بحرب الحسين(ع) في كربلاء، كان قد دعا ابن الزبير الناس إلى نفسه، وخلع بيعة يزيد، حتى استغلظ أمره في مكة وبويع عليها.

فلما فرغ يزيد من قتال أهل المدينة بسبب خروجهم على بيعته فكانت واقعة الحرة التي لم يعرف تاريخ الإسلام بعد واقعة كربلاء أبشع ولا أشرس وأعنف منها، أمر يزيد قائد جيشه مسلم بن عقبة - الذي سمي بعد ذلك مسرفاً لإسرافه في قتل المسلمين والتنكيل بهم - بالتوجه إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير وكسر شوكته، فتوجه من فوره نحو مكة، غير أن الأجل أسرع إليه قبل بلوغها، وكان قد ولّى على الجيش الحُصين بن نمير، فقدم مكة وحاصرها، وقاتل أهلها ورماهم بالمنجنيق، وكانوا يوقدون حول الكعبة فأقبلت شرارة هبت بها الريح فأحرقت أستار الكعبة، وخشب سقفها، واحترق قرنا الكبش الذي فدى الله به إسماعيل(ع)، كما وقع عليها النار إثر رمي المنجنيق.

وفي هذه الأثناء بلغ عبد الله بن الزبير موت يزيد، فنادى بأهل الشام: إن طاغيتكم قد هلك، فسرعان ما رجع الحصين بن نمير بجيشه إلى الشام بعدما تأكّد له موت يزيد.

فأخذ يدعو ابن الزبير الناس إلى نفسه، بعد أن كان يدعو إلى الشورى، فبايعه أهل مكة، وبعده هدم الكعبة لما احترقت، وبناها على قواعد إبراهيم الخليل، وضم الحِجر إلى البيت فكُبر، وجعل له بابين شرقي وغربي.

نسبها الشريف:

هي فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية، كان أبوها حزام بن خالد([1]) من أعمدة الشرف في العرب، ومن الشخصيات النابهة في السخاء والشجاعة وقرى الأضياف، وكانت أسرتها من أجلّ الأسر العربية وقد عُرفت بالنجدة والشهامة([2]).

كيفية زواج علي(ع) بها:

يُذكر أن أمير المؤمنين(ع) ندب أخاه عقيلاً - الذي كان عالماً بأنساب العرب - أن يخطب له امرأة قد ولدتها الفحول ليتزوجها، حتى تلد له غلاماً زكياً شجاعاً لينصر ولده الحسين في كربلاء، فأشار عليه عقيل بالسيدة فاطمة بنت حزام الكلابية، فإنه ليس في العرب من هو أشجع من أهلها ولا أفرس، فندبه الإمام إلى خطبتها، فانبرى عقيل إلى أبيها وعرض عليه الأمر، فاستجاب هو وابنته بكلّ فخر واعتزاز([3]).

وقد رأى فيها الإمام علي(ع) العقل الراجح، والإيمان الوثيق، وسموّ الآداب، ومحاسن الصفات، فأعزها وأخلص لها كأعظم ما يكون الإخلاص.

علاقتها بأولاد علي(ع):

منذ الأيام الأولى لانتقالها إلى دار الإمام قامت برعاية أولاد فاطمة الزهراء عليها السلام على أحسن ما ترعى أمّ ولدها، وقد وجدوا عندها العطف والحنان، ما عوّضهما من الخسارة الأليمة بفقد أمّهم فاطمة عليها السلام.

ولقد كانت السيدة أم البنين تكنّ في نفسها من المودة والحب للحسن والحسين وزينب عليها السلام ، ما لا تكنّه حتى لأولادها، ولقد قدمت أبناء رسول الله(ص) على أبنائها في الخدمة والرعاية، امتثالاً لأمر الله تعالى فيهم، حيث قال: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)([4]).

ومن مآثر هذه السيدة الفاضلة، أنها طلبت من أمير المؤمنين(ع) أن لا يناديها باسمها (فاطمة)، معتذرة إليه بأنها تخاف أن يسمع الحسنان باسم أمهما فيتذكّراها ويحزنا عليها، مما جعل أمير المؤمنين يلقّبها بعد ذلك بـ (أم البنين).

وقد كانت تأمر أولادها العباس وإخوته منذ الصغر باحترام وتقدير أبناء فاطمة وخدمتهم، وفعلاً لقد ضرب العباس الذي ارتشف من معين وفائها وإخلاصها واحترامها لأبناء الزهراء، أروع وأعظم مثالاً في الاحترام والتقدير لأخويه الحسن والحسين، فلقد كان يمشي دائماً خلف أخيه الحسين، وما عهد طيلة حياته أن نادى الحسين بـ (يا أخي) و (يا حسين)، إلاّ كان يقول له: (سيدي) ولقد أثّرت هذه التربية أثرها العميق إلى أن استشهد العباس وإخوته عطاشى فداءً لأخيهم وسيدهم الحسين(ع).

ومن مآثرها أنه عندما دخل بشر بن حذلم إلى المدينة ناعياً الحسين(ع) بعد واقعة الطف، جاءت وسألته عن الحسين، فأخبرها باستشهاد أولادها الأربعة العباس وإخوته، فكرّرت عليه السؤال عن حال الحسين(ع)، فلما أخبرها بمصرعه وقعت على الأرض مغشياً عليها، وكان حزنها على الحسين أكثر من حزنها على أولادها، حتى أنها عندما دخلت على زينب(ع) لتعزّيها، كانت تصيح: واحسيناه وا ولداه، ولم تندب عندها واحداً من أولادها، بيد أن زينبعليها السلام تبادلها الندب وتصيح: وا أخاه وا عباساه. ولهذا كانت هذه المرأة العظيمة محطّ احترام السيدة زينب(ع) وتقديرها مما لم تحضَ به امرأة قط عندها، ولقد كانت تزورها بين الفينة والأخرى، وفي أيام العيد تقديراً ووفاءً لما قدمته لهذه العترة الطاهرة.

امتنعت عليها السلام عن الزواج بعد علي(ع)، على الرغم من أنّ الأشراف قد تقدّموا لخطبتها لنيل شرف الاقتران بها([5]).

أولادها:

أنجبت من أمير المؤمنين ذكوراً أربعة، وهم: العباس وجعفر وعبد الله، وعثمان([6])، وقيل إن اسم الأخير منهم، عبد الرحمن([7]).

وفاتها:

توفيت عليها السلام في الثالث عشر من جمادى الآخرة سنة 64 من الهجرة النبوية الشريفة([8])، ودفنت في البقيع قُرب قبور الأئمة عليهم السلام ، وقبرها الآن مقصد للملهوفين والمؤمنين، وقد اشتهر بينهم أنها أحد أبواب الله التي ما قصدها أحد إلا استجاب الله له.

يقول الشهيد الأول في حقها: كانت أم البنين من النساء الفاضلات، العارفات بحق أهل البيت عليهم السلام ، مخلصة في ولائهم، ممحّضة في مودّتهم، ولها عندهم الجاه الوجيه، والمحل الرفيع، وقد زارتها زينب الكبرى بعد وصولها المدينة تعزّيها بأولادها الأربعة، كما كانت تعزّيها أيام العيد([9]).

 

([1]) رجال الشيخ الطوسي: 104 ترجمة4.

([2]) العباس بن علي: 20- 21.

([3]) تنقيح المقال 2: 128.

([4]) سورة الشورى: الآية 23.

([5]) بحار الأنوار 42: 12.

([6]) بحار الأنوار 42: 74.

([7]) المصدر السابق: 42: 90.

([8]) وقائع الأيام للبيرجندي.

([9]) نقلاً عن كتاب العباس بن علي(ع): 23-24.

نسبه الشريف:

هو جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، ابن عم النبي(ص)، وأخو علي(ع)، أمه فاطمة بنت أسد، المرأة التي ربت رسول الله(ص)، والتي كانت أمّاً له بما لهذه الكلمة من معنى، يُكنّى بأبي عبد الله، كما يكنّى بأبي المساكين لرأفته عليهم وإحسانه إليهم كما في (عمدة الطالب)، وروى في (أسد الغابة): أن الذي كنّاه بهذه الكنية رسول الله(ص).

تزوج أسماء بنت عميس وأنجب منها (كما في عمدة الطالب) ثمانية بنين، وهم عبد الله، وعون، ومحمد الأكبر، ومحمد الأصغر، وحميد، وحسين، وعبد الله الأصغر وعبد الله الأكبر، وأمهم أجمع أسماء بنت عميس الخثعمية، وقد قتل محمد الأكبر مع عمه علي(ع) بصفين، وقتل عون ومحمد الأصغر مع ابن عمهما الحسين(ع) يوم الطف وقد ولد جميع أولاده في أرض الحبشة.

إسلامه:

اختلف المؤرّخون في وقت إسلامه، فذهب ابن إسحاق في (سيرته) إلى أنه أسلم جعفر بعد خمسة وعشرين رجلاً، ونقل قولاً: بأن إسلامه كان بعد واحد وثلاثين.

وفي (أسد الغابة) أنه (ع) أسلم بعد إسلام أخيه علي بقليل، ونقل رواية تدلّ على ذلك، وهي: أن أبا طالب رأى النبي(ص) وعلياً يصليان، وعلي عن يمينه، فقال لجعفر: صل جناح ابن عمك، فصلي عن يساره. وكذا عن ابن سعد في كتاب (الطبقات).

 وروى الشيخ الصدوق: أن رسول الله(ص) كان يصلي وأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب(ع) معه إذ مرّ أبو طالب به، وجعفر معه، فقال: يا بني صل جناح ابن عمك. فلما أحسه رسول الله(ص) تقدمهما، وانصرف أبو طالب مسروراً، فكانت أول جماعة جمعت ذلك اليوم.

وقال الشيخ محمد علي آل عز الدين العاملي في كتابه (تحية القاري لصحيح البخاري): إنّ جعفراً - على التحقيق - ثاني المسلمين، أو المصلين من الرجال.

هجرته إلى الحبشة:

بعدما فشلت قريش في التفاوض مع أبي طالب، ومع النبي(ص) في أمر هذا الدين الجديد، وتكلّلت جهودهم بالخيبة، ولما رأى صناديد مكة تكاثر المنتسبين لهذا الدين، قرروا تعذيب المستضعفين من أصحاب النبي(ص) ليثنوهم عن دينهم، ويردوهم إلى دين آبائهم وأجدادهم، وليكون ذلك مانعاً عن دخول غيرهم في الإسلام، وفعلاً أنزلوا بهم أشدّ أنواع التعذيب، حتى مات بعضهم صبراً، وآخرون قتلاً، ولكن قريش تركت من دخل في الإسلام ممن له عشيرة تمنعه، خوفاً من نشوب حرب طاحنة بين القبائل، ولما رأى النبي(ص) ما نزل بأصحابه، وما هو فيه من المنعة بجوار عشيرته، وعمه أبي طالب، قال للمعذبين: «إني أرى أن تهاجروا إلى أرض الحبشة، فإن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق».

وتسارع المستضعفون من المسلمين إلى الهجرة، فهاجر ما يقارب السبعين من أصحاب النبي(ص)، وقد أمر(ص) جعفراً أن يهاجر معهم ليكون معلماً لهم ومتكلماً عنهم، ومبلغاً للإسلام في أرض الحبشة، وإلاّ فجعفر ما كان من المعذبين، بل كان ينعم بالمنعة بقومه وأبيه أبي طالب(ع)، ولهذا فيمكننا القول بأن جعفراً(ع) كان أول مبلّغ في الإسلام.

لقد كان اختيار جعفر في محله، فلما علمت قريش بفرار المعذبين بدينهم إلى الحبشة، أرسلت عمرو بن العاص، وبرفقته رجل آخر ليستردّ الهاربين، وكان من دهاء عمرو بن العاص أن هيأ جميع الأجواء التي تؤول إلى إقناع النجاشي ملك الحبشة لتسليم الفارّين، فلقد قدّم لبطارقة الملك وحاشيته ما يحبون من هدايا مكة للوقوف إلى جانبه في إقناع الملك بذلك، كما أنه قدّم هدايا ثمينة للملك لينفذ له رغبته، علاوةً على العلاقة الوطيدة والصداقة العميقة التي تربط الملك بعمرو بن العاص.

ولكن الذي حال دون تحقيق رغبة عمرو وما جاء من أجله، موقف جعفر أمام الملك، وإليك بعض ما جاء في ذلك:

لما دخل جعفر وأصحابه على الملك، وكان عمرو بن العاص قد حدثه عن مفارقتهم دين آبائهم، وعدم دخولهم في دينه، وإنما ابتدعوا ديناً خاصاً مخالفاً لشريعة عيسى وموسى، قال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الملل؟

فقال جعفر(ع): أيها الملك، كنّا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطّع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وكل ما يعرف من السيئات، وأمرنا بالصلاة و(الزكاة والصيام)([1])، والصدقة، وكل ما يعرف من الأخلاق الحسنة. - فعدّد عليه أمور الإسلام - وتلا شيئاً لا يشبهه شيء، فصدقناه وآمنا به واتبعناه، وعرفنا أن ما جاء به هو الحق من عند الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أُحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذّبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، فلمّا قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.

فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟

فلما كان يعلم جعفر(ع) أن النجاشي كان من أهل الكتاب، وعلى دين عيسى، اختار له تلاوة قصة مريم من سورة «كهيعص»([2]) فلما أكمل، بكى النجاشي حتى اخضلّت لحيته، وبكى أساقفته حتى اخضلّت لحاهم، ثم قال النجاشي: إنّ هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة.

ثم توجه إلى عمرو بن العاص، وقال له: والله لا أسلمهم إليكم ولا يكادون..

وهكذا وطّد الله أرض الحبشة للمسلمين المهاجرين، بفضل حنكة جعفر ودرايته في التعامل والتخاطب مع ملك الحبشة، وهذا يكشف عن سر اختيار النبي جعفراً ليكون على رأسهم وزعيمهم.

ولم يكتف جعفر بهذا، بل وطد علاقته مع الملك، وأكثر الكلام معه إلى أن دخل هو وابنه في الإسلام، ودخل من أهل الحبشة خلق كثير، وكان مبلّغهم ومعلمهم والداعي لهم جعفر(ع)، ولعلّ هذا هو السر في عدم هجرة جعفر إلى المدينة للالتحاق بالنبي فيها، على الرغم من أن النبي كان بحاجة ماسة إلى شخصية كجعفر(ع).

وعلى أيّ حال بقي جعفر في الحبشة حتى قدم على النبي في خيبر، ففرح بقدومه كثيراً حتى ضمه إلى صدره، وقبّل ما بين وجنتيه، وترافق مع قدوم جعفر عودة علي(ع) من خيبر منتصراً ظافراً، فازداد انبساط النبي(ص) وفرحه، حتى قال: لا أدري بأيّهما أنا أكثر فرحاً بفتح خيبر أم بقدوم جعفر.

وروي أن النبي(ص) عند قدوم جعفر(ع)، قال له: «ألا أحبك، ألا أهديك». فعلّمه الصلاة التي أصبحت بعد ذلك تسمى بصلاة جعفر الطيار، والتي اتفق المسلمون جميعاً على روايتها وعظيم فضلها، وغدت هذه الصلاة المباركة وسيلة التضرع والتقرب للمكروبين والمضطرين إلى ربهم لكشف كربهم وضرهم، وللإطلاع على كيفية إقامة هذه الصلاة عليك بمراجعة كتاب مفاتيح الجنان.

شهادته:

قتل جعفر(ع) شهيداً في غزوة مؤتة، وكانت في السنة الثامنة للهجرة، وقد ذكرنا في مناسبات شهر جمادى الأولى تفصيل هذه المعركة وأسبابها فراجع. ولكن الجدير بالذكر أن جعفراً(ع) كان يقاتل في هذه المعركة قتالاً مستميتاً على الرغم من كثرة الروم، حتى قيل: كان عددهم مئة ألف أو مئتي ألف مقاتل، وجعفر يوسع بهم ضرباً، وبيده الراية لا يتخلى عنها على الرغم من كثرة الطعنات والضربات، حتى أضحى في جسده تسعون ضربة، فعمدوا إلى قطع يديه اللذين أخبر النبي(ص) أن الله تعالى عوضه عنهما بجناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة. دفن (ع) في أدنى البلقاء في مدينة الكرك التي هي الآن من أراضي الأردن، فسلام على جعفر يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

ما جاء في فضله (ع):

روي عن النبي - كما جاء في (شرح النهج) لابن أبي الحديد - قال: سادة أهل المحشر، سادة أهل الدنيا أنا وعلي وحسن وحسين وحمزة وجعفر.

وروي كثيراً أن النبي(ص) قال لجعفر(ع): أشبهت خَلقي وخُلقي.

وروي أنه لما قتل جعفر دعا النبي(ص) فقال: «اللهم أخلف جعفراً في أهله خير ما خلّفت عبداً من عبادك الصالحين». وفي رواية أخرى:  «اللهم إن جعفرا قدم إلي أحسن الثواب فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته»([3]).

 

([1]) لعله أراد بها المندوب، وإلا فالصيام فُرضت في العام الثاني بعد الهجرة وللزكاة في التاسعة للهجرة.

([2]) سورة مريم: الآية 1.

([3]) شرح نهج البلاغة 15: 71.