Super User

Super User

لم تكد صناديق الاقتراع في تونس ومصر تفرز بعد الاطاحة بالرؤساء غلبة اسلامية «أخوانية» و«سلفية» واضحة حتى انهالت الاسئلة على الاسلاميين كافة، خصوصا ما يتصل بطبيعة الحكم وبمدى تقبل الاسلاميين للآخر، أو بالمخاوف من تطبيق الشريعة التي رفع لواءها بعض قادة «السلفية» في مصر. هكذا تحولت النقاشات ما بعد الثورة الى أولويات ما سيفعله الاسلاميون بالبلاد والعباد.

عندما غادر حسني مبارك وزين العابدين بن علي الحكم، كان البلدان في أسوأ حال. لقد نخر سوس الفساد والأزمات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ولم يترك الرئيسان بابا من ابواب الخلاص للشعب في مصر او في تونس. ولولا هذا الفساد وتلك الازمات ربما لم يكن ثمة مبرر للثورة ولا للرغبة في التغيير أو الإحتجاج، ما يعني ان التركة الثقيلة للأنظمة التي تهاوت، هو أمر طبيعي ولا يمكن أن يكون ذريعة لتبرير ما، على عاتق القوى الجديدة من صعوبات ومهام، أو للتذرع بما لا يمكن القيام به، أو مواجهته في القادم من الايام.

يختلف الاسلاميون بين بلد وآخر، من حيث التنظيم ومن حيث الأولويات. كما اختلفوا من حيث ما تعرضوا له في السنوات السابقة من قمع واضطهاد، فرضت عليهم اساليب عمل مختلفة ساهمت في تشكيل شخصياتهم القيادية وفي التأثير على رؤاهم السياسية سواء باتجاه العمل السياسي السري أو العنفي، أو العلني والشرعي، او حتى للعلاقة مع الحاكم، أو لطبيعة التحالفات مع القوى الأخرى. لكن شعبية الاسلاميين الواسعة التي أوصلتهم الى مقاعد السلطتين التشريعية والتنفيذية جعلتهم في مهب اسئلة ما بعد الثورات العربية، التي ازدادت تسارعا بعدما طوى الأخوان على سبيل المثال عزوفهم المفترض عن السلطة، وذهبوا الى الترشح للرئاسة في مصر... وبعدما باتت «النهضة» ايضا في موقع ادارة الحكم في تونس.

هكذا تحول الاتجاه الاخواني عموما ويليه السلفي تحديدا ولأول مرة في التاريخ المعاصر الى المسؤول المباشر الذي سيتحمل مسؤولية سياسات بلاده المستقبلية، والى موضع ترقب وحتى رهان القوى الاقليمية والدولية. وكتب الكثير من التحليلات ومن السيناريوهات حتى الغربية عن ادوار الاسلاميين المرتقبة أو الممكنة في تحديد اتجاهات المحاور او التوازنات المقبلة في الشرق الاوسط بعد الرؤوس التي سقطت، والنظم الجديدة التي ستبصر النور في البلدان .

يؤكد الاسلاميون باتجاهاتهم كافة «إخوانية» و«سلفية» ان اولوياتهم هي اولويات داخلية. لا فرق في ذلك بين الاتجاه الاخواني الذي يريد البحث أولا عن حلول للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية وترسيخ اسس الدولة والمؤسسات.. وبين الاتجاه السلفي الذي يريد تطبيق الشريعة أولا. ومن الواضح ان الخلاف قائم بين الاتجاهين حول هاتين الاولويتين الداخليتين. علما بأن هذا الخلاف يمكن حله لاحقا بالأطر الدستورية التي يمتلك «الاخوان» فيها الأكثرية سواء في مصر او في تونس. لكن من جهة ثانية يتفق الطرفان على تأجيل الأولويات الأخرى. أي ما يتصل بالسياسات الخارجية وبالسياسات الاقتصادية، وبالعلاقة مع الغرب، اوروبا والولايات المتحدة من جهة، وباتفاقيات كامب ديفيد والصراع العربي ـ الاسرائيلي من جهة ثانية.

بعد عام على الثورات لا يزال الاسلاميون في حالة قلق ولديهم مخاوف من «فلول» النظام السابق في تونس وفي مصر، فهؤلاء لم يغادروا مواقع القدرة والسيطرة في معظم المؤسسات الامنية والادارية والتعليمية، وفي معظم اجهزة الدولة ومؤسساتها... ولم تتمكن الثورة بسبب «مرحليتها» وبسبب غياب القيادة الواحدة الموحدة لها من التجرؤ على اقتلاع هؤلاء الفلول من تلك الاجهزة والمؤسسات على الرغم من خطورتهم المستمرة على الثورة وعلى مشروعها للتغيير. ثمة مشكلة كبيرة هنا. فمن المعلوم ان هؤلاء كانوا أعمدة النظام السابق.

وعدم التعرض لهم يعني استمرار أذرع هذا النظام على الرغم من التغيير الذي حصل. وهذا يعني ان التغيير الحقيقي والعميق يحتاج كما يقول الاسلاميون الى وقت طويل. أي الى ما بعد اقرار الدستور في تونس وما بعد الانتخابات الرئاسية في مصر. نعم هذا ممكن نظريا. ولكن من قال ان هؤلاء «الفلول» سوف يغادرون بمثل تلك البساطة مواقعهم الامنية والادارية والمختلفة؟ ومن قال ان الخارج الغربي الذي كان يدعم بن علي ومبارك لن يدعم هؤلاء في مواقعهم ولن يشجعهم على الصمود والبقاء لكي يكونوا ورقة ضغط على النظام الاسلامي الجديد ما يعني ان تميز الاسلاميين على هذا المستوى هو تميز مؤجل، وانهم لن يكونوا حتى اشعار آخر نموذجا مزعجا لهؤلاء «الفلول». لا بل يبدو من خلال الكثير من المعطيات ان مخاوف الاسلاميين من سطوة هؤلاء الأمنية هي اكبر من خشية «الفلول» من القوى الاسلامية.

التميز الآخر المؤجل هو في دور الاسلاميين الاقليمي بعد الثورات. إذ كيف يمكن للاسلاميين الذين يعتبرون أن اولوياتهم بعد الثورات في بلدانهم هي أولويات داخلية. وهم لا يريدون لأي قضية أخرى ان تعطل هذه الاولويات. ان يكونوا حاضرين على مستوى التحديات الاقليمية التي لا تنتظر ولن تنتظر اي قوة او اي طرف لترتيب اوراقه لتفسح له المجال بعد ذلك ليكون لاعبا وشريكا في التحولات التي تحصل في المنطقة؟ وهل الحرص على تقديم التطمينات والوعود للغرب بعدم التعرض لمصالحه أو لأمن اسرائيل سيضمن تسامح هذا الغرب مع نجاح تجربة الاسلاميين وتعبيد الطريق لها لتقديم النموذج الاسلامي المختلف؟ واذا صمت الاسلاميون عن هذه المصالح اليوم فما هو المبرر لمواجهتها او للانقلاب عليهاغدا؟

كيف يمكن على سبيل المثال لزعيم «حركة النهضة» الشيخ راشد الغنوشي بعد حصول حركته على ٤٠ في المئة من اصوات الناخبين، ان يقول في معهد واشنطن، انه مهتم بتونس وأن أولويته تونس في حين أن الآخرين أولويتهم ليبيا او فلسطين.. وانه لا يريد سوى ان تنجح التجربة في تونس.. لكنه مع ذلك يترك تونس لتنحاز الى أحد محاور الصراع الحاد حول سوريا ويستضيف «مؤتمر اصدقاء سوريا» على الرغم من الخلاف بين القوى الاقليمية وحتى الدولية حول طبيعة هذا المؤتمر، وحول المشاركة فيه اصلا... أي كيف انحازت «النهضة» الى هذا المحور في الوقت الذي تجنب فيه الغنوشي في المعهد نفسه تأكيد الانحياز ضد اسرائيل عندما قال «ليس في دستور تونس ما يمنع العلاقات مع اسرائيل».. ما هو النموذج الذي تقدمه النهضة هنا؟

لقد تعرض الاسلاميون الى التشكيك في سياساتهم المستقبلية المتوقعة. كيف سيحكمون، وهل سيطبقون الشريعة، وكيف سيتيحون للآخر غير المسلم فرصة التمثيل... لكن ذلك كله لم يكن في الواقع موضع الاتهام الأقسى او التشكيك الأشد. فقد أكد الاسلاميون في تونس وفي مصر انهم لا يريدون تطبيق الشريعة التي تخشاها بعض الاتجاهات السياسية والاجتماعية والدينية، وانهم سيعملون مع حكومات ائتلافية، وانهم لن يفرضوا الحجاب ولن يمنعوا الخمور ولا ارتياد الناس او السياح المسابح او الملاهي، وانهم سيعملون على قاعدة المواطنة مع الاقليات الدينية. وقد كانوا صادقين في هذا التوجه انسجاما مع اولوياتهم الاقتصادية والاجتماعية. اما بعض الدعوات السلفية المغايرة، التي تستعجل تطبيق الشريعة، أو ترفض الاقباط في المواقع التنفيذية فواجهت الاعتراض من الاتجاه «الأخواني» قبل غيره... لكن اصحاب هذه الدعوات كما هو معلوم لا يسيطرون على المجالس التشريعية التي ستصدر عنها مثل هذه القرارات التي تجيز او تمنع. النقد الأقسى الذي يمكن ان يؤثر سلبا على تجربة الاسلاميين المستقبلية هو محاباة الغرب. لم تكن التهمة افتراء محضا. فقد اصبحت اللقاءات في واشنطن علنية مع قيادات اسلامية في النهضة التونسية ومع الأخوان في مصر، بعدما قيل الكثير عن لقاءات سرية حصلت في السنوات السابقة...

ليس ما يمنع من حيث المبدأ اي حوار بين الاسلاميين وبين الغرب الأوروبي او حتى مع الولايات المتحدة. لكن ما قد يثير التحفظ او النقد هو مضمون هذا الحوار وتوقيته. ففي التوقيت جاء هذا الحوار بعد فوز الاسلاميين بانتخابات شرعية وشعبية بكل المقاييس وباعتراف خصومهم في الداخل والخارج. ولم يشكك أحد من علمانيين ويساريين وحتى «فلول» وفق المصطلح المصري بنتائج فوز الاسلاميين. بل جل ما قيل كان بأن يتعهد الاسلاميون التزام العملية الديمقراطية التي اوصلتهم الى الحكم.. إذا ذهب الغنوشي الى «معهد واشنطن» المعروف بولائه الصهيوني ليتحدث عن أولوية تونس بالنسبة اليه... أي ان زعيم حركة النهضة الاسلامية يريد ان يشيع الاطمئنان بان لا طموحات اسلامية واسعة لديه مثل الوحدة أو فلسطين... وهو يريد ان يؤكد على «تعقل الحركة الاسلامية» وعلى اختلافها عن ايران. نعم في الواقع هذا صحيح . ما جرى في تونس يختلف عن ايران، والغنوشي ليس امام الخميني، والثورة في تونس لا تشبه الثورة في ايران... ولكن ما علاقة الغرب بذلك كله؟ لماذا تقدم الحركة الأكثر شعبية في تونس، والتي قد تمتد شعبيتها الى بلاد عربية واسلامية خارج تونس ايضا، وهي في الموقع الأقوى شرعيا ودستوريا، مثل هذه التطمينات للغرب؟ «النهضة» لا تحتاج لأي مباركة خارجية، ولا لأي مصادقة خارجية على شرعيتها.... كما كان يفعل بن علي أو حسني مبارك. لقد افتقد مثل هؤلاء الرؤساء الشعبية الداخلية التي كانوا يحصلون عليها بتزوير الانتخابات ما كان يضطرهم الى الذهاب الى واشنطن أو الى باريس للحصول على شرعية الحماية من الخارج الغربي. بهذا المعنى أصل الزيارة في هذه اللحظة لم يكن حاجة لا لتونس ولا للغنوشي ولا لشرعية الاسلاميين فيها.. بل ربما كان المطلوب هو العكس تماما. أن يأتي من يمثل الادارة الاميركية أو الخارجية الفرنسية الى تونس للقاء الغنوشي في مكتبه، وان يقدم هؤلاء الإعتذار أولا عن دعمهم السابق لنظام بن علي الذي أرادت وزيرة الدفاع السابقة ميشال اليوي ماري ان ترسل اليه الحماية في بداية الثورة.. وأن يقدم الغربيون الضمانات بالتعامل الندي مع النظام الجديد في تونس وأن يتعهدوا احترام تجربة الاسلاميين وعدم عرقلتها... لعل في ذلك بعض التكفير عن صمت الغربيين الطويل، الذي لم يخدش ديمقراطيتهم، عن اضطهاد الاسلاميين، وعن تشريدهم في المنافي وعن زجهم في السجون طوال العقود الثلاثة الماضية.

والمسألة ليست شكلية على الاطلاق، وليست تفسيراً غير صحيح لما قيل في هذا اللقاء أو ذاك، وهو ليس اقتطاعا لجملة من هنا أو هناك. المسألة هي في «النموذج» الذي تقدمه الحركة الاسلامية في تونس او في مصر بعد اقترابها من السلطة، أو بعد وصولها اليها. أي هل ينبغي في مثل هذه الحالة أن تكون الأولوية هي تطمين الغرب الى نوايا الاسلاميين الطيبة خوفاً من تهمة التطرف أو خوفاً من الضغوط أو العقوبات الاقتصادية؟ أم ان الخوف هو على نجاح التجربة باي ثمن ممكن؟

السؤال هو عن مصدر الشرعية. هذا المصدر هو الشريعة أو هو الشعب. والنقاش هو حول التوافق او التعارض بين هاتين الشرعيتين. وقد تجاوز الاسلاميون الى حد بعيد هذا النقاش. أما «شرعية» الخارج، أو حتى هاجس هذه الشرعية، وهاجس الرضا الغربي فينبغي ان يكون خارج هذا النقاش اصلاً، وهو غير مقبول اسلامياً خصوصاً بعد الثورات على أنظمة ورؤساء كانوا من أشد الناس سوءاً وتبعية لهذا الخارج!!! لقد قيل الكثير في اسباب الثورات: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. وفي تطلعات «الثوار» الى الحرية والكرامة والعدالة.. إن من أسوأ ما فعله «النظام السابق» هو الارتهان للأجنبي في مسيرته الأمنية والاقتصادية والمعنوية. وقد استمر هذا الارتهان حتى اللحظات الاخيرة. فكيف يعقل ان يسارع «النموذج الاسلامي» البديل وهو نموذج العزة والكرامة والاستقلال... الى التلاقي في اليوم الأول لسقوط النظام السابق مع هذا الغرب الذي كان الحامي والمدافع الأول عن هذا النظام، والمتجاهل لسياسات القمع التي مارسها حليفه ضد الاسلاميين أنفسهم؟

ما يقال عن تونس هو نفسه ما يمكن ان يقال عن مصر ايضاً. وفي مصر المواقف اشد خطورة ودقة وحساسية.

نظراً لموقع مصر الجيوساسي ودورها في الصراع العربي- الاسرائيلي، وتاريخها في المنطقة العربية والاسلامية والافريقية.. لقد تناقلت وسائل الاعلام اخبار اللقاءات بين مسؤولي الأخوان وبين المسؤولين الاميركيين بعد الثورات وبعد الانتخابات التي فاز فيها الأخوان بأغلبية المقاعد البرلمانية. هل قدم الاميركيون الاعتذار «للأخوان» عن سياسات الدعم السابقة للرئيس مبارك، أم أن المطلوب من الاسلاميين التعهد باحترام حقوق الاقليات والعملية الديمقراطية واتفاقيات كامب ديفيد الموقعة مع الاسرائيليين؟ وهل سيكون الاميركيون أكثر حرصاً على الاقباط المصريين من الأخوان المسلمين، وقد تبين ان أكثر ما تعرض له هؤلاء من اساءات ومن تهديد لم يكن بعيداً عن سياسات النظام السابق ورجالاته الأمنية؟

الا تستحق الولايات المتحدة ان تشعر بالقلق ولو الموقت، على مصالحها ثمناً لدعمها السابق غير المشروط لحسني مبارك الذي امتلأت سجونه بالاسلاميين عموماً وبـ«الأخوان» خصوصاً؟

لماذا يجب ان يصمت الاسلاميون عن اتفاقيات كامب ديفيد؟ السلفيون متشددون في ضرورة تطبيق الشريعة اليوم قبل الغد، ولكن «كامب ديفيد»، بالنسبة اليهم، هي اتفاقية دولية يجب احترامها.. ولكن يمكن مراجعة بعض بنودها المجحفة بحق مصر اقتصادياً على سبيل المثال. حتى القيادي الإخواني البارز عصام العريان يهدد بمراجعة هذه الاتفاقيات، ولكن.. رداً على واشنطن التي ألمحت الى وقف المساعدات المالية الى مصر بعد الخلاف بين البلدين إثر احتجاز السلطات المصرية مجموعة اميركيين كانت توزع الاموال لمساعدة «المجتمع المدني المصري». عندها هدد القيادي الأخواني بمراجعة اتفاقيات كامب ديفيد لأن في بنود هذه الاتفاقيات التزاما اميركيا بتقديم مثل هذه المساعدة لمصر! وليس لأنها تخالف المبادئ الأخوانية الاسلامية أو لأنها تقيد مصر وتعطل دورها الاقليمي... وهذا «النموذج» من التهديد لا يليق في الواقع لا بهذه الشخصية التي تعرفها سجون مبارك جيداً ولا بالحركة التي تمثل...

ما هو هنا «النموذج» الذي تقدمه الحركة الاسلامية بعد الثورات، من مصر الى المصريين والى باقي العرب والمسلمين؟

وما هو النموذج «الأخلاقي» الذي يقدمه «الأخوان» أهم وأكبر حركة اسلامية شعبية على امتداد العالم العربي، عندما يتراجعون عن التزامهم بعدم الترشح للرئاسة المصرية من دون اي تبرير لهذا التراجع؟ أما مشروعية السؤال هنا فلا علاقة لها باسم المرشح أو بالتفاضل بين المرشحين. بل بهوية الحركة الاسلامية التي يتوجه اليها هذا السؤال، وليس بأي حركة أخرى يمكن ان تقول ما تشاء ثم تفعل خلاف ذلك ما تشاء.

أي «نموذج» يمكن، أو تريد، أو ينبغي ان تقدم الحركة الاسلامية في تونس او في مصر؟ لا نموذج اسلامي في السلوك والممنوعات، نظراً لاستبعاد الشريعة على الأقل في المرحلة المقبلة التي ستمتد لسنوات. هل سيكون «النموذج» هو في ادارة البلاد اقتصادياً؟ وهل يمكن تقديم مثل هذا «النموذج» الاقتصادي-الاجتماعي اذا كانت، كما يبدو، شروط البنك الدولي وشروط صندوق النقد الدولي ومعهما شروط المساعدات الأخرى للنظام السابق، ستتكرر هي نفسها مع الاسلاميين في الحكومات الجديدة؟

لو كانت الثورات من صناعة الغرب لوجب الامتنان له والالتزام بمصالحه. ولو كان الغرب هو المهيمن وهو القادر على كل شيء لما سمح لتلك الثورات ان تحصل اصلاً. لكن الغرب هو الذي يتراجع. ومن يتقدم هم الاسلاميون وشعوب المنطقة والعالم. والشواهد على ذلك كثيرة من اصل الثورات العربية الى واقع ايران مع الغرب، الى اتجاهات تفلت اميركا اللاتينية من الهيمنة الاميركية وصولاً الى صعود روسيا والصين في المعادلتين الاقليمية والدولية... وهذا يعني ان الاسلاميين الذين صمدوا طوال عقود في مواجهة استبداد حلفاء الولايات المتحدة واسرائيل في أكثر من دولة عربية واسلامية ثم اسقطوا هؤلاء الحلفاء قد ساهموا بدورهم في اضعاف السيطرة الاميركية على منطقتنا والعالم.

وهذا يعني ايضاً ان من يحتاج الى الآخر للحفاظ على مصالحه هو الغرب وليس الاسلاميين. وأن موقع الاسلاميين موضوعياً هو في صف تلك الجبهة أو ذلك المسار الذي اضعف الهيمنة الاميركية. والولايات المتحدة تعلم ذلك وتخشاه... ولذا هي تريد من اسلاميي تونس ومصر وباقي الاسلاميين العرب الا يكونوا في هذه «الجبهة»، والا يكونوا ذلك النموذج... وثمة من يتحدث في واشنطن، بسبب ذلك، عن عدم الثقة بالاسلاميين وعن ضرورة عدم السماح لهم بالتمكن من الحكم...

لا يمكن القبول بفرضية الواقعية، اي قوة الولايات المتحدة وسيطرتها الاقتصادية والمخاوف من عدم مجيء السياح الغربيين... لتبرير التسرع في الذهاب المعنوي والنفسي الى الغرب. مثل هذه الذرائع كانت حجة الأنظمة السابقة من مبارك الى السادات، الى الانظمة الحالية، وهذا لا يمكن ان تتميز به الحركة الاسلامية، ولا يمكن ان يكون «نموذجا» مقبولاً منها خصوصاً في هذه المرحلة الانتقالية... وباستطاعة الاسلاميين وهم في السلطة ان يكونوا أكثر انسجاماً مع المسار الذي اتى بهم الى هذه السلطة وان يفكروا في «نموذج» مختلف عن النموذج السابق، أي فتح ابواب التعاون البديلة الاقتصادية والتجارية والعسكرية وسواها... مع القوى الدولية مثل الصين وروسيا وفنزويلا والهند... وهي الدول التي تشكل «المجتمع الدولي الحقيقي (نصف العالم) وتمتلك هذه الدول من القدرات ما تحتاج اليه الولايات المتحدة نفسها.. ومن البديهي ان يتعاون الاسلاميون ايضاً مع ايران ومع تركيا في مجالات تفوق هذين البلدين، وهي كثيرة ايضاً... وفي مثل هذه الاحتمالات سوف يأتي الاميركيون على عجل للاعتذار عن المراحل السابقة وللإعراب عن حسن النوايا ومعها تقديم التطمينات والوعود باشكال الدعم والتعاون المختلفة. لكن ثمة احتمالا آخر قد يلجأ اليه الغربيون اذا توجه الاسلاميون شرقا.

وهو الحصار والعقوبات وممارسة الضغوط. نعم، هذا ثمن قد يضطر الاسلاميون الى دفعه. ولكن ماذا يعني اذا لم يعاقب الاسلاميون على وصولهم الى السلطة؟ يجب ان نتوقع ذلك. لأن الاسلاميين، و«الأخوان» في مقدمتهم، هم ضد المصالح الاميركية وضد اسرائيل ووجودها، وهم مع المقاومة ومع الاستقلال والعزة والكرامة. وعندما لا يعاقب الاسلاميون ولا يحاصرون، علينا ان نقلق وأن نفكر مرات ومرات لماذا لا يحصل ذلك.

من الطبيعي ان يكون الاسلاميون نموذجاً مزعجاً للغرب ولاسرائيل. وهؤلاء اليوم لا يفكرون ولا يعملون سوى من اجل منع الاسلاميين بعد الثورات من ان يكونوا هذا «النموذج.«

لا شك ان التجربة في بداياتها وتحتاج الى الكثير لمواجهة ما يتربص بها من عقبات وصعوبات... لكن »النموذج الاسلامي» المفترض يستحق الأثمان التي لا تؤجل.

طلال عتريسي أستاذ في الجامعة اللبنانية

هي الذكرى الأشد قساوة على الإطلاق بالنسبة إلى الفلسطينيين؛ يوم نكبتهم واغتصاب أرضهم من قبل الاحتلال الإسرائيلي. 64 عاماً مضت ولا تزال النكبة مستمرة

رام الله | لن تختلف فعاليات النكبة هذا العام عن سابقاتها، حيث ستُرفع الرايات السوداء في كل مكان، فيما سيخرج الجميع في مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، إلى مراكز المدن وساحاتها، لإحياء الذكرى، على أن تتوجه مجموعات من الناشطين الى سجن عوفر الاحتلالي، بالقرب من مدينة رام الله لإحياء هذه الذكرى أمامه.

وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، زكريا الآغا، إن المسيرة والمهرجان المركزي في محافظات الضفة الغربية ستنطلق من جميع المحافظات والقرى والمخيمات باتجاه ميدان الشهيد ياسر عرفات، على أن تلتقي جميعاً أمام ضريح الرئيس ياسر عرفات. وهناك ستطلق صفارات الحزن، بحيث دعا الآغا جماهير الشعب الفلسطيني الى التقيد بالوقوف التام لمدة 64 ثانية عند إطلاق الصافرة عند منتصف النهار في الساعة الـ12 ظهراً.

وستوجه اللجنة الوطنية العليا لإحياء النكبة مذكرات سياسية تؤكد على الحقوق الفلسطينية لكل من الأمين العام الأمم المتحدة، والأمين العام لجامعة الدول العربية، والمفوض السامي لحقوق الإنسان، والأمين العام لمنظمة مؤتمر العالم الإسلامي.

في المقابل، نقل موقع «ولا» العبري، عن مصادر في الجيش الإسرائيلي، قولها إن «حالة من القلق تنتاب الجهات الأمنية الإسرائيلية» في ذكرى النكبة، وإن رئيس هيئة أركان الجيش، بيني غانتس، بحث أخيراً طرق التعامل مع التظاهرات العنيفة المتوقعة في يوم النكبة، التي ستكون أكثر من المعتاد هذا العام بسبب إضراب الأسرى عن الطعام، مع قادة الوحدات الإسرائيلية المختلفة العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة، مشيراً إلى أن «كل متظاهر سيكون بمثابة قنبلة موقوتة». وبحسب التقديرات الإسرائيلية، فإن مراكز التظاهرات في الضفة سيتركز في بيت ريما وقلنديا، فيما سيكون معبر إيرز هو مركز المواجهة بغزة.

وفي مثل هذه الأيام قبل 64 عاماً سيطرت دولة الاحتلال على 774 قرية ومدينة، ودمر جيشها 531 قرية ومدينة فلسطينية، وارتكبت قواتها أكثر من 70 مذبحة ومجزرة بحق الفلسطينيين، أدت إلى استشهاد ما يزيد على 15 ألف فلسطيني. ومنذ أحداث نكبة 1948، تضاعف عدد الفلسطينيين أكثر من 8 مرات، بحيث يقدرون اليوم بحوالى 11.2 مليون نسمة، أكثر من نصفهم في الشتات.

المستوطنون اليهود وصل عددهم في الضفة الغربية إلى أكثر من نصف مليون مستوطن، موزعين على 474 موقعاً استيطانياً، ونصفهم يعيشون في القدس المحتلة بهدف تهويدها. أما جدار الفصل العنصري، فقد التهم نحو 13 في المئة من مساحة الضفة الغربية، ويعزل الجدار نهائياً حوالى 53 تجمعاً يسكنها ما يزيد على 300 ألف نسمة، ويحاصر 165 تجمعاً سكانياً يقطنها ما يزيد على نصف مليون نسمة.

بعد اجتماع اسطنبول وقبل لقاء بغداد في الثالث والعشرين من ايار الحالي، يتصدر البرنامج النووي الايراني الاهتمام العالمي مرة أخرى، ولكن هذه المرة من فيينا، حيث بدأت أمس محادثات لمدة يومين متتاليين بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقر السفارة الإيرانية لبحث اتفاق فني بين الطرفين للاتفاق على نهج لحل القضايا العالقة والجوانب التي تصر الوكالة على أن الجمهورية الإسلامية لم توضحها بعد. وكان لافتاً زيارة رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق الاشتراكي ميشال روكار إلى طهران قبيل اجتماع فيينا ولقاؤه كبير المفاوضين سعيد جليلي وإطلالته عبر القناة الثانية في التلفزيون الرسمي، فيما أعلنت إيران عن نيتها إطلاق قمر صناعي إلى الفضاء تزامنا مع تاريخ لقاء بغداد المقبل، وهو ما اعتبر رسالة مفادها أن اللين الإيراني يصدر عن موقف قوة لا عن ضعف.

وبدأت محادثات بين ايران والوكالة وهي الاولى منذ ثلاثة اشهر، وتحظى باهتمام واسع باعتبارها ستؤشر إلى مدى نجاح الاجتماع المرتقب بين إيران ومجموعة «5 + 1» في بغداد. وتجري المفاوضات بين مندوب طهران في الوکالة علي أصغر سلطانية وكبير المفتشين فيها هرمان ناكايرتس للاتفاق على صيغة مقبولة من الطرفين للإشراف على البرنامج النووي الإيراني وتوضيح بعض النقاط العالقة فيه. وقال ناكايرتس قبيل بدء اللقاء «نحن هنا لمواصلة الحوار في أجواء إيجابية». وأضاف ان هدف المفاوضات هو الاتفاق «على نهج لحل جميع المسائل العالقة» مع التركيز على القضايا المتعلقة بتوضيح «وجود شق عسكري لبرنامج طهران النووي» من عدمه، ومطالبا ايران بالسماح للوكالة «بالوصول الى الافراد والوثائق والمعلومات والمواقع» التي يمكنها إلقاء الضوء على نقاط الاختلاف.

ويكتسب الاجتماع أهميته من كونه الأول بعد زيارتين قام بهما ناكايرتس إلى إيران كانت ثانيتهما في شهر شباط الماضي وتركت انطباعا عاما بأن «هوة كبيرة» موجودة بين الطرفين. وأصر ناكايرتس حينها على الدخول إلى موقع بارشين العسكري شرقي العاصمة طهران وهو ما رفضه الإيرانيون باعتباره «غير مشمول بالاتفاقات الموقعة» بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران، فضلا عن «مخاوف من تسريب أسرارها العسكرية إلى دول معادية». وتتهم طهران الوكالة الدولية بأنها وراء تسريب أسماء علمائها النوويين إلى العلن، ما سهل وصول أجهزة استخبارات معادية من بينها الموساد إلى أربعة منهم واغتيالهم. في المقابل، يصر دبلوماسيون أميركيون وغربيون على اعتبار «الدخول إلى موقع بارشين أولوية» وبندا أساسيا على جدول محادثات فيينا أمس واليوم، علما أن مفتشي الوکالة الدولية زاروا الموقع المذكور مرتين في العام 2005 ولم يعثروا فيه على شيء يدل على نشاط ذري غير سلمي.

إلى ذلك، حذر أمين المجلس الاعلى للامن القومي الايراني سعيد جليلي الغربيين من ارتكاب «أي خطأ في حساباتهم مع ايران لأن ذلك سيعيق نجاح المحادثات النووية في الاجتماع المقرر في بغداد». وخلال استقباله رئيس الحكومة الفرنسية الاسبق ميشال روكار طالب جليلي الغرب «بخطوات بناءة لكسب ثقة الشعب الايراني». وقال جليلي ان «بعض التصريحات التي أطلقها مسؤولون غربيون مؤخرا غير بناءة»، داعيا إياهم الى «تجنب التصريحات التي لا تصب في مصلحة المحادثات المقبلة» في إشارة إلى البيان الذي أصدره الاتحاد الأوروبي وطالب فيه طهران بتعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم والمشاريع المتعلقة بالماء الثقيل.

ودعا الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الغرب الى «تغيير موقفه» حيال ايران. وقال نجاد كما نقلت عنه وكالة الانباء الايرانية الرسمية خلال زيارة له الى قوشان شمالي شرقي البلاد إنه «اذا غيّر الغرب موقفه واحترم الشعب الايراني، فإنه سيربح في المقابل احترام الايرانيين». وأكد الرئيس الايراني مجددا ان «عليهم ان يعرفوا ان الامة الايرانية لن تتراجع ابدا عن حقها الجوهري» في المجال النووي. وكرر نجاد ان أي زعيم «عاقل» لن يعمد الى صنع سلاح ذري. وقال الرئيس الايراني كما نقلت عنه الوكالة الرسمية «أي إنسان عاقل لن ينفق المال لصنع سلاح ذري». وأضاف «لو كان قادة (الدول التي تملك سلاحا نوويا) عقلاء، لكانوا أنفقوا أموال شعوبهم لتحسين حياة مواطنيهم».

من جهته، أعرب روكار عن أمله في نجاح محادثات بغداد واستمرار الخطوات الايجابية التي بدأت في اسطنبول، معتبرا أن «نجاح المفاوضات سيصب في مصلحة جميع الاطراف بمن فيهم فرنسا». وفي تصريحات للقناة التلفزيونية الثانية كشف روكار عن ان دول «5 + 1» «ستسعى الى اتخاذ موقف موحد في اجتماعات بغداد». كما وصف روكار الفتوى الشهيرة لقائد الثورة الاسلامية آية الله علي خامنئي بتحريم إنتاج واستخدام أسلحة الدمار الشامل بأنها «بالغة الاهمية ويمكنها زرع الثقة». وخاطب روكار الايرانيين قائلا «ان العالم يعيش تحولات لا يمكن فيها لأي بلد اللجوء الى القوة لفرض إرادته على الآخرين».

إلى ذلك، كشف علاء الدين بروجردي رئيس لجنة السياسة الخارجية والأمن القومي في البرلمان عن «وجود مفاوضات حاليا بين مساعد الأمين العام لمجلس الامن القومي علي باقري ومساعد مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي للاتفاق على إطار لمفاوضات بغداد». وقال بروجردي «إن مفاوضات حول الموضوع نفسه جرت مع الدول التي لها علاقة بالموضوع» وعبر عن اعتقاده بأن «اجتماع بغداد سيشكل خطوة نحو الأمام». ونقل بروجردي عن رئيس الوزراء الفرنسي روكار بعد لقاء جمعه بأعضاء لجنة الأمن القومي «تفاؤله باجتماع بغداد». واعتبر بروجردي أن «مفاوضات بغداد هي سلسلة إحدى حلقاتها الموضوع النووي»، وأن طهران تطرح «مواضيع المنطقة والعالم ومنها الإرهاب كرزمة واحدة».

وفي سياق متصل، شدد مساعد وزير الخارجية الايراني للشؤون الدولية والقانونية محمد مهدي آخوندزاده، على ان طهران «لن تخضع للضغوط والابتزاز»، معتبرا ان «الالتفاف الشعبي حول البرنامج النووي أجبر الغرب على التراجع» أمام طهران، وأكد آخوندزاده أن «إجماعا دوليا بدأ يتكون باتجاه حل» سلمي للبرنامج النووي لبلاده.

وفي توقيت ذي دلالة غاية في الأهمية أعلنَ رئيسُ لجنةِ تكنولوجيا الفضاء الايرانية مهدي فرحي أنّ بلادَهُ ستُطلِقُ قمرَا صناعيا يدعى «فجر» الى الفضاء في الثالث والعشرين من أيار الحالي أي في موعد اجتماع بغداد. وهو ما اعتبره مراقبون «رسالة قوية إلى مجموعة 5 + 1» تؤشر إلى أن إيران التي لينت موقفها في اجتماع اسطنبول الشهر الماضي وتنوي التعاطي بإيجابية مشابهة في اجتماع بغداد «لا تنطلق في موقفها من ضعف بل من رغبة في التوصل إلى حل مرض للطرفين ولكن من موقع قوة». وأوضحَ فرحي أنّ القمرَ الصناعيَ «فجر» هو الرابع الذي تطلقه إيران إلى الفضاء ويمتازُ بقُدراتٍ تقنيةٍ متطورة مقارنة مع الاقمارِ الصناعية الثلاثة «اميد» و«رصد» و«نويد» التي أطلَقتْها ايرانُ سابقا، كما أنّ عمره أطول من أعمارِ الأقمارِ السابقة بعامٍ ونصفِ العام عندما يَدخُلُ الخدمةَ في مدارِه حولَ الأرض.

إبنتي الغالية.. أنتِ بلاشكّ تقولين: أنكِ تحبّين الله تعالى لكنّه سبحانه وتعالى يطلب منّكِ الدليل على حبّك، وكل من ادّعى المحبّة فعليه أن يقدّمه، وهو في قوله تعالى:"قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (آل عمران/ 31)، فطاعتكِ لأوامر الله ورسوله هي دليل محبّتكِ له، وما عدا ذلك فهو ادّعاء لا مرية فيه، فهلا رجعت إليه وإلى أمره فالتزمت بحجابكِ وعفتكِ وطهارتكِ؟ وهلا حجبت نفسك عن اتّباع الهوى وأخذت حذرك من الشيطان الذي يأتي يوم القيامة فيخطب فيمن أغواهم فأطاعوه؟ "وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (إبراهيم/ 22).

إنّها جنّة عرضها السماوات والأرض:

ابنتي وحبيبتي، انظري في نفسك وحولك نظر فكر وتأمّل، ألم يخلقك الله في أحسن تقويم، ألم يسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة، ألم يسخر لك الكون بما فيه، ألم يرزقك رزقاً حسناً منذ كنتِ جنيناً في بطن أمك وإلى الآن وإلى ما شاء لك في هذه الحياة؟ هل تعلمين أنّك لو جلست تعبدين الله ليل نهار صياماً وقياماً ما وفيت الله نعمه وما أديت حقّه وشكره؟ لكنّه كريم متفضّل منعم، فلماذا لا تعودين إليه وأنتِ تتقلّبين في نعمه كل لحظة؟! أتعرفين ثواب من يطيعه ويتعبّده بإتيان أوامره واجتناب نواهيه؟ إنّه جنّة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتّقين فيها "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر". أتعلمين جزاء مَن يعود إلى ربّه؟ إنّه القبول والرحمة وتكفير السيِّئات وتبديلها حسنات وكل ذلك فضل من الله الكريم القائل مبشراً: "إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا" (الفرقان/ 70).

باب التوبة مفتوح.. ولا نجاة إلا بالتمسُّك بمنهج الله:

إنّ الحجاب فرض عين على كل مسلمة رضيت أم أبت، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا" (الأحزاب/ 59). والحجاب مظهر لصلاح ظاهر المرأة وتميزها بالإلتزام بمنهج الله عن غيرها؛ لذا لابدّ مع الحجاب يا ابنتي من صلاح الباطن وتقوى القلب، والمسلمة بحق تجمع بين صلاح الباطن والظاهر فلا يستغني أحدهما عن الآخر، فينضح إيمان قلبها وحبها لربّها على مظهرها فيتجلى حجاباً وستراً وخلقاً طيّباً وسلوكاً وعملاً واتباعاً وطاعة، وقد فرضه الله تعالى على المرأة وعلم منها القدرة على الإلتزام به لأنّه لا يكلّف الله نفساً إلّا وسعها، وهو عزّوجلّ هو مَن رحمها وهي صغيرة فحرّم وأدها، ونهى عن تفضيل الذكور عليها، وجعل منها إنسانة لها حقوقاً، وكرّمها وهي كبيرة أمّاً وزوجة وأختاً، فجعل لكل منهنّ حقّاً وبرّاً وصلة ورحماً، وأنزل سوراً من القرآن تحمل اسمها كأنثى (مريم – النساء – المجادلة) وجعل الجنّة داراً لها كما هي للرجال، كل هذا التكريم يقتضي ويتطلّب منّك الطاعة والإنابة إليه سبحانه. فعودي إلى الله سريعاً ولا تأخذك العزة بالإثم فتندمي وتخسري حيث لا ينفع الندم ولا تُرفع المعصية، وباب التوبة مفتوح وهو سبحانه يفرح بتوبة عباده ويغفر ويسامح.

فعودي إلى الله عوداً حميداً من قبل أن تأتي ساعة يكون الندم فيها كبيراً حيث لا رجعة بعدها إلى الدنيا فنعمل، وتلك الساعة سيذوقها كل إنسان، وهي لا تعرف عمراً محدّداً، فقد تأتي الصغير قبل أن يكبر، والكبير قبل أن يهرم، والعروس قبل أن تُزَفّ، قد تأتي المرء في أي حال وفي أي وقت فلا يستطيع أن يتوب أو يعيش ليعمل، إنّها لحظات الموت التي يتحدّد فيها مصير كل إنسان ويطيع على مستقبله وما ينتظره فيه، ووقتها سيعرف المرء هل سيزف إلى جنة الخلد حيث الرضا والنعيم أم سيساق إلى جهنم وبئس المصير؟ فانتبهي يا بنيتي.

الجنّة تناديك وتدعوك لطاعة الله:

ابنتي.. الجنّة تشتاق إليك بعودتك إلى الله فعُودي، والإسلام يريدك قدوة طيّبة فكوني، ويحبّك ملتزمة بدينك فالتزمي، وإن طاعتك لربّك عمل يضاف للآباء والأُمّهات فلا تحرمي والديك من هذا الثواب، وصلاحك يا ابنتي سينفعك وينفعهما وينفع المسلمين جميعاً، فأطيعي الله لتقرّ عين أُمّك التي تحبّك وأبيك الذي ربّاك، وأنا على يقين وثقة أنّكِ بعون الله ستتغلبين على شيطان النفس والهوى.

إيمان مغازي الشرقاوي

"إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ"(1).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء هذه الأمة، وسيدة نساء المؤمنين)(2).

عندما يتحدث التاريخ عن الصدّيقة الزهراء (عليها السلام) تجد نفس الحديث عن مريم العذراء و الخصائص التي اختصت بها مريم(عليها السلام) ،ومن جهة أخرى نلاحظ التفضيل الحاصل من قبل النبي لفاطمة (عليها السلام) على مريم سلام الله عليها. ونحن إذ نتعرض لخصائص مريم إنّما من باب أنّ هذه الخصائص هل هي موجودة عند الزهراء بما أنّها أفضل أولا؟

إن المتتبع لخصائص مريم(عليها السلام) يدرك أن لها ذلك المقام الذي لا يحصل عليه إلا من كانت عنده مكانة عند الله سبحانه وتعالى، ومن تلك الخصائص :

1- التحديث

"إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ"

هذا يشهد أنّ مريم أوحي إليها وكلّمتها الملائكة، ولم تكن نبياً ولا رسولاً، فالتحديث لم يقتصر على النبوة بل يكفي فيه أنّه من حجج الله سبحانه وتعالى أو لغرض الهي.

وهذا التحديث قد حصل لأم موسى (عليه السلام)، قال تعالى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ"(3).

وقد ورد عن أهل بيت العصمة عن أنّ فاطمة محدَّثة، كما ورد عن الصادق (عليه السلام): (إنما سميت فاطمة محدَّثة لأن الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها كما تنادي مريم بنت عمران فتقول: يا فاطمة إنّ الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين، يا فاطمة اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ، فتحدّثهم و يحدّثونها ، فقالت لهم ذات ليلة: أليست المفضلة على نساء العالمين مريم بنت عمران؟ فقالوا: أنّ مريم كانت سيدة نساء عالمها، وإنّ الله عزّ وجل جعلك سيدة نساء عالمك وعالمها، وسيدة نساء الأولين والآخرين)(4) .

2- حجية مريم بنت عمران(عليها السلام)

وحجية مريم مما صرح به القرآن بقوله تعالى : "وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً"(5). والآية هي الحجة، أي جعلنا عيسى (عليه السلام) وأمه حجة، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن هذه الآية قال: (أي حجة)(6).

فحجيتها في عرض حجية عيسي (عليه السلام) بل أسبق ؛ من حيث أنها المبلغ الأول لبعثة النبي عيسي وشريعته ، حيث إنّها أُمرت من قبل الله تعالي بتحمل مسؤلية الإنجاب بطريقة المعجزة من دون بعل ، ليمهد الطريق لبيان المعجزة لنبوة عيسي وشريعته ، فما جري للسيدة مريم (عليها السلام) من المخاطرة بحرمتها وقدسيتها لأجل هذه الحجية ، لأجل نبوة عيسي (عليه السلام) .

هذا ما کان لمريم من الحجية ، فهل للزهراء مثل هذا ؟ نعم ، فهي حجة علي الخلق ، فلقد کانت الفصل للحق والباطل کما في آية المباهلة ، فمباهلة النبي بعلي وفاطمة والحسن والحسين يعني احتجاجه علي النصاري بهؤلاء الذين هم الحجة علي صدق نبوة الرسول (صلى الله عليه وآله) ، کما کانت مريم ومن خلال حملها حجة علي نبوة عيسي (عليه السلام) .

وأيضاً مما روي أنّ فاطمة حجة ما عن الباقر (عليه السلام) قوله : (ولقد کانت (عليها السلام) مفروضة الطاعة علي جميع من خلق الله من الجن والإنس والطير والوحش والأنبياء والملائکة) (7) .

3- الاصطفاء لمريم (عليها السلام)

ولقد اصطفيت مريم وطهرت لقابليتها للاصطفاء وقدرتها علي تلقي إرادات الله تعالي ، وکانت هذه القابلية لمريم (عليها السلام) لما نذرت نفسها لطاعة الله وعبادته والانقطاع له سبحانه وتعالي ، ولقد کان هذا الإعداد لکي تکون مريم بهذه المکانة تحت رعاية الله سبحانه وتعالي وبقيمومة زکريا (عليه السلام) الذي أو کل بمهمة الإعداد هذه .

فهل کان لفاطمة مثل هذا الاصطفاء من قبل السماء ؟ نعم ، وهذا ما صرحت به الأحاديث الدالة علي إعداد النبي لها لتلقيهذه الکرامة ، کما ذکرنا سابقاً من الأحاديث الدالة علي تحديث فاطمة (عليها السلام) من قبل الملائکة .

ولکن نقول : هذه خصائص شارکت فاطمة (عليها السلام) فيها مريم بنت عمران ، وعلي ذلک فاطمة فُضّلت بخصائص لم تکن لمريم (عليها السلام) ، وهي :

1- سيدة نساء العلمين وسيدة نساء أهل الجنة .

2- أول من يدخل الجنة .

ويکفينا هنا من فضلها ما روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ، حيث قال لفاطمة : (يا بنية ! إنّ الله أشرف علي الدنيا فاختارني علي رجال العالمين ، ثم اطلع ثانية فاختار زوجک علي رجال العالمين ، ثم اطلع ثالثة فاختارک علي نساء العالمين ، ثم اطلع رابعة فاختار ابنيک علي شباب العالمين)(8).

قال الإمام الصادق (عليه السلام) : (لو لا أن الله تعالي خلق أمير المؤمنين لم يکن لفاطمة کفء علي وجه الأرض ، آدم فمن دونه ) (9).

الشيخ عبد الجليل المكراني

------------------------------------------------------------------

الهوامش:

1 - آل عمران:45.

2 - المستدرك على الصحيحين3: 170/4740،مسند أبي داود: 167،كنز العمال12: 110.

3 - القصص: 7.

4 - علل الشرائع1: 216/1.

5 - المؤمنون: 50.

6 - تفسير البرهان3: 113.

7 - عوالم العلوم : 190، دلائل الإمامة : 30 .

8 - بحار الأنوار 43 : 12 .

9 - الکافي 1: 461/10 ، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2 : 203 .

عندما خلق الله الشمس.. اضاءت كل ماحولها، وبددت الظلام، ليحل محله النور، وهكذا كان خلق مريم ابنة عمران، اشارة الأذن بظهور ضياءها المتمثل بالمسيح في حياة البشرية، اذ كان عيسى عليه السلام ظل الله في الارض.. وفي كل مرة يخلق الله فيها نبي او رسول او وصي فان نور المرأة الام يكون اذن لبشارة جديدة، وهكذا كانت آمنة بنت وهب أذن بشارة لنور محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حياة البشرية، وهو الفجر الصادق، والصادق الامين.. واذا بهذا النور ينتقل الى ابنته فاطمة الزهراء ويمتزج بنور علي بن ابي طالب عليه السلام ويولد من نورهما احد عشر نورا كل منها يمثل مصباحا وقمرا منيرا.. فأولهم الحسن عليه السلام، وآخرهم محمد المهدي المنتظرعليه السلام.

 

لقد مثلت السيدة الزهراء عليها السلام صفحة خاصة في حياة الامة، ولم تكن صفحة هامشية، فهي مستودع العلوم ورمز الطهارة، وكانت عليها السلام عالمة فاهمة مفهمة..

لقد مثلت السيدة الزهراء عليها السلام صفحة خاصة في حياة الامة، ولم تكن صفحة هامشية، فهي مستودع العلوم ورمز الطهارة، وكانت عليها السلام عالمة فاهمة مفهمة.. وكانت قريبة من الوحي وغير بعيدة عنه.. ففي بيت النبوة كان مهبط الوحي، بل كانت قريبة من الوحي نفسه بما خصها الله سبحانه وتعالى وأهل بيت النبوة بآية التطهير.

وعلى الرغم من مكابرة المكابرين الذين حاولوا التقليل من شانها وأنى لهم التقليل اظهرت تلك السيدة الجليلة قدراتها يوم اهتزت الخلافة بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودعت الامة الى انتهاج سبيل الحق وذكرتهم بما وصاهم به الرسول.

ولم تنته اضاءة الزهراء بمجرد موتها الجسدي لكن حياتها استمرت نورا في حياة الامة يهدي الى الحق.. فهي نور من نور. ولدت انوارا منيرة. فكيف لمثل هذا النور ان يأفل وهل يعقل ان ينتهي نورها بمجرد موتها الجسدي! فأن صدق ذلك لمات كل الانبياء والرسل!.. فهل مات الرسل او الانبياء بمجرد موتهم الجسدي ام ان ذكرهم لازال مستمرا خالدا بخلود الدهر.. نعم لازال نور آدم باقيا، ولازال نور نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد ونور كل الانبياء والرسل يضيء ويضيء ولايزالون احياء بيننا، ولايزالون أحياء عند ربهم يرزقون. وهذا هو الايمان الذي عرفناه ولن يتزعزع هذا الايمان الثابت في نفوسنا والراسخ كرسوخ الجبال.

لقد اولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عناية خاصة بالسيدة الزهراء ليس لانها ابنته لكن لانها كانت سيدة ذات خصوصية خاصة كما كان لمريم ابنة عمران خصوصية خاصة، بل ان خصوصية الزهراء عليها السلام اعظم. اذ انها سيدة نساء عالمين زمانها وغير زمانها، كما انها كانت تحمل سلسلة الانوار التي تجسدت بالرموز الخالدة خلفاء النبي الاكرم الاثني عشر بأبيهم الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه وعليهم افضل الصلاة والسلام.

والزهراء وهي ام الائمة المعصومين أدخر الله عز وجل فيها هذه السلسلة الطاهرة التي آخرها الامام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف وهو الامام الثاني عشر من ائمة اهل البيت عليهم السلام والذي سيملئ الله به الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.

وان مايلفت النظر ان قبرها عليها السلام مجهول رغم انها ابنة للنبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم! فلماذا ماتت وهي ابنة العشرين؟! ولماذا شيعت بصمت؟! ولماذا دفنت بصمت؟! ولم يعرف لها قبر؟! لقد كانت هذه رسالة الزهراء عليها السلام للامة..

والزهراء عليها السلام كانت عالمة بمستقبل الامة وتعلم جيدا الى من سيؤول امر هذه الامة ومن سيخلف امرها آخر المطاف، وتعلم ماسيقع على ابناءها بعد وفاتها، لذلك حملت الزهراء في نفسها هموم وآلام ابناءها وهموم وآلام الامة.

ولقد بكت الزهراء عليها السلام اباها وعمها الحمزة بن عبد المطلب وهي تعلم يقينا انهما في الجنة. ولكن هو ألم الفراق، وألم الاحساس بالظلم فقد مرت عليها السلام بأدوار عصيبة حملت في نفسها ألما لايخففه اي شئ سوى اللحاق بأبيها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

وان مايلفت النظر ان قبرها عليها السلام مجهول رغم انها ابنة للنبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم! فلماذا ماتت وهي ابنة العشرين؟! ولماذا شيعت بصمت؟! ولماذا دفنت بصمت؟! ولم يعرف لها قبر؟! لقد كانت هذه رسالة الزهراء عليها السلام للامة.. فلم تدفن الزهراء سرا الا لتحقيق وصيتها.

فالمال يزول والسلطة تزول ولكن الحق لايزول فالله حق وهو الازل ولايزول، والموت حق والجنة حق والنار حق والوعد حق ولن يخلف الله وعده.

فإلى الزهراء عليها السلام نهدي باقة ورد، والى زوجها امير المؤمنين وابنائهما المعصومين باقات من الورود ونسأل الله شفاعتهم يوم لاينفع مال ولابنون الا من اتى الله بقلب سليم.

السبت, 12 أيار 2012 05:31

ألمانيا تدعم العدوان

هي الغواصة الرابعة التي تسلّمها ألمانيا للكيان الصهيوني، وهي كمثيلاتها الأخرى قادرة على حمل وإطلاق رؤوس نووية .

ألمانيا مازالت مصرّة على دفع ضريبة ما يسمى “الهولوكوست”، أي تزويد الكيان بأسنان نووية . النازية الألمانية ارتكبت ما ارتكبت بحق اليهود، والشعب الفلسطيني ومعه الشعب العربي، يدفعان الثمن . ألمانيا قتلت والعرب ضحاياها وضحايا ضحاياها .

ماذا اقترف العرب والفلسطينيون بحق ألمانيا حتى تُقْدِم على مثل هذا العمل الذي يحمل في ثناياه نُذُرَ إبادة لشعوب المنطقة؟ ولماذا هذا التسليح بأسلحة دمار شامل، وهذه الكراهية المطلقة والمعلنة للعالم العربي؟

هذا التزاحم الألماني والغربي عموماً على تزويد “إسرائيل” بأسلحة تقليدية متطورة، وأسلحة غير تقليدية، يعني تمكين هذا الكيان من مواصلة الغطرسة والعدوان، واللجوء إلى كل ما يملك من وسائل قوة لفرض إرادته على العرب، ومنعهم من استرداد حقوقهم ولو في حدودها الدنيا، وتشجيع الكيان على إعطاء ظهره لكل جهود السلام، وإحباط أية تسوية، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الأساسية في إقامة وطن على أرضه .

التصرف الألماني خطوة عدائية ليس للشعب الفلسطيني، بل لكل الأمة العربية، لأنها تنم عن تأييد لكل ممارسات الكيان الصهيوني من عدوان وعنصرية وتهويد وإقامة مستوطنات وانتهاك لقرارات الشرعية الدولية والقوانين الدولية .

إن هذه الدول التي تزود الكيان الصهيوني بمثل هذه الأسلحة، تتحدّث في الوقت نفسه عن السلام والتزام الشرعية الدولية، وهي بذلك تمارس نفاقاً سياسياً مكشوفاً، لأن من يريد السلام فعلاً في المنطقة لا يزوّد من يرفض السلام بالسلاح .

الغرب يبيعنا الكلام المعسول، ويقدم أسلحة الدمار للكيان الصهيوني . . إنه ذروة انعدام الأخلاق السياسية .

السبت, 12 أيار 2012 05:28

شعبية اوباما

تشير استطلاعات الرأي الى تدني شعبية الرئيس اوباما ، حتى انه بات يقارن بالرؤساء الاقل شعبية في تاريخ الولايات المتحدة. ولعل ابرز الاسباب لتدني هذه الشعبية هو الوضع الاقتصادي ، فالمواطن الامريكي لم تعد تدغدغ عواطفه الخطابات الرنانة والوعود الوردية بتخطي الازمة الاقتصادية وتحقيق الرفاه ما دام انه لم يلمس عن كثب تحسن الوضع الاقتصادي من خلال تحسن الدخل لتشمل قطاعات لها علاقة مباشرة به.

لغة الارقام وحدها هي القادرة على تغيير صورة الرئيس ورفع شعبيته وليس لغة الكلام والوعود، وهذا هو المؤشر الحقيقي لعلاقة الرئيس بمواطنيه ، فانت رئيس ناجح ما دمت قادرا على تحقيق وعودك الانتخابية وتحقيق الرفاهية للفرد العادي ، ولعل هذا الامر يعكس عقلية الشعب الامريكي البراغماتيه والتي تتحرك بوصلتها وفق المصلحة والمصلحة فقط.

لقد اكثر الرئيس اوباما من الوعود في حملته الانتخابية وهذه الوعود اصبحت عبئا عليه عندما تسلم مقاليد الحكم ، وهذا قد يلحق الاذى بالحزب الديمقراطي الذي قد يخسر حظوظه بالاغلبية لصالح الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية القادمة.

لم يستطع الرئيس حتى الان تحقيق اي وعد من وعوده الانتخابية وهذا ما يزيد الضغط على حزبه الذي بات في موقع حرج للغاية انتخابيا، وربما ادرك الرئيس بعد الانتخابات بانه اسرف في اطلاق الوعود بالتغير في حين يقف الان عاجزا عن تنفيذ اي منها ولاسباب عديدة، وزاد الوضع سوءا التسرب النفطي في خليج المكسيك والذي عطل الحياة البحرية لعدة اشهر .

ربما يساور الرئيس اوباما الشك في قدرته على النجاح في الفترة الرئاسية الثانية بعد عامين او يزيد و يقلق حزبه توقعات الانتخابات القادمة والتي قد يخسر فيها الحزب لصالح الجمهوريين، في وقت يزداد فيه الضغط الجماهيري على الرئيس وحزبه بشكل عام.

لا احد ينكر ذكاء الرئيس اوباما ، لكن التحديات الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة تجعله مكبل اليدين في وسط طوفان من المعارضة والتذمر في الشارع الامريكي ، في حين يستغل الحزب الجمهوري هذا الامر لممارسة مزيد من الضغوط على الرئيس وادارته.

اذا ما فاز الجمهوريون بالاغلبية في الانتخابات النصفية فان من المستبعد ان يكون الرئيس قادرا على تنفيذ ايا من الوعود التي قطعها على نفسه ، لانه في هذه الحالة سيكون في وضع لايسمح له بالتحرك او المناورة وقد يؤدي هذا الى زعزعة الحزب الديمقراطي الذي سيجد من الصعوبة بمكان ان يتبنى سياسات وقوانين لا يملك النصاب القانوني او القدرة العملية على تفعيلها ومن ثم تمريرها وسيكون الحزب كالرئيس غير قادر على التحرك او المناورة.

يبدو ان السنوات القادمة ستكون صعبة بالنسبة للرئيس ولحزبه وهذا قد يدفع الرئيس للتمسك بأي فرصة من اجل تحقيق انجاز سياسي ، ولعل عملية السلام ستكون الملاذ الاخير الذي سيحاول الرئيس وحزبه انجازه ، تماما كما حصل مع الريس كارتر عندما كانت شعبيته متدنية للغاية.

 

استمر اضراب الأسير الفلسطيني خضر عدنان عن الطعام 66 يوماً من دون أن يلقى أي اهتمام من المجتمع الدولي ومؤسساته الإنسانية!

يعتقد البعض بأن إهمال قضية الأسير عدنان يعود لانتمائه إلى منظمة الجهاد الإسلامي ولكن الحقيقة واضحة المعالم وهي أن «إسرائيل» التي تستمر في خرق المواثيق الدولية عصية على المحاسبة.

لم تحدد قوات الاحتلال الإسرائيلي العسكرية, ولا حتى السياسية أي تهمة محددة للأسير خضر عدنان, وهو بالطبع واحد من ضمن آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين لا يعرف العالم عنهم الكثير.

في «إسرائيل» تستطيع قوات الاحتلال اعتقال أي فلسطيني وتطلق عليه صفة «إرهابي» ومن دون أي محاكمة يتم وضعه في المعتقلات الإسرائيلية.

هذا ما تطلق عليه قوات الاحتلال «اعتقالاً إدارياً» وهناك ما يزيد على 300 فلسطيني قابعين في سجون الاحتلال تحت هذا المسمى.

وللعلم, فإن هذا الشكل من الاعتقال يمكن أن يمتد سنوات طويلة حيث يبقى الأسير الفلسطيني في السجن من دون محاكمة وهو لا يعرف ما هي تهمته, وعلى الرغم من أن اعتقال الفلسطينيين بهذا الشكل هو خرق فاضح لمعاهدة جنيف الرابعة فإننا لا نشهد قادة دوليين ينادون بضرورة تحرير هؤلاء الأسرى, كما حدث عندما طالبوا بإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي, جلعاد شاليط عندما كان أسيراً لدى حكومة حماس في غزة .

حتى إن حدث وتعرض هؤلاء الأسرى الفلسطينيون إلى محاكمات فهم يدركون كسجانيهم تماماً بأنه لا طريق للعدالة إلى السجون الإسرائيلية.

إن قضية الأسرى الذين بدؤوا إضرابهم المفتوح عن الطعام في سجون الاحتلال الإسرائيلي اتخذوا من ذلك وسيلة للتعبير عن رفضهم لانعدام العدالة في النظام القضائي الإسرائيلي ذي المعايير المزدوجة.

في تشرين الأول الماضي أعلن 2000 أسير فلسطيني إضرابهم عن الطعام احتجاجاً على الظروف السيئة التي يعانونها في سجون الاحتلال.

لقد أصبح خضر عدنان وجهاً مشرفاً وقدوة تحتذى من كل الأسرى الفلسطينيين وقد قال: إن كرامتي أكثر أهمية من الطعام فكل غرام واحد أخسره من وزني يزيد في كرامتي قنطاراً. خضر عدنان أصبح أيضاً رمزاً لرفض الاعتقال والاحتجاج على الإذلال والتعذيب اللذين يتعرض لهما الأسرى الفلسطينيون.

إن الثمن الذي يدفعه هؤلاء الأسرى في معركة الأمعاء الخاوية التي يخوضونها حالياً ضد سجانيهم كبير جداً, فهم يتعرضون لعقوبات جمة تتمثل في فرض العزل الانفرادي وممارسة التعذيب الجسدي والنفسي من قبل سلطات الاحتلال.

فما تشهده السجون الإسرائيلية هذه الأيام من إساءة معاملة الأسرى الفلسطينيين يستحضر إلى ذاكرة هؤلاء حوادث مؤلمة إحداها اعتقال الشاب الفلسطيني تيسير أبو سارة البالغ من العمر 18 عاماً بتهمة إلقاء الحجارة على جنود الاحتلال, ومن دون علم عائلته تم اعتقاله ليعود إليها بعد مضي سنة كاملة جثة هامدة بسبب التعذيب الذي مورس عليه في المعتقل الإسرائيلي.

أما الظروف التي يتم فيها حجز الأسرى الفلسطينيين فهي غير إنسانية وغير عادلة, وصمت المجتمع الدولي حيال ذلك مخجل تماماً, ولاسيما ما يخص سماح المحكمة الإسرائيلية العليا لجهاز الاستخبارات الداخلي الإسرائيلي «شين بيت» باستخدام وسائل التعذيب الجسدي للضغط على الأسرى الفلسطينيين.

مؤخراً نشرت بعض الصحف مقالة للمحامية «أليكرا باتشيكو» ذكرت فيها بعض التفاصيل عن وسائل التعذيب الجسدي التي تمارس ضد الأسرى الفلسطينيين, وكان على رأسها وضع الأسرى الفلسطينيين في وضعية مؤلمة بشدّ أجسادهم بقوة وتقييد أقدامهم وأيديهم خلف ظهورهم ومن ثم تثبيتهم إلى قضبان حديدية خاصة معلقة على الجدار و تعريضهم لدرجات حرارة منخفضة جداً ومن ثم لدرجات حرارة مرتفعة جداً, إضافة إلى ركل المعتقلين وضربهم على مفاصل أقدامهم وأيديهم وحتى على أصابعهم.

وفي بعض الأحيان يتم الضغط على معدة الأسير حتى يصل إلى مرحلة الاقياء, كل ذلك يضاف إليه تعذيب نفسي أو يفرض على الأسير سماع موسيقا صاخبة بصوت عالٍ جداً مدة 24 ساعة أي طوال اليوم ويحرم من النوم عدة أيام, كما تتم تغطية رأس الأسير بكيس مصنوع من مادة سميكة كل فترة التحقيق.

إن فرض عقوبة التعذيب الجسدي على الأسير الفلسطيني لا يستثني حتى رأسه ما يجعله في بعض الأحيان يسقط فاقداً وعيه, وقد سجلت حالات وفاة عديدة من جراء عمليات التعذيب الجسدي في سجون الاحتلال الإسرائيلي حيث عانى الكثير من العائلات الفلسطينية من موت أبنائها الذين كانوا أسرى لدى «إسرائيل».

منذ فترة أطلقت صرخات لمساعدة الأسرى الفلسطينيين لعل الضمير العالمي يتحرك ولو مرة واحدة ويسمع مأساة الفلسطينيين.

قبل تحرير الجندي الإسرائيلي شاليط من الاسر انطلق عشرات الآلاف من الاسرائيليين يطالبون حكومتهم بتحريره.. ربما حان الوقت الآن لنفتح العيون.

إن حل هذا الصراع لن يأتي بإغلاق العيون وصم الآذان عما يحدث كونه يؤذي إنسانيتنا, ولكن الحل يأتي من خلال إدراك هذه المأساة ولفت الرأي العام العالمي إليها.

قال مارتن لوثر كينغ ذات يوم: في النهاية لن نتذكر كلمات أعدائنا, ولكن من المستحيل أن ننسى صمت أصدقائنا.

فأين من يتحدث في الشارع الإسرائيلي عن العدالة والسلام وأهمية الحوار لوضع حد لممارسات جنود الاحتلال ضد الفلسطينيين؟!

أين نشطاء السلام ومحبوه عندما نطرح قضية تحرير الأسرى الفلسطينيين؟!

لقد وصل عدد الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام في سجون الاحتلال إلى أكثر من ألفي أسير, وهذا الرقم مفتوح ويميل إلى الزيادة يومياً.. هذا ما صرحت به جماعات حقوق الإنسان في الضفة الغربية, حيث تم مؤخراً نقل سبعة أسرى إلى مراكز صحية تابعة للمعتقلات الإسرائيلية بسبب تدهور وضعهم الصحي, ومنهم بلال دياب الذي وصل إضرابه عن الطعام إلى 58 يوماً, وكل هؤلاء الأسرى يحتجون على سجنهم من دون توجيه تهم محددة إليهم أو حتى الوقوف أمام المحكمة العسكرية!

نهلة المعاز

لاحظ الكثيرون من المراقبين الذين تابعوا وقائع الثورة المصرية في «ميدان التحرير» وغيره من الميادين والمدن غياب الشعارات التي تتعلق بإسرائيل والصراع العربي - الإسرائيلي، والقضية الفلسطينية، وعملية السلام والتسوية والولايات المتحدة الأميركية وإيران. وتوصل بعض هؤلاء إلى استنتاج مفاده ألا تغير في مواقف مصر إزاء إسرائيل، أو إزاء السياسة الخارجية المصرية عامة. وعزز من هذا الاستنتاج أن البيان الأول لشباب الثورة, والذي تضمن مطالب الثوار, خلا من إشارة إلى إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية, بالإضافة إلى ذلك فإن البند الخامس من البيان الرقم 4 والبند التاسع من البيان الرقم 5 الصادرين عن «المجلس الأعلى للقوات المسلحة», عقب تسلمه إدارة البلاد قد خلا كلاهما من الإشارة إلى إسرائيل. وأعلن البيانان التزام مصر بالاتفاقيات الدولية التي وقعتها بما فيها اتفاقية «كامب ديفيد» عام 1978، و«معاهدة السلام المصرية -الإسرائيلية» عام 1979. ويتمثل مصدر الخطأ في هذا الاستنتاج في عنصرين: الأول منهما خلو فضاء الثورة من هذه الشعارات التي تتعلق بهذه القضايا كان قراراً واعياً من الثوار والقوى السياسية التي لحقت بهم, التزم به الجميع طيلة أيام الثورة بهدف التركيز على المهمة الأولى التي طرحها الثوار على أنفسهم ألا وهي مهمة إسقاط نظام مبارك, والحؤول دون تشتت الأهداف وتجنب خلق خصومات مبكرة للثورة في المحيط الإقليمي والدولي. أما العنصر الثاني فيتمثل في التسرع بالتوصل لهذا الاستنتاج, والاستناد إلى مجرد لحظة زمنية محددة مفصولة عن السياق الزمني, واستباق السيرورة التي يمكن أن تؤول إليها الأحداث والتطورات.

توصل بعض رموز اليمين الإسرائيلي إلى أن القضية الفلسطينية أصبحت ثانوية بالنسبة للثوار والمتظاهرين, وأنها ليست السـبب في عدم الاستقرار في إقليم الشرق الأوسط, ولم يفطن هؤلاء المراقبون من الإسرائيليين وغيرهم إلى أن الثوار أرادوا منذ البداية التركيـز على هــدف واحد وهو إسقـاط نظام مبارك. وقد أظهرت التطورات اللاحقة لتنحي مبارك عن السلطة وتسليمها للقوات المسلحة المصرية, افتقاد هذا الاستنتاج المصداقية, حيث رفع المتظاهرون بكثافة شعارات حول تحرير القدس من السيطرة الإسرائيلية في الجمعة التي أعقبت التنحي. ومن اللافت للنظر أنه قد غاب عن ذهن أصحاب هذا الاستنتاج «أن كل الثورات محلية»، من زاوية الأسباب التي أفضت إليها والأهداف التي تنشد تحقيقها, ولكــنها نادراً ما تتوقف عند الحدود المحلية وتظهر تأثراتها على البيئة الإقليمـية إن عاجلاً أو آجلاً على غرار ما حدث في الثورة الفرنسية عام 1789, والثورة البلشفية عام 1917, وغيرها من الثورات, أخذاً في الاعتبار أن لكل حالة ولكل ثورة خصوصيتها التي تميزها عن غيرها. في هذا السياق فإن الثورة المصرية والثورات العربية ستعزز من مواقف الدول العربية في مواجـهة إسرائيـل وفي مقدمتها مصر, ذلك أن الثورة المصرية قد فتحت الباب (أو هكذا يفترض) أمام بناء نموذج ديموقراطي ومؤسسات تمثيلية تشريعية وتنــفيذية قائمة على الانتخاب الحر النزيه, وهو ما يعني نهاية حكم الاستبداد الذى يفرض إملاءاته على الشعب. والحال أن شعبا حراً من الاستبداد بمقدوره بدرجة أعلى مساعدة الشعب الفلسطيني الساعي إلى التحرر من الاحتلال, خاصة بالنسبة للشعب المصري الذي لم يتخل عن الشعـب الفلـسطيني في أكثر الظروف قساوة واستبداداً. من ناحية أخرى فإن الحقبة المقبلة سيكون للرأي العام تأثير في صنع القرار واتخاذه بدلاً من الدوائر الضيقة من المتنفذين في النظام السابق، الذين احتــكروا اتخاذ القـرارات ولم يعبأوا بالرأي العام. على صعيد آخر فقد جردت الثورة المصرية والثورات العربية إسرائيل من أحد أوجه تميزها, ألا وهو الادعاء بأنها واحة الديموقراطية في الإقليم, رغم وجود الديموقراطيات الأخرى التركية واللبنانية.

كانت إسرائيل تفضل عقد السلام مع نظم حكم دكتاتورية مستبدة, وحكمت سلوكها وفق المعادلة التي تقول «الاستقرار مع الاستبداد أفضل من الديموقراطية»، وأصبح لزاماً عليها عاجلاً أم آجلاً عقد سلام ترضى عنه الشعوب, بدلاً من السلام مع مئات المنتفعين والمستفيدين من القلة التي تسيطر على نظم الحكم. من الممكن أن تستمر مصر في الأفق المنظور بالالتزام بـ«معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية», بيد أن ذلك لا يحول دون تبني نهج جديد للسياسة المصرية إزاء إسرائيل, فلن يكون النظام المقبل في طور البقاء «كنزاً استراتيجياً لإسرائيل»، بل بمقدور هذا النظام أن يرفض سياسة الإملاء وفرض الهيمنة على المنطقة بالقوة والردع, ولن يسوّغ ويبرر مفاوضات عبثية مع إسرائيل تعتبرها غاية في حد ذاتها, لكسب الوقت وتيئيس الفلسطينيين. ولن يقبل باستمرار الحصار على غزة, وقد ينسج علاقات جديدة مع حركات المقاومة، ولن يوفر غطاء لضربة إسرائيلية لإيران. وقد وجدت بعض التصورات الطريق إلى الواقع, حيث تمكنت مصر بعد الثورة من صياغة ملامح مبادرة مصرية جديدة تشكلت تدريجيا، حيث دان نبيل العربي، وزير الخارجية السابق، الحصار على غزة ودعا إلى مؤتمر دولي للسلام, بديلاً للمفاوضات الثنائية العبثية, وتم عقد المصالحة الفلسطينية - الفلسطينية دون تنسيق مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وأعلنت مصر فتحها لمعبر رفح دائما. يعزز من ذلك أن مصر منذ منتصف الخمسينيات والستينيات, قد استطاعت أن تبني نموذجاً متكاملاً للسياسة الداخلية والإقليمية والدولية في حقبة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تمحور حول التحرر الوطني والحياد الإيجابي والاشتراكية, وامتد تأثير هذا النموذج لما وراء حدود مصر.

بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، فإن النموذج المنشود شعبياً وثورياً من الممكن أن يقوم على الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان والحرية وتعزيز القدرات التنافسية للاقتصاد المصري, وتحقيق العدالة الاجتماعية عبر إعادة توزيع الثروة, ودعم المساءلة والشفافية والمراقبة، وبمقدور مصر لو تمكنت من بناء هذا النموذج أن تكون قدوة لبقية الأقطار العربية. إن نجاح مصر في بناء مثل هذا النموذج, من شأنه أن يعزز المصانع الوطنية المصرية, وأن يؤثر إيجاباً على تبنيها سياسة خارجية مستقلة في مواجة إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وسيمكنها من استعادة دورها الإقليمي والعربي. وهذا النجاح المأمول والافتراضي لمصر في بناء هذا النموذج قد يفضي في المدى المتوسط (5-10سنوات) إلى اعادة النظر في المعاهدة المصرية - الإسرائيلية أو تعديل بعض بنودها, خاصة تلك التي تقيد السيادة المصرية على سيناء, حيث إن هذه المعاهدة مع إسرائيل في نظر الكثيرين من المصريين قد أصابت مصر بالشلل, وسمحت لإسرائيل وأميركا بالدفاع عن مصالحهما دون تردد, حيث سمحت المعاهدة لإسرائيل بضرب المفاعل النووي العراقي عام 1981وشنت عدوانها على لبنان عام 1982 وعلى لبنان مرة أخرى عام 2006 وعلى غزة 2008 وضاعفت إسرائيل عدد المستوطنين, وأعلنت القدس عصمة موحدة لها وقصفت المنشآت السورية. أما مصر فقد قدمت مساهمات سياسية وعسكرية في حرب الخليج 1990-1991, وقادت الحملة ضد إيران وتهديدها وغذت وهم السلام في المنطقة ومارست ضغوطاً على السلطة الفلسطينية للاستمرار في التفاوض العبثي. وبصرف النظر عمن سيحكم مصر في الشهور المقبلة، فإن السياسة المصرية إزاء إسرائيل, لن تعود إلى سيرتها الأولى, لأن الشعوب تتعلم في زمن الثورات أكثر مئات المرات من الزمن العادي. وقد تشهد العلاقات المصرية -الإسرائيلية تغيرات كبيرة، خاصة مع تصلب المواقف الإسرائيلية إزاء الشعب الفلسـطيني ودخول الرأي العام المصري على الخط في ما يتعلق بهـذه العلاقات. وربمــا لا يتحدد مستقبل هذه العلاقات المصرية - الإسرائيلية وفق الإدراك والتصور المصري فحسب لحدود العلاقة مع إسرائيل, ودور مصر الإقلــيمي والعربي, ذلك أن هذا التصور سيتفاعل مع التصور الإسرائيلي لطبيعة العلاقات مع مصر في مرحلة ما بعد الثورة، خاصة أن إسرائيـل بعد الثــورة المــصرية قد شهدت تظاهرات لليسـار للمطالبـة بدولة فلسطـينية استنـادا إلى قراءة دلالات الثورات العربية ومسارها وأصبح لديها كتلة من السكان تتساءل عن المصير والمستقبل. وقد تسهم هذه المؤشرات في تقييد قدرة الحكومة الإسرائيلية على تزييف وعي الإسرائيليين باستحالة قيام دولة فلسطينية.

يتوقف الأمر على توازن القوى الداخلي في إسرائيل، بين القوى اليمينية واليسارية هناك، وقدرة حكومة نتنياهو على الصمود أو قابليــتها للانهيار. ما يهم إسرائيل في المقام الأول هو الإبقاء على معاهدة السلام مع مصر، في حين أن تعرض العلاقات مع مصر لتغيرات في المجالات الاقتصادية والتجارية يأتي في الدرجة الثانية؛ ما دام الجوهر باقياً أي استمرار المعاهدة. في مواجهة هذه التطورات فإن إسرائيل تتهـيأ للأســوأ، أي المواجهة مع حصيلة هذه التطورات الإقليمية وشكل النظم المقبلة وقدرة الاتفاقيات على الصمود. تتخذ إسرائيل منحى معادياً للديموقراطيـة وتشكك من الآن فيها، فهذه الديموقراطية من وجهة النظر الإسرائيلــية ليست هي الديموقراطية الغربية العلمانية, لأنها ستكون بعيدة عن القيم الغربية. وتروج إسرائيل لفكرة الحليف الثابت المستقر في الإقليم للولايات المتحدة, والذي تمثله إسرائيل في محيط إقليمي مضطرب, وغير مســتمر وهو ما يعزز الإبقاء على القوة العسكرية باعتبارها الضمانة الوحيدة في مواجهة الإقليم المضطرب. وتتوقف محصلة هذه التفاعلات في الرؤى والتصورات على توازن القوى السياسي الناشئ، إن في مصر وإن في العالم العربي وقدرة مصر والعالم العربي على استمالة القوى الدولية والمجتمع الدولي لمصلحة أجندة جديدة تكفل التسوية والاستقرار وإنصاف الشعب الفلسطيني.

السيناريوهات

أول السيناريوهات: بقاء «المجلس العسكري» في الحكم, رغم الجدول الزمني الذي أعلن مؤخراً وتسليمه السلطة للمدنــيين نهـاية يونيو/حزيران عام 2012، وذلك بافتراض حدوث تطورات واحتــجاجات قد تؤدي إلى الفوضى وخلط الأوراق تحيل مصر إلى ساحة مواجهات. وفي هذه الحالة سيجد «المجلس العسكري» مبرراً للاستمرار في الحكم بدعم شعبي وجماهيري للاستقرار وتجنب الفوضى. وقد يكون هذا السيناريو ضعيفاً، نظراً للإعلان المتكرر من «المجلس العسكري» عن تسليمه السلطة إلى المدنيين. ولكن إذا حدث فإن العلاقات المصرية - الإسرائيلية لن تشهد تغيرات كبيرة وقد تستمر وتيرتها الحالية، أي استمرار السفــراء والسفارات والعلاقات القانونية والديبلوماسية والإبقاء على المعاهدة المصرية - الإسرائيلية دون تعديل, خاصة مع استجابة إسرائيل لزيادة عديد القوات الأمنية المصرية في المنطقة (ج) المجاورة لحدودها. وهذا السيناريو له حظــوة لدى إسرائيــل والولايات المتحـدة الأميركـية على الأقل ضمنياً؛ فكلاهما يعرف قادة الجيش المصري وهيــئة أركانه, وجميعهما قد يحمل لنظام مبارك وسياساته تقديراً من نوع ما أو ولاءً بدرجة معينة, وفي هذه الحالة لن يكون ثمة انقلاب في العلاقات المصرية -الإسرائيلية.

ثاني السيناريوهات: أن تفضي التطورات الجارية في مصر, الانتخابات التشريعية في مراحلها الثلاث إلى فوز ساحق لـ«الإخوان المسلمين» و«السلفيين» وإلى تخلي «المجلس العسكري» عن حكم البلاد بعد انتخاب رئيس الجمهورية، واستكمال المؤسسة التشريعية وتشكيل حكومة بقيادة «الإخوان المسلمين» و«السلفيين». وفي هذه الحالة تتوقع إسرائيل أن يتم إلغاء المعاهدة أو تعديلها، وإجراء تغييرات جوهرية في مضمون هذه العلاقات, خاصة مع دعم هذه القوى ـ إن لم تكن لخيار الحرب ـ لخيار المقاومة وثقافة المقاومة, خاصة أن «حركة حماس» في فلسطين هي الامتداد الإخواني الفلسطيني, واحتمال تشكيل محور للمقاومة مع الفصائل الفلسطينية الأخرى في لبنان و«حزب الله». وتتوقع إسرائيل أن تواجه سيطرة «حماس» على الأراضي الفلسطينية وسيطرة «حزب الله» على لبنان و«الإخوان المسلمين» على مصر. تبدي إسرائيل تخوفها من هذا السيناريو، لأنها تنظر إلى «الإخوان المسلمين» كمتطرفين دينياً ويطالبون بفلسطين التاريخية على غرار «حماس». والنقطة المثيرة للجدل والانتباه في هذا السيناريو هي تجاهل الفارق بين البقاء في المعارضة والوصول إلى الحكم, فثمة احتمال أن تتغير المواقف والسياسات بعد الوصول إلى الحكم نظراً لطبيعة المسؤوليات وتداعيات القرارات التي تُتخذ وقد تكون خبرة «حركة حماس» داعمة لهذا الافتراض، لأنها واجهت معضلة الجمع بين الحكم والمقاومة في آنِ واحد.

ثالث السيناريوهات: يتمثل في احتفاظ رئيس الجمهورية المقبل في مصر بصلاحيات الرئيس في النظام نصف البرلماني ونصف الرئاسي كما هو الحال في فرنسا مثلاً, وهي صلاحيات الدفاع والأمن والخارجية وعقد المعاهدات الدولية، وذلك وفق صيغة الدستور المقبلة في مواجهة من يريدون نظاماً برلمانياً يحظى فيه الرئيس بصلاحيات رمزية. وفي هذه الحالة ستبقى العلاقات مع إسرائيل بيد الرئيس المقبل وكذلك المعاهدة وتعديلها، أو الإبقاء عليها، كما هي وفق تفاهمات من الجانب الإسرائيلي.

عبد العليم محمد