Super User
الحج بَراءَةُ مِنَ المُشرِكين
﴿بَراءَةٌ مِنَ اللّهِ ورَسولِهِ إلَى الّذينَ عاهَدتُم مِنَ المُشرِكينَ * فَسيحوا فِي الأَرضِ أربَعَةَ أشهُرٍ واعلَموا أنّكُم غَيرُ مُعجِزِي اللّهِ وأنّ اللّهَ مُخزِي الكافِرينَ * وأذانٌ مِنَ اللّهِ ورَسولِهِ إلَى النّاسِ يَومَ الحَجّ الأَكبَرِ أنّ اللّهَ بَري ءٌ مِنَ المُشرِكينَ ورَسولُهُ فَإِن تُبتُم فَهُوَ خَيرٌ لَكُم وإن تَوَلّيتُم فَاعلَموا أنّكُم غَيرُ مُعجِزِي اللّهِ وبَشّرِ الّذينَ كَفَروا بِعَذابٍ أليمٍ﴾.
﴿قَد كانَت لَكُم اُسوَةٌ حَسَنَةٌ في ابراهيمَ والّذينَ مَعَهُ إذ قالوا لِقَومِهِم إنّا بُرَآءُ مِنكُم ومِمّا تَعبُدونَ مِن دونِ اللّهِ كَفَرنا بِكُم وبَدا بَينَنا وبَينَكُمُ العَداوَةُ والبَغضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤمِنوا بِاللّهِ وَحدَهُ إلّا قَولَ إبراهيمَ لِأَبيهِ لَأَستَغفِرَنّ لَكَ وما أملِكُ لَكَ مِنَ اللّهِ مِن شَي ءٍ رَبّنا عَلَيكَ تَوَكّلنا وإلَيكَ أنَبنا وإلَيكَ المَصيرُ﴾.
العَيّاشِيّ: حَريزٌ عَن أبي عَبدِاللّهِ عليه السلام قالَ: إنّ رَسولَ اللّهِ صلى الله عليه واله بَعَثَ أبا بَكرٍ مَعَ "بَراءَةٌ" إلَى المَوسِمِ لِيَقرَأَها عَلَى النّاسِ، فَنَزَلَ جَبرَئيلُ فَقالَ: لا يُبَلّغُ عَنكَ إلّا عَلِيّ، فَدَعا رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه واله عَلِيّا، فَأَمَرَهُ أن يَركَبَ ناقَةَ العَضباءِ، وأمَرَهُ أن يَلحَقَ أبا بَكرٍ فَيَأخُذَ مِنهُ "بَراءَةٌ" ويَقرَأَهُ عَلَى النّاسِ بِمَكّةَ. فَقالَ أبو بَكرٍ: أسَخطَةٌ؟ فَقالَ: لا، إلّا أنّهُ اُنزِلَ عَلَيهِ: لا يُبَلّغُ إلّا رَجُلٌ مِنكَ.
فَلَمّا قَدِمَ عَلى مَكّةَ وكانَ يَومُ النّحرِ بَعدَ الظّهرِ، وهُوَ يَومُ الحَجّ الأَكبَرِ قامَ، ثُمّ قالَ: إنّي رَسولُ رَسولِ اللّهِ إلَيكُم. فَقَرَأَها عَلَيهِم: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللّهِ ورَسولِهِ إلَى الّذينَ عاهَدتُم مِنَ المُشرِكينَ * فَسيحوا فِي الأَرضِ أربَعَةَ أشهُرٍ﴾ عِشرينَ مِن ذِي الحِجّةِ ومُحَرّمٍ وصَفَرٍ وشَهرِ رَبيعِ الأَوّلِ، وعَشرًا مِن شَهرِ رَبيعِ الآخَرِ. وقالَ: لا يَطوفُ بِالبَيتِ عُريانٌ ولا عُريانَةٌ، ولا مُشرِكٌ إلّا مَن كانَ لَهُ عَهدٌ عِندَ رَسولِ اللّهِ، فَمُدّتُهُ إلى هذِهِ الأَربَعَةِ الأَشهُرِ.
وفي خَبَرِ مُحَمّدِ بنِ مُسلِمٍ: فَقالَ: يا عَلِيّ، هَل نَزَلَ فِيّ شَي ءٌ مُنذُ فارَقتُ رَسولَ اللّهِ؟ قالَ: لا، ولكِن أبَى اللّهُ أن يُبَلّغَ عَن مُحَمّدٍ إلّا رَجُلٌ مِنهُ. فَوافَى المَوسِمَ فَبَلّغَ عَنِ اللّهِ وعَن رَسولِهِ بِعَرَفَةَ والمُزدَلِفَةِ ويَومَ النّحرِ عِندَ الجِمارِ، وفي أيّامِ التّشريقِ كُلّها يُنادي: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللّهِ ورَسولِهِ إلَى الّذينَ عاهَدتُم مِنَ المُشرِكينَ * فَسيحوا فِي الأَرضِ أربَعَةَ أشهُرٍ﴾ ولا يَطوفَنّ بِالبَيتِ عُريانٌ.
أبُو الصّهباءِ البَكرِيّ: سَأَلتُ عَلِيّ بنَ أبي طالِبٍ عليه السلام عَن يَومِ الحَجّ الأَكبَرِ، فَقالَ: إنّ رَسولَ اللّهِ صلى الله عليه واله بَعَثَ أبا بَكرِ بنِ أبي قُحافَةَ يُقيمُ لِلنّاسِ الحَجّ، وبَعَثَني مَعَهُ بِأَربَعينَ آيَةً مِن "بَراءَةٌ"، حَتّى أتى عَرَفَةَ، فَخَطَبَ النّاسَ يَومَ عَرَفَةَ، فَلَمّا قَضى خُطبَتَهُ التَفَتَ إلَيّ، فَقالَ: قُم يا عَلِيّ وأدّ رِسالَةَ رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه واله. فَقُمتُ، فَقَرَأتُ عَلَيهِم أربَعينَ آيَةً مِن "بَراءَةٌ". ثُمّ صَدَرنا حَتّى أتَينا مِنى، فَرَمَيتُ الجَمرَةَ، ونَحَرتُ البُدنَةَ، ثُمّ حَلَقتُ رَأسي، وعَلِمتُ أنّ أهلَ الجَمعِ لَم يَكونوا حَضَروا خُطبَةَ أبي بَكرٍ يَومَ عَرَفَةَ، فَطَفِقتُ أتَتَبّعُ بِهَا الفَساطيطَ، أقرَؤُها عَلَيهِم.
تحقيق حول مراسم البراءة من المشركين
إعلان البراءة من المشركين في رؤية الإمام الخمينيّ أحد واجبات الحجّ السّياسيّة. وللتّعرّف على منطلقات هذه النّظريّة وعلى دور أداء هذه الفريضة المهمّة في تحقيق أهداف الإسلام ومقاصده في العالم المعاصر، ينبغي بحث عدد من النّقاط:
1- معنى الشرك والمشركين
الشّرك ضدّ التّوحيد، ومعناه الاعتقاد بالقوى الوهميّة. والموحّد هو المنقطع إلى الحقيقة وإلى التّوحيد. والمشرك عابد للوهم، ومنقاد للقوى الخياليّة والظّنّيّة.
والقوى الوهميّة الّتي يعبدها المشركون على ثلاثة أنواع، وبتعبير آخر: إنّ الأوثان في عالم الشّرك والمشركين ثلاثة أنواع: وثن النّفس، ووثن الجماد، ووثن القوى الطّاغوتيّة.
وقد تكون القدرة الوهميّة أحيانًا هي النّفس الأمّارة، كما أشار القرآن الكريم بقوله: ﴿أرَأَيتَ مَنِ اتّخَذَ إلهَهُ هَواهُ﴾، وقد تكون أحيانًا الأوثان المتّخذة من الجمادات، مثل "اللّات" و"هُبَل" اللّذين كانا يُعبدان في الحجاز قبل بعثة النّبيّ صلى الله عليه واله، وقد تكون في أحيان اُخرى وثن السّلطات غير المشروعة وحكم الطاغوت. وقد سمّى الإمام الخمينيّ قدّس سرّه القوى الاستكباريّة ب"الأوثان الجديدة".
الموحّد منقطع إلى الحقيقة وإلى التّوحيد، وليس عابد ذاته، ولا عابد جماد، ولا عابد سلطة. بل الموحّد يرى أنّ اللّه وحده مصدر القدرة، فيعبده وحده، ويذعن له بالطّاعة. ولا يرى النّفع والضّرر إلّا بيد اللّه، فلا يستعين إلّا به، ولا يخاف غيره، ولا يركن إلى أيّة قدرة غير قدرة اللّه، ولا يخشى إلّا اللّه.
ثمّ إنّ المشرك العابد للوهم المطأطئ أمام القدرات الخياليّة ربّما يعبد ذاته، وربّما يعبد ما صنعه بيده، وربّما يعبد المتسلّطين على العالم، وربّما يعبد الثلاثة جميعًا.
هذا ولكنّ الخطر الكبير الّذي يهدّد المجتمعات الموحّدة في هذا اليوم هو الشّرك العمليّ بثالث معانيه، أي عبادة الأوثان الجديدة والقوى الاستكباريّة والخضوع لها. وغاية البراءة من المشركين مجاهدة هذه القوى الطّاغية المتسلّطة على رقاب المسلمين، وتحقيق الاستقلال والعزّة والاقتدار لمسلمي العالم.
2- الأديان الإلهيّة والبراءة من المشركين
كان إبراهيم خليل الرحمن على نبيّنا وآله وعليه السّلام أوّل الأنبياء جهرًا بالبراءة من الشّرك والمشركين بحيث دعا القرآن المسلمين إلى الاقتداء بهذا النّبي العظيم بقوله: ﴿قَد كانَت لَكُم اُسوَةٌ حَسَنَةٌ في إبراهيمَ والّذينَ مَعَهُ إذ قالوا لِقَومِهِم إنّا بُرَآءُ مِنكُم ومِمّا تَعبُدونَ مِن دونِ اللّهِ﴾ واحتذت الاُمّة الإسلاميّة في إعلان البراءة من المشركين حذو هذه الاُسوة النّبويّة في التّاريخ، والنّاظر في القرآن الكريم يجد فيه أنّ البراءة من المشركين أحد ركنَى غ التّوحيد الأصيلَين؛ حيث قرن دعوة الأنبياء إلى التّبرّي من الطّاغوت إلى جوار دعوتهم إلى عبادة اللّه ﴿ولَقَد بَعَثنا في كُلّ اُمّةٍ رَسولًا أنِ اعبُدُوا اللّهَ واجتَنِبُوا الطّاغوت﴾.
و"الطّاغوت" لا ينحصر بالأوثان والأنصاب الّتي اصطُنِعت واتّخذت في عصر الجاهليّة، بل إنّ أجلى مظاهر الطّاغوت هو تلك السّلطات المشركة الّتي تسوق المجتمع إلى وجهة مغايرة لوجهة أنبياء اللّه تعالى. وهذا قول الصّادق عليه السلام في بيان معنى الطّاغوت في الآية السّابعة عشرة من سورة الزّمر: ﴿والّذينَ اجتَنَبُوا الطّاغوتَ أن يَعبُدوها﴾: من أطاع جبّارًا فقد عَبَده.
والمهمّة الأساسيّة هو التّعرّف على المؤامرة المعقّدة الّتي حيكت في تاريخ المسلمين للتّستّر على أجلى مظاهر الطّاغوت والشّرك، لئلّا تشعر المجتمعات الإسلاميّة الخطر من هذه النّاحية، فتظلّ نظرتها إلى البراءة من المشركين حبيسة في نطاق البراءة من أصنام عصر الجاهليّة الاُولى. وقد كشف الإمام الصّادق عليه السلام في عصره عن هذه المؤامرة الخطرة، وأعلن بصوتٍ جهير:"إنّ بَني اُمَيّةَ أطلَقوا لِلنّاسِ تَعليمَ الإيمانِ ولَم يُطلِقوا تَعليمَ الشّركِ؛ لِكَي إذا حَمَلوهُم عَلَيهِ لَم يَعرِفوهُ".
3- زمان البراءة من المشركين ومكانها
ممّا لا ريب فيه أنّ البراءة من المشركين ليست محدودة بزمان أو مكان معيّنين بل يجب على المسلمين، في كلّ زمان ومكان حيثما تقتضي الضرورة إعلان براءتهم الفرديّة والجماعيّة من المشركين. ولا مراء أنّه إذا حدّد وليّ أمر المسلمين زمانًا ومكانًا واُسلوبًا معيّنًا لأداء هذه الفريضة فإنّ إطاعة وليّ الأمر هنا تكون واجبة.
بيد أنّ المسألة المهمّة هي: أيّ مكان وأيّ زمان أنسب وأجدر لإظهار مسلمي العالم براءتهم العامّة من المشركين؟ يمكن القول إنّ بيت التّوحيد هو المكان الأنسب، وإنّ موسم الحجّ خير زمان لإظهار مسلمي العالم براءتهم من الشّرك والمشركين. يقول الإمام الخمينيّ رضوان اللّه تعالى عليه في هذا السّياق:
"أيّ بيت أجدر من الكعبة وبيت الأمن والطّهر والناس لمجانبة العدوان والظلم والاستغلال والاسترقاق والضّعة واللّاانسانيّة، في القول والعمل، ولتجديد ميثاق (ألَستُ بِرَبّكُم، ولتحطيم الآلهة والأرباب المتفرّقين، ولإحياء واستذكار أهمّ وأعظم حركة سياسيّة للنبيّ صلى الله عليه واله في ذلك أنّ سنّة النّبيّ صلى الله عليه واله وإعلان البراءة لا تَبلى. وليس إعلان البراءة مقصورًا على أيّام ومراسم بعينها، بل ينبغي على المسلمين أن يملؤوا آفاق العالم كلّها بمحبّة ذات اللّه وبعشقه، وبالنّفرة والبغض العمليّ لأعداء اللّه...
وعلى أيّ حال، إنّ إعلان البراءة في الحجّ هو تجديد ميثاق المكافحة وتدريب على تشكيل المجاهدين لاستمرار محاربة الكفر والشّرك وعبادة الأوثان. وهذا لا يتلخّص بالشّعار وحده، بل هو بداية إعلان منشور المقارعة والتّنظيم لجند اللّه في قبالة إبليس وجنوده، وهو من الاُصول الأوّليّة للتّوحيد. وإذا لم يُظهر المسلمون البراءة في بيت النّاس وبيت اللّه... فأين يمكن أن يظهروها؟! وإذا لم يكن الحرم والكعبة والمسجد والمحراب خندقًا ومأمنًا لجنود اللّه وللمدافعين عن حِمى الأنبياء وحرمتهم... فأين يكون إذن مأمنهم وملجؤهم؟!
وزبدة المقال: إنّ إعلان البراءة هي المرحلة الاُولى للمقارعة، وإنّ تواصلها مرحلة اُخرى، وهو تكليفنا. إنّ البراءة في كلّ عصر و زمان تتطلّب منّا مظاهر وأساليب ومناهج متناسبة، وينبغي أن نرى ماذا علينا أن نعمل في عصر مثل عصرنا الّذي ألقى فيه رؤوس الكفر والشّرك كلّ ما للتّوحيد في المخاطر واتّخذوا من كلّ المظاهر الوطنيّة والثّقافيّة والدّينيّة والسّياسيّة لعبة لأهوائهم وشهواتهم؟
أعلينا أن نقعد في بيوتنا ساكتين عن التّحليلات الغالطة وعن إهانة مقام الإنسان ومنزلته، وعن بثّ روح العجز والضّعف بين المسلمين، ممّا يقوم به الشّيطان وأبناء الشّيطان، ونمنع المجتمع من الوصول الى الخلوص الّذي هو غاية الكمال ونهاية الآمال... متصوّرين أنّ مجاهدة الأنبياء للأوثان وعبَدة الأوثان لا يتعدّى مجاهدة الحجارة والأخشاب المجرّدة من الرّوح، وأنّ الأنبياء، من مثل إبراهيم، قد عمدوا إلى تحطيم الأوثان، لكنّهم نعوذ باللّه وقفوا إلى جانب الظّالمين متخلّين عن ساحة الجهاد؟! والحال أنّ كلّ ما قام به إبراهيم من تحطيم الأصنام ومن المقارعة والمحاربة للنّمروديّين وعبَدة القمر والشّمس والنّجوم... إنّما هي مقدّمة لهجرة كبرى. وكلّ ما صنعه من هجرة، والتّحمّل للمشاقّ، والسّكن في وادٍ غير ذي زرع، وبناء البيت، والتّضحية بإسماعيل... إنّما هي مقدّمة للبعثة والرّسالة الّتي كرّر فيها خاتم الأنبياء خطاب أوّل وآخر بُناة الكعبة ومشيّديها، وأبلغ رسالته الأبديّة بكلمات أبديّة: ﴿إنّني بَري ءٌ مِمّا تُشرِكون﴾.
وإذا فسّرنا البراءة بغير هذا فلا أوثان في زماننا المعاصر أصلاً. تُرى أيّ إنسان عاقل لم يتعرّف على الوثنيّة الجديدة في أشكالها وتزويرها ومكائدها، ولا علم له بسلطة بيت الأوثان كما هو البيت الأسود (في واشنطن) تتحكّم على البلدان الإسلاميّة، وعلى دماء المسلمين وأعراضهم، وعلى العالم الثّالث؟! 1.
1-الحج والعمرة في الكتاب والسنة / العلامة محمد الريشهري.
الحج نموذج الحضارة الاسلامية
لقد رسم لنا القرآن الكريم معالم حضارية سامية، قوامها رفض الشرك بالله العظيم، والنهي عن الظلم، ومنع الاعتداء، والوقوف بوجه استعباد الناس من قبل بعضهم البعض..
هذه الحضارة التي بشر بها الاسلام، لا تزال حلماً يتمناه كل انسان. على الرغم من ان الموجة التي احدثتها رسالة السماء في اول انطلاقتها، وفي فجر بعثتها؛ هذه الموجة اعطت البشرية المزيد من التقدم والرقي والتكامل في مختلف ابعاد حياتها.
فيا ترى اين هذه الحضارة، وهل يمكن ان تتحقق مرة اخرى؟
بادئ ذي بدء؛ لا يصح القول ان هذه الحضارة مستحيلة التحقق. لماذا؟
لانها لو كانت مستحيلة فعلا لما بشر بها الاسلام، وما خلدها القرآن في آياته، وما اعلن عنها رسول الله صلى الله عليه وآله لأجيال المسلمين. وفي هذا برهان كاف لإمكانية عودة هذه الحضارة من جديد، اذا ما توفرت شروطها في أي عصر واي مصر.
الحضارة الاسلامية افق بعيد:
ونظرتنا للحضارة الاسلامية يجب ان لا تتأطر بحدودها التاريخية، او تجاربها المعاصرة. فمن الخطأ ان نحاول وضع ما جرى في التاريخ الاسلامي الاول موضع تطبيق كامل للاسلام، او القول بان النموذج الكذائي الذي كان في الفترة الكذائية في التاريخ او النموذج المعاصر لنا هنا او هناك هو النموذج الذي بشر به الاسلام. لماذا؟
لانه يسلب الابداع من الانسان، ويعرقل حركته، مما لا يدعه يعمل من اجل المستقبل.
في حين ان الحضارة التي بشر بها الاسلام، انما هي افق عظيم وبعيد وعال، وهذا الافق لابد لنا ان نتحرك نحوه، وان نحصل منه على ما نستطيعه.
التوحيد سنام حضارة الاسلام:
ومن ابرز ما في الاسلام، انه يريد للانسان ان يعبد الله تعالى وحده. وكل الانبياء عليهم السلام، انما بعثهـم الله عز وجل لاجل تكريس هذه الحقيقيـة. وقد جعل ربنـا التوحيد كلمة سـواء بين الاديان السماويـة، حيث قال جل وعلا: ﴿قُلْ يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَيَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّواْ فَقُولُوا اشْهَدُواْ بِاَنَّـا مُسْلِمُـونَ ﴾ (آل عمران/64)
هذا المعلم الحضاري، انما يعني ان الناس كلهم سواسية في الخلق. وعليه لا يحق لاحد ان يعبد هذا او ذاك من الناسٍ، اذ ان العبادة خاصة بالله تعالى.
من هنا فان العربي لا يحق له ان يستكبر على الاعجمي، والاعجمي لا يقبل منه ان يتفاخر على العربي. وذلك لان الله عز وجل خلق الناس كأسنان المشط، سواء كانوا اتراك او هنود او افغان او روس او.. وقد قال الامام أمير المؤمنين عليه السلام: " - النـاس- صنفان: اما أخ لك في الدين او نظير لك في الخلق".
فان لم يكن أي انسان اخ لك في الدين، فهو نظير لك في الخلق، حيث له عينان ولسان وشفتان.. وله مثلما لك من تطلعات واهداف وطموحات.
الى هذا وامثاله تدعو حضارة الاسلام.
الحج نموذج الحضارة:
والحج من ابرز تجليات الحضارة الاسلامية، اذ جعل الله جل وعلا البيت الحرام نموذجاً لتحقيق التطلع الاسمى لهذه الحضارة.
وبهذا اراد الاسلام ان يجعل للبشرية قدوة ومثالاً وطريقـاً لكي يرجعوا اليه، حتى لا يقول احد بانه يستحيل ان تكون مثل هذه الحضارة فوق الارض. فحينما تذهب الى مكة المكرمة، وتطوف حول البيت الحرام، انظر الى من هم حولك في الطواف، حيث تجد الابيض والاسود، الغني والفقير، الكبير والصغير، العربي والاعجمي.. الكل يطوفون مع بعض حول ذلك البيت المكرم دون أي مائز يذكر.
وهذا المشهد العظيم يتكرر ايضاً في عرفات والمشعر الحرام ومنى، حيث تجد ملايين الناس بمختلف جنسياتهم والوانهم يجتمعون الى بعض لتأدية مراسيم فريضة الحج.
والى هذه الصورة الحضارية اشار الامام الحسين عليه السلام في دعائه في يوم عرفه، حيث قال: " يامن عجت اليه الاصوات بمختلف اللغات".
وعلى الرغم من ان هذا التجمع العظيم الذي ضم جنسيات متعددة، ولغات مختلفة.. يعطي صورة رائعة لحضارة الاسلام، عمد الاسلام الى ان يجعل حتى ثيابهم من نوع واحد خلال أداء مناسك الحج، والكل يردد نفس الكلمات: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.. وهم يتحركون باتجاهات موحدة.
هذا النموذج الحي يجعل الانسان يؤمن بكل وجوده بامكان تشكيل حضارة تجمع الناس كلهم، دون أي فوارق عرقية او طبقية او عنصرية..
مكة مركز الانتشار الحضاري:
لا شـك ان ما يجري في مكـة المكرمة او في وادي عرفـات او المشعـر الحرام.. خلال ايام الحج، انما يعكس جزءاً صغيراً من مظاهر الحضارة الاسلامية، وفي هذا دليل كاف على امكانية ان تكون مكة المكرمة مركزاً للانتشار الحضاري في كل مكان.
وقد جاء في المأثور كما الحديث المروي عن أبي عبد الله الامام الصادق عليه السلام قال: " ان الله عز وجل دحى الأرض من تحت الكعبة". وهذا يعني ان الله سبحانه دحى ونشر الارض من تحت مكة المكرمة. كيف هذا من الناحية الجيولوجية، لا اعرف. ولكن لا أشك في ان مكة المكرمة بأجواءها الروحانية، ومعالمها الرسالية تبعث بالأمل والايمان والتوحيد.. في نفوس الملايين من الناس. وقد تلمس هذا بوضوح من خلال توجه المسلمين اليها في اداء صلواتهم اين ما كانوا.
مكة من الحرمات الالهية:
وقد اولى الله تعالى مكة المكرمة مكانة خاصة، حتى جعلها من الحرمات تشريعياً وتكوينياً. فكل من يأتي اليها يتمتع بالأمن والسلامة، وكل من يعيش فيها يتمتع بالطمأنينة والاستقرار. لذلك تجد الناس يتوافدون عليها من اقطار الارض دون وجل. واذا سوّلت لاحد نفسه بالاعتداء على مكة، سرعان ما سينال جزاءه من الانتقام الالهي. وقد اخبرنا ربنا عز وجل بقصة اصحاب الفيل، حينما قادهم ابرهة ملك الحبشة ليهجم على مكة بقواته المدججة بالسلاح، وبفيلته المدربة على القتال.. ليمحي منها الكعبة المشرفة؛ مركز التوحيد ومعلم العبادة.. غير انهم قبل ان يدخلوا مكة معتدين عليها، ارسل الله عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فقضى عليهم اجمعين، والى ذلك اشار القرآن الكريم في سورة الفيل ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِاَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (الفيل/1-5) وكل من حاول الاعتداء على مكة المكرمة لم تكن عاقبته على خير أبـداً.
وفي حديثه عن مكة، قال ربنا جل جلاله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾.
والصد عن سبيل الله ابرزه واجلاه هو الصد عن مكة المكرمة، وبالذات عن المسجد الحرام. من هنا تجد الحكومات على اختلاف مشاربها ومذاهبها والوانها، لا تستطيع ان تمنع الناس من الحج، واذا ما اصدرت قراراً بمنع الحج، فانها لا تستمر طويلاً حتى تلغي ذلك المنع، لانه ليس بوسعها ان تمنع الحج دائماً.
ثم يؤكد القرآن على ان المسجد الحرام ليس لأهل مكة، ولا لمن يشرف على تلك الديار المقدسة سياسياً او اقتصادياً. كلا، انما هي لأهل مكة وغير أهلها؛ انها لكل الناس.
ثم يقول ربنا عز وجل: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم﴾. فالذي يحارب مكة، ويؤذي حجاج بيت الله الحرام، فانه لابد له من ان يذوق العذاب الاليم.
بعد هذا، يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾.
من خصوصيات هذا البيت، انه لا احد يحق له ان يتسلط على احد باسم اللغة او باسم المذهب او باسم القوم.. انه بيت الجميع. وعلى هذا يجدر بكل انسان يدخل مكة المكرمة ان يتجرد عن انتماءاته الجغرافية والسياسية والعرقية.. فلا يتعصب لأرض او لغة او قوم.. وانما يتوجه خالصاً لله رب العالمين. عند ذاك يشعر بانه عبد لله تعالى، فيدرك انسانيته، ويتحسس بروحانية التوحيد، فيعيش حياة الطهر.
ثم يقول ربنا سبحانه: ﴿ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾.
صحيح ان الشرك في كل مكان مرفوض، ولكن في هذا الموقـع الشريف؛ مركز تجلي التوحيد، انما يكون الرفض للشرك اجلى من كل مكان.
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ؛ أي ان البيت الحرام يجب ان يكون دائماً نظيفاً، طاهراً مطهراً.
حضارة الطهر:
من ابرز افكار الحضارة الاسلامية واولها، فكرة ان الارض لله تعالى لا لأحد غيره، وان الانسان عبداً لرب العزة لا لأحد غيره، وان العصبيات والحميات والعنصريات.. كل هذه الحواجز يجب ان تذهب الى غير رجعة في حياة المسلم. ثم تؤكد على ضرورة الطهارة والنظافة، اذ ان الانسان يعيش مرحلتين؛ مرحلة الفطرة النقية، ومرحلة الحياة الملوثة. فأول ما يخرج الانسان من رحم امه، يخرج بفطرة طاهرة نقية، غير ان هذه الفطرة مع الزمن تتلوث بالمحيط، كما ان الجسد يتلوث بالمحيط. فيتجمع عليها غبار الحميات والذاتيات والمذهبيات.. وهذه بدورها تشكل حواجز تحول دون معرفة الحقائق، ومعرفة النفس، ومعرفة الدين.
وبالتالي يصير الانسان في ﴿ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ (النور/40)
ولا سبيل لرجوع الانسان الى فطرته النقية، في روحه وفي عقله وايضاً في جسده، الا بالطهر. وقد جعل الله تعالى الحضور في وادي عرفات في عصر يوم التاسع من شهر ذي الحجة، فرصة للعودة الى الطهر من جديد، حيث يخاطب رب العزة كل من حضر هناك بلا استثناء: عبدي استأنف العمل، فقد غفرت لك ما سبق. عند ذاك يحصل الانسان على الطهر مائة بالمائة، فيستأنف العمل بكل صفاء ونقاء..
حضارة الانفتاح:
ومن ابعاد الحضارة الاسلامية الاخرى؛ انها تريد الخير والبركة والرحمة للناس جميعـاً، دون ان تقتصر في ذلك على من يؤيدها ويؤمن بها فقط.
من هنا حينمـا استقر النبي ابراهيم عليه السلام في مكـة المشرفـة ، وبنى البيت، عند ذاك امره الله: ﴿ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.
فلم يفكر النبي ابراهيم عليه السلام في ان يحصر فضيلة الحج بالعرب فقط، ولا بأهل بابل الذين كان ينتسب اليهم، ولا لأهل مصر الذين مر عليهم، ولا لأهل كنعان حيث هاجر اليهم، ولم يخص بذلك اولاده وجماعته من العبريين والعرب، وانما دعا البشرية جمعاء الى اداء فريضة الحج ليحظوا بفضلها وكراماتها..
فالاسلام يرفض الانغلاق على الذات في اية قضية تعود بالنفع على الاخرين، لان حضارته للجميع. على عكس ما يفكر به الغربيون، اذ يتصورون ان كل ما توصلوا اليه من علوم ومعارف وتطور تكنلوجي.. انما هو حكر لهم، ولا يحق لأحد ان يمد عينيه الى تلك القضايا، لانها تعد من اسرارهم. وما يسوقونه اليوم الى هذا البلد او ذاك، انما هو من قديم علومهم ومتدنيات تكنلوجياتهم.. وهذا ايضاً لا يعطونه إلاّ مقابل مبالغ طائلة، وشروط قاسية..
حضارة متكاملة:
ولأن الاسلام يريد الخير للجميع، فهو يأخذ بأيدي الناس صوب التكامل المعنوي، كما ويأخذ بأيديهم صوب التكامل المادي. فالحضارة الاسلامية انما تنطلق ابتداءاً من الروحيات والمعنويات، ومن ثم تنتشر من افق المعنويات الى أفق الماديات. لذلك يقول ربنا عز وجل: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِن بَهِيمَةِ الاَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ﴾.
وبهيمة الانعام هذه انما هي مادة للأكل، ولأجل ان لا تحجب الانسان عن المعنويات اكد الله تعالى على ذكره في ايام معلومات واطعام البائس الفقير.
هذه هي بعض الابعاد المهمة في فريضة الحج، النموذج الحضاري الذي بشر به الدين الاسلامي. فأين نحن من هذا النموذج؟
لكي نجسد هذا النموذج في واقعنا، يجدر بنا ان نعيش روح الحج. فحينما يحضر احدنا في اماكن اداء مناسك الحج، يجدر به ان يتواجد في عمق الناس دون ان ينزوي عنهم، حتى تظهر عظمة اجتماع المسلمين الى بعضهم البعض، دون ان تجزءهم الاقليميات والقوميات، ودون ان تميزهم الالقاب والسمات.. فالكل يعيش في رحاب الاسلام بود واحترام، ومحبة ووئام.
نسأل الله تعالى ان يجعل حجنا وحج المسلمين جميعاً، حجاً اسلاميـاً كما اراد، وان يجعلنا في هذا العام من حجاج بيته الحرام، المبرور حجهم، المشكور سعيهم، المغفور ذنوبهم، انه ولي التوفيـق1.
1- الحج ضيافة الله / محمد تقي مدرسي.
السبق إلى الفضيلة في أخلاق أهل البيت (عليهم السلام)
السَبْق بسكون الباء هو: التقدّم...
يُقال: سَبَق إلى الشيء سبْقاً يعني: تقدّم إليه وخلَّفَ غيره.
والفضيلة: مقابل الرذيلة والنقيصة.
ومعنى الفضيلة هي الدرجة الرفيعة والمقام الرفيع.
وكذلك ما يوجب تلك الدرجة والمقام، كالإحسان إلى الخلق، وإعانة الضعيف، وكفالة اليتيم، وإغاثة الملهوف، والانتصار للمظلوم، وإطعام الطعام، ونشر العلم، وجهاد العدوّ، والمجاهدة مع النفس، وإتيان اُمور الخير، كلّ ذلك من موجبات الفضيلة.
والتسابق إلى مفاضل الأعمال، وصنائع الخيرات فضلٌ محبوب ومرغوب رُغّب فيه شرعاً وعقلاً، وكتاباً وسنّةً. قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّـهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)[1].
وقال عزّ اسمه: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَـٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)[2].
وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: (مَن فُتح له بابٌ من الخير فلينتهزه، فإنّه لا يدري متى يُغلق)[3].
وعن الإمام زين العابدين عليه السلام أنّه قال: (إذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى الأوّلين والآخرين في صعيدٍ واحد، ثمّ ينادي منادٍ أين أهل الفضل؟
قال: فيقوم عُنقُ من الناس، فتتلقّاهم الملائكة، فيقولون: ما كان فضلكم؟ فيقولون: كنّا نصِلُ مَن قطَعَنا، ونُعطي مَن حَرَمنا، ونعفو عمّن ظَلَمنا. فيُقال لهم: صدقتم، اُدخلوا الجنّة)[4].
والمثلُ الأعلى، والقدوة الأسمى في السّبق إلى الفضائل هم أهل البيت عليهم السلام، وفيهم نزل قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَـٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)[5].
فهم عليهم السلام سبقوا الناس في جميع الفضائل منذ أوّل خلقهم في عالم الذرّ، إلى آخر حياتهم في عالم الدُّنيا...
وهم السابقون إلى الله تعالى في الدُّنيا والآخرة..
سبقوا إلى الجواب ببلى، عند سؤاله تعالى: في الذرّ.
وسبقوا إلى الخيرات في الدُّنيا.
وسبقوا إلى الجنّة في الآخرة.
ومَن غير عليّ عليه السلام كان سبّاقاً إلى الفضائل؟!
أليس كان هو السابق إلى الإسلام، وكان إسلامه عن فطرة، وإسلام الناس عن كفر[6]؟
ألم يكن هو السابق إلى تفدية نفسه المباركة لرسول الله صلى الله عليه وآله في ليلة المبيت بين أربعمائة سيف من المشركين؟
وهل غيره سبق إلى الجهاد في سبيل الله، والجُهد في طاعة الله، والاجتهاد في عبادة الله؟
ولقد أجاد كافي الكفاة الصاحب بن عبّاد في وصف أمير المؤمنين عليه السلام في نثره وفي شعره.
قال في النثر الذي وصف به عليّاً وذكر نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله: (صنوه الذي واخاه، وأجابه حين دعاه، وصدّقه قبل الناس ولبّاه، وساعده وواساه، وشيّد الدِّين وبناه، وهَزَم الشرك وأخزاه، وبنفسه على الفراش فداه، ومانَع عنه وحماه، وأرغَمَ من عانده وقلاه، وغسله وواراه، وأدّى دَينه وقضاه، وقام بجميع ما أوصاه، ذاك أمير المؤمنين لا سواه)[7].
وهذه الدراسة تعطينا أنّ السبق إلى الفضيلة من مفاخر صفات الصالحين وسجايا المتّقين، المحبوبة عند ربّ العالمين، والشرع المبين، ومن موجبات عظيم الأجر والثواب في يوم الدِّين..
كلّ هذا مضافاً إلى نتائجه الحسنة في نفس هذه الحياة الدُّنيا، فإنّ السبق إلى الفضائل من صنائع المعروف التي تدفع مصارع السوء، وتحفظ الإنسان من البلايا العظيمة كما هو المجرّب المحسوس في قضايا المحسنين.
من ذلك ما حدّث بعض السادة الأجلّاء الثقات ما مضمونه: أنّه كان في بعض البلاد المقدّسة شخصٌ مؤمنٌ صالح، وكان رجلاً تاجراً متمكِّناً ثريّاً، يحبّ الخير، ويصنع الخير لمن يعرفه ومَن لا يعرفه، خصوصاً الزائرين.
رأى في بعض الأيّام أحد زوّار ذلك البلد المقدّس لم يحصّل على فندقٍ أو محلّ مسكنٍ يسكنه في مدّة زيارتهم هو وعائلته.
وكانت تلك الزيارة أوّل زيارتهم لذلك البلد المقدّس الذي لم يعرف فيه أحداً ولم يتعرّف على أحد.
وكانوا قد جلسوا على رصيفٍ في الطريق ينتظرون الحصول على غرفةٍ فارغة.
فصادفهم هذا التاجر المؤمن، وسألهم: لماذا أنتم جالسون هنا؟
قالوا: ننتظر الحصول على مكانٍ نستأجره ونسكنه.
فقال لهم: ـ لي بيتٌ واسع، ومكانٌ مناسب، ودارٌ مفروشة مع وجبات الطعام.
ففرحوا وأجابوا بالقبول، بعنوان أن يسكنوا في بيته، ثمّ يعطون له الاُجرة التي تدفع إلى الفنادق للسكن والطعام، ظنّاً منهم أنّ بيته معدّ لإيجار الزائرين.
فذهب بهم ذلك التاجر إلى بيته، وأكرمهم غاية الإكرام، وبقوا عنده عشرة أيّام، يخدمهم فيها بالإطعام والإكرام، بغاية الحفاوة والاحترام.
وحينما أرادوا الانصراف والرجوع إلى وطنهم حضّروا له النقود، لدفع ثمن الإيجار والوجبات الغذائيّة، لكنّه لم يقبل منهم أيّ مال، وأدنى نقود.
وبالرغم من أنّهم أصرّوا عليه كثيراً بالقبول، لم يستجب لهم ذلك، وأجابهم بأنّي آخذ ثمن الإيجار والخدمة من الإمام عليه السلام بأكثر ممّا آخذه منكم، فليطيب خاطركم بذلك.
فتشكّروا منه، وودّعوه راجعين إلى بلدهم.
ومضت على ذلك الأيّام والسنين، ثمّ إنّ ذلك التاجر حدثت له مشكلة سياسيّة أدّت إلى أن يُسجن، ويحتمل عليه الإعدام..
واُجريت عليه لقاءات مع المسؤولين، وسؤال وجواب، ورتّبت له ملفّات شدّدت عليه الأمر.
وفي آخر الأمر جاء عنده في السجن أحد المسؤولين الكبار الذي كانت له درجة عسكريّة رفيعة، وبيده ملفّةٌ كبيرة تخصّني.
فنظر إليَّ مليّاً، ثمّ سألتي ألست أنت الحاجّ فلان، من أهل مدينة كذا، وتسكن دار كذا، في محلّة كذا؟
وأنا في كلّ المسائل اُجيبه بنعم، وتخيّلت أنّه يعرف هذه الخصوصيّات من الأسئلة التي طُرحت عليَّ سابقاً..
لكنّه قال لي: أتعرفني؟
قلتُ في دهشةٍ: لا مع الأسف.
فرفع قُبّعته العسكريّة، وقال: هل عرفتني الآن؟
قلت: ملامحكم مأنوسة عندي، مَن أنتم؟
قال: أنا ذلك الشخص الذي نزلتُ مع عائلتي عندك في سنة كذا، وبقيتُ في بيتك عشرة أيّام، استضفتني فيها بكلّ كرامة.
ثمّ قال: هذه ملفّة إضبارتك التي تنتهي بإعدامك، لكن أنا اُمزّقها، واُسقط حكم الإعدام قِبال ذلك العطف والإكرام، فمزّقها أمامي وحكم بتسريحي.
فنجوت من الإعدام والسجن بفضل السبق إلى ذلك العمل الخيري الذي عملته أنا محبّةً للإمام عليه السلام وزائريه.
المصدر: أخلاق أهل البيت (عليهم السلام) - بتصرّف
[1] سورة المائدة: الآية 48.
[2] سورة الواقعة: الآيتان 10 و 11.
[3] ميزان الحكمة / ج 7 / ص 444.
[4] مستدرك السفينة / ج 8 / ص 233.
[5] تفسير الصافي / ج 5 / ص 120، وإحقاق الحقّ / ج 3 / ص 114.
[6] سُئل بعض العلماء: متى أسلم عليّ عليه السلام؟ فأجاب: ومتى كفر؟ حتّى يكون أسلم، إنّه جدّد الإسلام. فهو عليه السلام وُلد على الإيمان وفطرة الإسلام ودين رسول الله صلى الله عليه وآله، وجدّده في البعثة.
[7] الكنى والألقاب / ج 2 / ص 368.
بلاد الرافدين بلا دجلة.. تركيا تقطع شريان الحياة عن العراق
شكّل إعلان تركيا قطع مياه نهر دجلة عن العراق لتعبئة سد "اليسو" مؤشراً قوياً على أن بلاد ما بين النهرين مقبلة على سنوات عجاف، ستدخل العراق في حرب وجودية جديدة لا تقل أهمية عن حربها الأخيرة التي نفضت غبارها عن كاهلها للتو.
سد "اليسو" التركي الذي بدأ العمل به منذ سنوات يشكّل ناقوس خطر حقيقي على العراق ومياهه حيث سيؤدي إلى نقصان حصة العراق من مياه نهر دجلة من 21 مليار متر مكعب سنوياً إلى نحو 9 مليارات و700مليون متر مكعب فقط، وسينتج عنه أيضاً حرمان العديد من المدن العراقية من مياه الشرب، بالإضافة الى حرمان العراق من أكثر من 696 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، وسيزيد نسبة الملوحة والتلوث في نهر دجلة، ويؤثر سلباً على عملية انعاش الأهوار التي دمرها النظام العراقي السابق بشكل كبير، كما سيؤدي إلى حرمان العراق بشكل شبه كامل من الاستفادة من المحطات الكهرومائية لتوليد الطاقة الكهربائية.
الدراسات الحكومية العراقية تشير إلى أن البلاد مقبلة على كارثة بيئية وجفاف بسبب حرب المياه من قبل تركيا، وتؤكد أن أنقرة تستفيد من ضرب القطاع الزراعي في البلاد كون العراق سيزيد الاستيراد منها، في وقت يتوقع فيه المراقبون أن تبلغ خسائر العراق في مجمل القطاعات المتضررة من الجفاف وندرة المياه خلال العام الحالي أكثر من 10 مليارات دولار.
الإفراط غير المبرر في بناء السدود من قبل الجانب التركي أدّى إلى خفض تدفق المياه في حوض الأنهار بنسبة 34 في المئة، ما أدّى إلى تجفيف 94% من بلاد ما بين النهرين وازدياد العواصف الترابية في سوريا والعراق، والتي تتجه إلى إيران وتشلّ الحياة في المحافظات الجنوبية الغربية والغربية.
للكارثة تتمة
وتؤكد الحكومة التركية أن لديها خطط لبناء أكثر من 22 سداً على طول مجرى نهر الفرات ودجلة، ومن بينها سد "اليسو" الذي انتهى العمل منه قبل أسابيع وبطاقة استيعابية تبلغ (10.4) بليونات متر مكعب، وسيحتاج إلى مدة تتراوح ما بين السنة إلى الثلاث سنوات لملئه بالماء، وتتوقف المدة على كميات الأمطار المتساقطة لتلك السنوات، حيثُ سيؤثر هذا الأمر بشكلٍ كبيرٍ على حصة العراق المائية المقررة دولياً.
بالإضافة إلى أن أنقرة تخطط لبناء سد جديد وهو سد "جزرة" والذي لا يبعد عن الحدود التركية ـ العراقية سوى (38) كم وهذا السد بموقعه القريب جداً من الحدود يبين النيّات المبيّتة للجانب التركي للإضرار بالعراق فهذا السدّ سيستهلك 40% من مياه دجلة ويقضي على آخر أمل لحصول العراق على حصته المائية السنوية.
ويوجد في الأراضي التركية 525 سداً يخزنون مئات المليارات من الأمتار المكعبة من المياه، تم بناء 33 سداً منها خلال 16 سنة من حكم حزب العدالة والتنمية، ومن المتوقع أن ترتفع السدود التركية إلى 1454 بحلول 2023، حيث من المقرر إنشاء 727سداً في الفترة 2018-2023 وهو ما سيرخي بظلاله على العراقيين.
مخالفة تركية واضحة للمواثيق الدولية
وبحسب المواثيق والأعراف الدولية فإنه يحظر على أي دولة الانتفاع بمياه الأنهار الدولية لوحدها، وهناك اتفاق بين دول الحوض النهري المعني في هذا الشأن.
وتنص قرارات الأمم المتحدة الصادرة عن لجنة القانون الدولي على أن "الدول المتشاطئة على النهر الدولي تستطيع استعمال المياه طبقاً لحاجاتها شرط ألّا يسبب هذا الاستعمال ضرراً للدول الأخرى المشتركة معها في هذا النهر".
كذلك فإن إعلان "ريو" الذي يتضمن توصيات مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والذي عقد سنة 1992 اعتمد المبادئ الخاصة بالاتفاقيات الثنائية بخصوص الأنهار والمجاري المائية الدولية، وطالبت الأمم المتحدة بأن يوضع في الاعتبار قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 49/52، المؤرخ في 1994، وهذه القوانين تماثل مبادئ أساسية يمكن تطبيقها على بعض أحواض النهر، وتمنح مجموعة القوانين الحديثة أفضلية واضحة لمبدأ الاستخدام "العادل والمنصف" على مبدأ الضرر الملموس.
كما اعتمدت الأمم المتحدة في عام 1997 اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية وصادقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1997 بتأييد 104 دول، وعارضتها ثلاث دول هي تركيا والصين وبوروندي، وامتنعت 26 دولة عن التصويت.
ورغم أن نهري بلاد الرافدين لا ينبعان منها (أي نهري دجلة والفرات) إلا أنّ القسم الأكبر من النهرين يمران عبر الأراضي العراقية، فنهر دجلة ينبع من جبال طوروس جنوب شرق الأناضول في تركيا، ويمرّ قرب الحدود السورية بمسافة 50 كلم في القامشلي ليدخل العراق عند بلدة فيشخابور ثم الموصل وصولاً إلى بغداد مرتفعاً إلى أقصى الجنوب حتى البصرة حيث يشكّل مع نهر الفرات شط العرب الذي يصبّ في الخليج الفارسي، ويغذي نهر دجلة مجموعة كبيرة من الروافد النابعة من الأراضي الإيرانية والتركية الحدودية مع العراق منها الخابور والزاب الكبير والزاب الصغير والعظيم ونهر ديالى، ويعيش بمحيطه حالياً أكثر من 20 مليون عراقي، حيث يعتبر المصدر الأول لمياه الشرب والزراعة والصناعة.
في حين يعدّ نهر الفرات أطول نهر في المنطقة العربية وينبع من جبال طوروس في تركيا، وتنضم إليه عدة روافد قبل دخوله الأراضي السورية عند مدينة جرابلس مروراً بدير الزور ثم البو كمال، ومنها يدخل العراق عبر مدينة القائم بمحافظة الأنبار غربي البلاد مروراً بالفلوجة ثم يتجه إلى مناطق محاذية لبغداد ثم جنوب العراق ليلتقي مع دجلة في البصرة أيضاً، ويعتبر الفرات والنيل في مصر أغزر نهرين عربيين، حسب تقارير دولية.
الحكومة العراقية اليوم مطالبة باتخاذ جميع التدابير الفنية والقانونية اللازمة للدفاع عن حصة البلاد المائية لتجاوز الخطر المحدق بالبلاد في حرب لا تقل أهمية بالنسبة للشعب العراقي عن أي حرب أخرى، خاصة أن الوقت يمضي بسرعة وحرب المياه التي كانت سرية أصبحت معلنة بوضوح.
الطائرات الورقية وأزمة الحلول الإسرائيلية
تزايُد الحرائق في مستوطنات غلاف غزّة، الناشئة عن الطائرات الورقية الحارِقة، دفعت "إسرائيل" بالعمل على خطين متوازيين لمحاربة هذه الظاهرة الشعبية للمقاومة، حيث في المستوى الأول، حاولت أن تجد حلاً تكنلوجياً لمحاربة الطائرات الورقية الحارِقة والبالونات، لدرجة أن قيادة الجيش طالبت شركة رفائيل للتصنيع العسكري بصناعة منظومة تقنية لاعتراض هذه الطائرات الورقية.
وقد أعلنت شركة رفائيل للتصنيع العسكري أن هناك منظومة دفاعية من سلاح الليزر في طور الاختبار للتصدّي للبالونات والطائرات الورقية الحارِقة، ناهيك عن الطائرات من دون طيّار الصغيرة التي تمت تجربتها في إسقاط الطائرات الورقية والبالونات الحارِقة.
أما المستوى الثاني فلقد تم استدعاء وحدات الاحتياط في الدفاع المدني، والشرطة، وبعض وحدات الجيش الصهيوني، التي تعمل في الدفاع عن الجبهة الداخلية من أجل مكافحة الحرائق الناتجة من الطائرات الورقية الحارِقة، بما يشبه (أمر "8") الخاص باستدعاء الاحتياط في الجيش الصهيوني، ناهيك عن إصدار الجيش، وقيادة الجبهة الداخلية تعليمات تحذيرية وإرشادية لمستوطني غلاف غزّة في كيفية التعامل مع خطر الطائرات الورقية الحارِقة.
باتت دولة الاحتلال على ضوء هذه المحاولات الفاشلة حتى الآن في مُجابهة الطائرات الورقية والبالونات الحارِقة، أمام عدّة خيارات:
أولاً. القبول باستمرار حال فقدان الأمن لدى مستوطني الغلاف، وتآكل صورة الردع الصهيونية، ليس أمام المقاومة في غزّة وحسب، بل على مرأى ومسمع من الإقليم بكليته، وهنا لا تقاس الخسائر الإسرائيلية بالتكلفة المادية، التي مهما بلغت تبقى متواضعة أمام الخسائر النفسية، والوجدانية والإعلامية، وهذا خيار صعب أن تقبل به "إسرائيل".
ثانياً. التعامل مع الطائرات الورقية الحارِقة كسلاح، فتبدأ "إسرائيل" بقصف أو اغتيال مطلقي البالونات الحارِقة، ولكنها تدرك أن هذا بمثابة قرار بالدخول في مواجهة مفتوحة مع المقاومة في غزّة المتمسّكة بمعادلة القصف بالقصف، والدم بالدم، لكن الإسرائيلي غير جاهز لها على ضوء مشاكل جبهته الداخلية، من خلال النقص الحاد بالملاجئ الآمنة لمستوطنيه، والأهم توتر جبهة الشمال الأكثر تأثيراً على موازين القوّة لدولة الاحتلال في المستقبل, بالإضافة إلى رغبته باستكمال الجدار (تحت أرضي) لمحاربة الأنفاق، هذا المشروع الذي يبني عليه الجيش الإسرائيلي استراتيجيته في مجابهة الأنفاق الهجومية، السلاح الأكثر إرهاقاً لهم، ناهيك عن الحراك السياسي تحت الرعاية الأميركية في المنطقة، تجعل يد "نتنياهو" مغلولة في التصرّف الغاشِم ضد غزّة، خاصة مع الرأي العام الدولي المعارض للإجرام الصهيوني المُمنهج ضد المتظاهرين السلميين في مسيرات العودة وكسر الحصار، ما سيضع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة في حرج شديد أمام شعوبهم، وخاصة أننا نتحدّث عن طائرات ورقية شعبية وبالونات بمواجهة طائرات إف 35.
ثالثاً. يحاول الجيش الصهيوني أمام هذه الخيارات إيجاد حل شامل لغزّة، بما فيها إنهاء مسيرات العودة، التي تعتبر الطائرات الورقية إحدى تجليات فعلها الشعبي، الذي أربك كل حسابات دولة الاحتلال، خاصة إذا أتى الحل في سياقات التخطيط الأميركي للمنطقة، وللقضية الفلسطينية، التي تُعرَف بصفقة القرن، خاصية هذا الحل أنه سيحاول معالجة كل الإشكاليات الصهيونية في غزّة رزمة واحدة، بما فيها قضية الجنود الأسرى لدى المقاومة، تحت عنوان التخفيف من الأزمة الإنسانية في غزّة.
المستوى السياسي في دولة الاحتلال مازالت حساباته الحزبية، ورهاناته الانتخابية تقف حجر عثرة أمام التقدّم في هذا الحل الشامل الذي يتبناه المستوى العسكري المهني في المؤسسة الأمنية في دولة الاحتلال، بالإضافة إلى مخاوفه من أن ينظر فلسطينياً إلى أي تخفيف على غزّة في المستوى الحياتي كإنجاز حقّقته مسيرات العودة وكسر الحصار، ما يزيد من زخمها، ويساعدها على مراكمة نجاحاتها خاصة على صعيد الوصول إلى هدفها المرحلي كسر الحصار عن مليوني فلسطيني في قطاع غزّة، وحتى على صعيد أهداف مسيرة العودة الاستراتيجية، يتجلّى الهاجس الإسرائيلي الأساسي بأن يشعر الفلسطيني اللاجئ في غزّة وغيرها من المدن الفلسطينية سواء في الضفة أو في بلدان اللجوء، بنجاعة مسيرات العودة النضالية في ظل طوفان صفقة القرن، حينها لن تقتصر إشكالية "إسرائيل" على كيفية مجابهة استمرارية مسيرات العودة على الحدود الشرقية لغزّة فقط، بل ستتعدّاها إلى مواجهتها في مناطق أكثر حساسية على أمن دولة الاحتلال ستنتقل إليها تلك المسيرات.
رابعاً. حاولت دولة الاحتلال أن تخلق حلاً توافقياً ما بين رؤية الجيش، وما بين رؤية المستوى السياسي، من خلال الرد العسكري المحدود على الطائرات الورقية، بمعنى الاقتصار على الاستهداف غير المباشر لمُطلقيها، وازدياد حدّة هذا الاستهداف طردياً مع اتّساع ظاهرة الطائرات الورقية الحارِقة، وتطوّر المشهد الأمني, كل ذلك بالتوازي مع مبادرات ومقترحات إسرائيلية سياسية للتخفيف من أزمات غزّة الإنسانية، تطرح فقط على الإعلام من أجل خلق حراك وهمي، يُجمّل من الصورة الدعائية للحكومة اليمينية الإسرائيلية، ويُحاول أمام الداخل الصهيوني والمجتمع الدولي أن العائق الأساس بوجه إنهاء أزمات غزّة هو المقاومة الفلسطينية وليس دولة الاحتلال، وبذلك تلقي الكرة في ملعب المقاومة وتحاول تحويل الضغط الشعبي الفلسطيني وحتى الدولي بتجاهها.
من الواضح أن دولة الاحتلال تفضّل الحل التوافقي، لأنه يمنحها الوقت ولا يجبرها على اتخاذ قرار نهائي بشأن غزّة، وفي الوقت ذاته يمنحها المرونة في التعاطي مع التغيّرات المتلاحقة سواء على المستوى السياسي أو على المستوى الأمني.
حسن لافي كاتب فلسطيني مختص بالشأن الإسرائيلي
ماذا يأمل روحاني من زيارته لأوروبا؟
بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي والبدء بفرض عقوبات اقتصادية على إيران وعدت إدارة ترامب بأنها ستكون الأقسى في التاريخ .لذا تكتسب الزيارة أهميتها من هذا الظرف الحرج الذي يعصف بالاتفاق الذي سعى الجانبان الإيراني والأوروبي على مدى 12 عاماً من المفاوضات الشاقة إلى التوصل إليه في عام 2015، ففي الوقت الذي تبدو طهران أنها متمسكة بالاتفاق وبالانفتاح على العالم ولا سيما على القارة العجوز إذا حصلت على ضمانات كافية من الأوروبيين لتأمين المصالح الإيرانية تبدو أوروبا أكثر تمسكا بهذا الاتفاق الذي ليس من أجل المكاسب الاقتصادية من الأسواق الإيرانية فقط إنما لأهداف استراتيجية أوروبية تحاول العبور بالاتحاد إلى ضفة التمايز عن السياسات الأميركية ولاحقا الاستقلال عنها كما أن الاتفاق النووي يعتبر باكورة جهود دبلوماسية حثيثة لأوروبا يدفع بها مجددا إلى صدارة المشهد السياسي الدولي بعد تراجع ملحوظ في العقود الأخيرة أمام التغول السياسي الأميركي في العالم وخاصة في منطقة الشرق الاوسط.
سويسرا والنمسا بلدان تربطهما علاقات جيدة مع إيران منذ عقود وقد ترسخت هذه العلاقات أكثر في عهد أول حكومة إصلاحية برئاسة محمد خاتمي. كما أن سويسرا ترعى المصالح الأميركية في إيران وتشكل جسراَ بين واشنطن وطهران في مجالات عدة ومنها المجال الاقتصادي. كما أن هذه الزيارة تشكل فرصة هامة بتوقيت مناسب للتأكيد على الموقف الإيراني حول المفاوضات الراهنة مع الجانب الأوروبي لتقديم الضمانات لطهران قبيل انقضاء المهلة الزمنية التي يبدو أن إيران مددتها مؤخراً لإعطاء الأوروبيين وقتاً كافياً لترتيب أوراقهم الداخلية في ملف يعد من أكثر الملفات تعقيدا حيث أن خسارة الاتفاق النووي تشكل خسارة معنوية كبيرة لأوروبا بينما خسارة العلاقات التجارية تشكل ضربة قاسمة للاقتصاد الأوروبي لذا يسعى الاتحاد إلى إمساك العصا من الوسط وهذا الأمر دونه خرط القتاد.
وقد سعى الرئيس الإيراني في جميع الإطلالات الإعلامية له سواء في المؤتمرات الصحافية أو الملتقى الاقتصادي السويسري الإيراني إلى إظهار مدى التزام إيران بتعهداتها الدولية في مقابل نقض الإدارة الأميركية للمواثيق وعدم التزامها بالقرارات والقوانين الدولية وبهذه المقاربة يقول روحاني إن مصدر القلق الدولي ليس إيران كما تروج الولايات المتحدة بل هي أميركا نفسها التي تضع العالم على حافة الهاوية بقرارات متسرعة أحادية وهنا يدرك روحاني جيدا أنه يتقاطع في هذا الموقف مع غالبية دول الاتحاد الأوروبي ولو لم يجاهر البعض منهم بما أماطت اللثام عنه الصحافة الأوروبية بصراحة .
كما أن الرئيس الإيراني يحاول فصل علاقة بلاده مع أوروبا بنتيجة المفاوضات وبمصير الاتفاق النووي وهذه نقطة هامة تمهد من خلالها إيران الطريق لضمان مواقف أوروبية معتدلة اتجاهها في حال انهيار الاتفاق وربما لإبقاء الأبواب مفتوحة لأي تعاون اقتصادي متاح بعيدا عن رقابة العقوبات الأميركية
وبإنتظار الحزمة الاقتصادية الأوروبية لإيران والمتوقع أن تقدم في فيينا على هامش لقاء وزراء خارجية إيران ومجموعة دول 4+1 بحسب وسائل إعلام إيرانية تأتي هذه الزيارة لتعطي صورة إيجابية حول مضامين تلك الحزمة وحول الموقف الإيراني المرتقب حيالها ورغم أن الوقائع تشير إلى عدم قدرة الاتحاد الاوروبي على تأمين جميع المصالح التي تتوخاها إيران وعدم قدرته على إجبار الشركات العمالقة البقاء في الأسواق الإيرانية لكن هامش المناورة يبقى بالاعتماد على الشركات الأوروبية الصغيرة والمتوسطة وهذا ما تدركه إيران جيدا وتتعامل معه بمنطق...
ملحم ريا
"نداء تونس" يطالب برحيل الحكومة: التحالف مع حركة "النهضة" انتهى
حزب "نداء تونس" يعلن انتهاء التحالف مع حركة "النهضة" عقب انهيار التوافق بشأن تنصيب رؤساء البلديات، ويطالب باستقالة الحكومة التونسية الحالية.
بسيس: هناك ضرورة قصوى اليوم لرحيل الحكومة الحالية واستبدالها بأخرى لإنقاذ البلد
أعلن حزب "نداء تونس" انتهاء التحالف مع حركة "النهضة" عقب انهيار التوافق بشأن تنصيب رؤساء البلديات.
المتحدث باسم "نداء تونس"، منجي الحرباوي، أشار في حديث لإذاعة "شمس أف أم" التونسية إلى أن التحالف انتهى، كما أكد الاتفاق مع الجبهة الشعبية وأطراف أخرى على رفض تولّي شخصية من حركة "النهضة" رئاسة بلدية العاصمة تونس.
المكلّف بالشؤون السياسية في "نداء تونس" برهان بسيس، قال بدوره إن هناك اختلافاً جذرياً مع حركة "النهضة" في القضايا الرئيسية، مضيفاً "انتهت مرحلة التحالف ونحن قوتان سياسيتان متنافستان وعبّرنا عن ذلك منذ نيسان/أبريل الماضي".
وفي حديث ، لفت بسيس إلى أن حركة النهضة هي الطرف الوحيد الذي يساند الحكومة التونسية التي يرأسها اليوم يوسف الشاهد ويشدد على استمراريّتها، وتابع "مجموعة صغيرة في النهضة على رأسها الغنوشي تدفع للإبقاء على الحكومة ضعيفة لتكون ألعوبة في أياديها"، متهماً "النهضة" بأنها تدافع عن الحكومة من أجل مصالحها السياسية الضيقة.
وطالب بسيس برحيل الحكومة، معرباً عن عدم الاستعداد لإعادة التوافقات نفسها مع حركة "النهضة" في أية حكومة جديدة، كما اعتبر أن استقالة بعض الوزراء من الحكومة الحالية هو أمر ممكن وأن التعامل مع الحكومة الحالية قيد الدرس.
ورأى بسيس أن هناك ضرورة قصوى اليوم لرحيل الحكومة الحالية واستبدالها بأخرى لإنقاذ البلد، مؤكداً أن "نداء تونس" لن ينتظر انتخابات 2019 حتى يدافع عن رؤيته السياسية، بحسب تعبيره.
خصال الشقاء التي علينا تجنبها
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وصيته لأمير المؤمنين (عليه السلام): «وللشقيّ ثلاثُ خِصال، التّواني في أوقاتِ الصّلاةِ، وكثرةُ الكلامِ في غيرِ ذكرِ اللّهِ، وقلَّما يرغبُ في طاعةِ اللّه».
مرّ في وصيّة الفقيه أنّ هناك أربع خصال تنشأ من الشقاوة، جمود العين، وقساوة القلب، وبُعْد الأمل، وحبّ البقاء..
يبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) هنا أنّ ثلاث خصال يتّصف بها الشقيّ.. غير السعيد:
أحدها، أنّه يتواني في إتيان الصلاة في أوقاتها.. والتواني هو التقصير في العمل وعدم الإهتمام به.
ثانيها، أنّه يكون كثير الكلام.. وكلامه في غير ذكر الله تعالى.
ثالثها، أنّه قليل الرغبة في إطاعة الله سبحانه.
ويحسن أن نشير إلى جانب توضيحي في هذه المسألة، بياناً للشقاوة وآثارها السيّئة، لما لها من الأهميّة.
فاعلم أنّه ليست الشقاوة ذاتية للإنسان وغير قابلة للتغيير حتّى يكون البشر مجبوراً على التقصير كما توهمّته الفرقة الجبرية.. بل هي إختيارية من الإنسان وحاصلة له باختيارها لنفسه..
فيمكن للشقيّ أن يعدل إلى طريق السعداء، ويختار لنفسه حُسن البقاء.. بعزم إرادته، والتفكير في عاقبته، وإرادة الخير لنفسه.. وهذا أمر ثابت دليلا ووجداناً، نقلا وعقلا بوجوه عديدة نختار منها ما يلي:
أوّلا: ما رواه الشيخ الصدوق بسنده إلى عمرو بن ثابت، عن أبي جعفر قال: «من قرأ (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ) و(قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ) في فريضة من الفرائض غفر الله له ولوالديه وما ولدا، وإن كان شقيّاً مُحي من ديوان الأشقياء، وأُثبت في ديوان السعداء، وأحياه الله سعيداً، وأماته شهيداً، وبعثه شهيداً»[1].
وروى أيضاً بسنده إلى زرارة بن أعين، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إنّ الله يمجّد نفسه في كلّ يوم وليلة ثلاث مرّات، فمن مجّد الله بما مجّد به نفسه ثمّ كان في حال شقوة حُوِّل إلى سعادة، فقلت له، كيف هذا التمجيد؟
قال: تقول: (أنت الله لا إله إلاّ أنت ربّ العالمين، أنت الله لا إله إلاّ أنت الرحمن الرحيم، أنت الله لا إله إلاّ أنت العلي الكبير، أنت الله لا إله إلاّ أنت مالك يوم الدين، أنت الله لا إله إلاّ أنت الغفور الرحيم، أنت الله لا إله إلاّ أنت العزيز الحكيم، أنت الله لا إله إلاّ أنت منك بدء كلّ شيء وإليك يعود، أنت الله لا إله إلاّ أنت لم تزل ولا تزال، أنت الله لا إله إلاّ أنت خالق الخير والشرّ، أنت الله لا إله إلاّ أنت خالق الجنّة والنار، أنت الله لا إله إلاّ أنت الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، أنت الله لا إله إلاّ أنت الملك القدّوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكبّر سبحان الله عمّا يشركون، أنت الله الخالق البارىء المصوّر، لك الأسماء الحسنى، يسبّح لك ما في السماوات والأرض، وأنت العزيز الحكيم، أنت الله لا إله إلاّ أنت الكبير [المتعال] والكبرياء رداؤك»[2].
ثانياً: إنّه لو كانت الشقاوة ذاتية لم يمكن تبديلها بالسعادة حتّى يؤمر بالدعاء لتبديلها في مثل دعاء ليلة القدر المباركة: (وإنْ كنتُ من الأشقياء فامحُني من الأشقياء واكتبني من السعداء)[3].
ثالثاً: إنّه لو كانت الشقاوة ذاتية والمعاصي صادرة عن تلك الشقاوة اللا إختيارية لم يكن وجهٌ لتوقيف العباد في موقف الحساب يوم المعاد والسؤال منهم، مع أنّ ذلك الموقف قطعي بصريح الكتاب الكريم في قوله عزّ إسمه: (وَقِفُوهُمْ إنَّهُم مَّسْؤُولُونَ)[4].
رابعاً: إنّ الشقاوة الذاتية لا يمكن أن تكون أبداً لا فيما يتعلّق باُصول الدين ولا فيما يتعلّق بفروع الدين.
أمّا في الاُصول فلأنّ الإنسان مفطور على التوحيد (فِطْرَةَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)[5].
وأمّا في الفروع فلأنّ الشقاوة فيها تعرض بكثرة الذنوب، وإسوداد القلب، ولا تكون من ذات الإنسان كما تلاحظه في الأحاديث الشريفة مثل حديث زرارة عن الإمام الباقر (عليه السلام) إنّه قال: ما من عبد إلاّ وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنباً خرج من النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتّى يغطّي البياض، فإذا تغطّى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً، وهو قول الله عزّوجلّ: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[6]»[7].
خامساً: إنّ الذاتية في الشقاء خلاف الدليل العقلي في تعريف الذاتي.. وذلك لأنّ الذاتي إمّا أن يكون ذاتياً من باب الكليّات كالجنس والفصل والنوع مثل حيوانية الحيوان وإنسانية الإنسان وناطقيّته..
وإمّا أن يكون ذاتياً في باب البرهان وهو ما ينتزع من نفس الذات من دون حاجة إلى ضمّ ضميمة كزوجيّة الأربعة..
ومن المعلوم أنّ الشقاوه ليست منهما في شيء بالضرورة، بل هي من الصفات العارضة على النفس كسائر الأوصاف النفسيّة..
فلا تكون من سنخ ماهيّة الإنسان حتّى تكون ذاتيةً له.
بل يتوغّل العبد بإختياره في المعاصي فيصير شقيّاً، كما يتواجد في الطاعات بإختياره فيكون سعيداً.
وقد خلقه الله تعالى ليرحمه، وهداه السبيل ليُسعده، ومنحه القيوميّة والإختيار.. فكان هو الإنسان بنفسه يختار لنفسه الخير أو الشرّ، بعد أنْ هداه الله تعالى إلى سبيل الخير والأخيار، ونهاه عن طريق الشرّ والأشرار (إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)[8].
ومن المعلوم أنّه لا يرضى الله تعالى لعباده الكفر والعصيان، ولم يخلقهم للشقاوة والطغيان حتّى يجبرهم عليها بل خلقهم للعبادة والسعادة.
(وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاّ لِيَعْبُدُونَ)[9].
لكن العبد لسوء الإختيار، قد يمتهن المعصية ويستلذّ بفعل الأشرار، ويتّصف بالشقاوة، من دون جبر أو إجبار فيصير شقيّاً.
وفي حديث الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنَا)[10] قال (عليه السلام)، بأعمالهم شقوا[11].
وبهذا تعرف أنّ مقولة الجبريّة باطلة، والشقاوة ليست ذاتية.
المصدر: وصايا الرسول (ص) لزوج البتول (عليهما السلام) - بتصرف
[1] ثواب الأعمال، ص 155.
[2] ثواب الأعمال، ص 28.
[3] مفاتيح الجنان، ص 235.
[4] سورة الصافات، الآية 24.
[5] سورة الروم، الآية 30.
[6] سورة المطفّفين، الآية 14.
[7] اُصول الكافي، ج 2، ص 2(عليه السلام)3، باب الذنوب، ح 20.
[8] سورة الإنسان، الآية 3.
[9] سورة الذاريات، الآية 56.
[10] سورة المؤمنون، الآية 106.
[11] التوحيد - الشيخ الصدوق - ص 356.
فرصة التغيير
لو سألت عن السبب الحقيقي وراء كون عرفات مظهراً وتجلياً كاملاً للرحمة الالهية، لأجبتك وبكل صراحة: بأنني عاجز عن فلسفة ذلك، ولا يسعني سوى القول بأنّ الله سبحانه وتعالى، الذي جعل الشمس محوراً ومركزاً لمنظومتنا الشمسية ولهذا النور العظيم، هو الذي جعل رحمته العظمى هنا في عرفات، وفي لحظات معينة من السنة برمّتها.
ومن تجليات الرحمة الالهية أن ربّ العزة يخاطب عبيده التائبين من دون واسطة: عبدي؛ " قد غفر لك، وطهُرت من الدنس فاستقبل واستأنف العمل". وهو نفسه الذي يأمر الملائكة بالترحيب بوفده. هذه الرحمة التي لو عرف الانسان قيمة أبعادها، لتأكّد له بأن لو أعطي كل شيء لكان بذاك حريّاً.
فما أحلى هذه العشية، وما أروع الاجتماع تحت ظل الرحمة الالهية.
خلاصة العمر:
العمر كلّه فرصة كما هو معلوم، وخلاصة العمر كله تتجسد في لحظات عرفات القصيرة. فعرفات يقف خلقها التقدير الالهي للإنسان، والتقدير هذا لا يكون إلاّ بعد أن يقرر الانسان مصيره. اذاً فالتقدير الالهي ما هو إلا انعكاس لقرار الإنسان، وما أروع أن يكون القرار قراراً تتجلى فيه صور التوبة والعودة الى خط الاسلام الصحيح، لاسيّما وأن الحاج في عرفات يجهل مدى استمرار العمر به، حيث لا يدري كم سوف يعيش، وهل سيكون من نصيبه أن يحجّ في السنة القابلة. فما أحراه أن يغلق على نفسه كتاب الذنوب والعصيان، ويفتح في مقابل ذلك كتاب اليمين والاحسان والاستغفار.
فلحظات عرفات هي لحظات الدعاء والمسألة الى الله سبحانه وتعالى، ففي خلالها يكون كلام العبد مسموعـاً من قبل الرب العظيم، وذلك بعد أن يثبت العبد حسن نيّته وصفاء سريرته وسلامة قلبه.
وحينما نوفق ان نكون ضيوفاً على الرحمن في عرفات، فلنتأكد بأن اللـه هو الارحم وهو الاكرم، وفي مقابل ذلك لنختزل في أذهاننا اسوداد وجوهنا وفراغ ايدينا، وأننا لم نأت بعمل صالح، واننا لا نفتخر بمجيتنا الى هنا أو بأداء مناسكنا، وانما المسألة اننا دعينا من قبل الرب العظيم ووفقنا الى التلبية والحضور، والله السميع العليم الذي يشهد على وقوفنا في هذا الوادي المقدس أهل للمنّ، وأهل لأن ينظر إلينا نظرة واحدة تحول حالنا الى أحسن الحال. فالله هو القائل لعباده: ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(غافر/60). وهو القائل أيضاً: ﴿ وَإِذَا سَاَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَاِنِّي قَرِيبٌ اُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة/186)
وقد روي ان.. أحد الاعراب سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً: يا رسول الله اقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟. فالله قريب الى عباده. ولقد جاء في المأثور من الدعاء: "يا من يسمع أنين الواهنين" بمعنى أن الخالق العظيم ذا الكبرياء والجبروت أقرب الى ذلك الإنسان الواهن الذي يغفل عنه الجميع. فالله هو الأقرب الى الانسان من حبل الوريد، وهو صاحب الضيافة الكبرى على مر العمر والتاريخ.
فلندعو الله تبارك وتعالى بالأدعية الصالحة والمناسبة لمقام الحج - وعرفات على وجه الخصوص- لاسيّما دعاء عرفة للامام الحسين سيد الشهداء عليه السلام، ولتتذكر وقوفه وباقي أئمة أهل البيت عليهم السلام في هذه الارض ودموعهم تجري تضرعاً الى الله تعالى. نستذكر تلكم اللحظات متأكدين بأنهم يؤمنون على دعوات شيعتهم، وهذا بحق هو النعمة الكبرى والفوز العظيم.
ولادة جديدة:
ثمة امور وتوجهات ينبغي أن نوليها الأهمية الكبيرة، لننتهي الى النتيجة المطلوبة من اداء مناسك الحج وبالذات الوقوف في عرفات؛ ومنها:
أولاً: أن نؤصّل ونرسخ الاعتقاد بأنّ الله سبحانه وتعالى قد جعل هذا اليوم وهذه الساعات المحور الزمني لحركة الانسان في المستقبل القريب والبعيد، والى ذلك يشير حديث الامام الصادق عليه السلام الذي قال فيـه: " أعظــم النــاس ذنبـاً من طـاف بهذا البيت ووقف هذا الموقف - عرفات- ثم ظنّ أنّ الله لـم يغفر له ". أوَ ترى - يا أخي الحاج والطائف بالبيت والواقف في عرفات - أن اليأس من روح الله عنوان الكفر به؟ فلا ينبغي لأحد منّا أن يكون في قلبه شيء من الشكّ برحمة الله وغفرانه وتوبته على عباده ، ولو جزء من المليون، فالوقوف في عرفات إنما هو ولادة جديدة للانسان في تقدير الاله الجبار، ولاشك في ذلك بمثابة الاعتراض على إرادة الله جل جلاله.
ثانياً: أن نتوجه الى محتويات ومفاهيم الأدعية التي نقرؤها في هذه الايام توجهاً واعياً يتناسب ومستوى المضامين التي تحتوي عليها، ويتناسب مع ما هو مطلوب من طموح وهدف، وهو الرحمة والغفران الذي ينتهي بالمرء الى تحقق ولادته الجديدة.
ثالثاً: أن نفكر ونطمح الى إحراز الباقيات الصالحات، وأعظمها الذرية الصالحة. فأن ينشئ الانسان مدرسة أو مسجداً أو مطبّاً أو معملاً يوقفه لخدمة المسلمين، فذاك أمر عظيم. ولكن الأعظم منه أن يربي الوالد والوالدة أطفالهما وفق النهج الديني، ويحضوهم ضد الوساوس الشيطانية والانحراف الفكرية والعملية.. فما هذه البرامج الفاسدة والمفسدة والتربية غير الاخلاقية التي تبثعبر أجهزة التلفاز والقنوات القضائية.. ليس إلاّ ذئاب تحاصر براعمنا وشبابنا من كل صوب وجهة. واذا لم تتمّ برمجة التربية بشكل واعٍ وعلمي تفوق ما يقابلها من برامج الانحراف، فان الجيل الجديد سيظل تحت مطرقة الشيطان حتى آخر رمق لديه.
ولقد سعدت الى حدّ التعجب.. حينما رأيت في هذا الموسم مجاميع الشباب والاشبال وهم يؤدون مناسك الحجّ بكل براءة ونزاهة ووعي. وحينما سألتهم فيما سيحجّون في السنة المقبلة، فأعربوا عن رغبتهم الأكيدة في الوفود الى بيت الله الحرام. ولعل تعميق هذه الروح المؤمنة لدى جيلنا الجديد هو ما يجسد بحقٍّ الحصن الحصين ضد الانحراف والتيه في صحاري الجاهلية القاحلة.
ولكن حينما تقع الفرقة بين الوالدين وبين أولادهم سيكون المجتمع برمته في معرض الانحلال، وسيدفع الجميع الثمن غالياً. وهذا ما يدعونا الى التعامل مع هذه القضية تعاملاً واعياً.
ولقد أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلقين شابٍ من الانصار كان يحتضر، فأحصر الشاب ولم يسعه التفوه بالشهادتين، حتـى سأل الرسول الأكرم أصحابه عما إذا كان لهذا الشاب أمّاً أو أباً، فلما جاءت والدته، سألها: أأنتِ راضية عن ولدك؟ فقالت: لا يا رسول الله، مؤكدة أنها لن ترضى عنه أبداً رغم عجزه المطلق عن أداء الشهادتين، فما كان من النبي عليه الصلاة والسلام إلاّ أن أمر بجمع الحطب واضرام النار، فتعجبت لذلك المرأة متسائلة عما سيلحق ذلك، فقال النبي: اريد حرق الشابّ فقالت المرأة: وكيف تحرقه وهو ابني؟ فأجاب الرسول الاكرم: أحرقه لأنك غير راضية عنه... فأعلنت الام رضاها عن ابنها، وعند ذلك قال لها الرسول الاكرم - موصياً جميع الأباء والامهات على مرّ العصور وفي مختلف الظروف-: يا أمة الله: إنّ نار الآخرة أشدّ من نار الدنيا، ثم انطلق لسان الشاب المحتضر باعلان الشهادتين، ثم مات مغفوراً له.
ايها الاخوة والاخوات في الله؛ نحن وإياكم محكومون بالموت والفناء، ولكن الذي يبقى لنا ونبقى له هو ما نبذله من جهود في إطار بث الوعي وتكريس الأخلاق الحميدة على صعيد الحركة الاجتماعية والتاريخية. وما أروع أن تكون هذه الجهود منصبة في اطار توعيه الجيل القادم، الذي ينبغي أن يكون الحامل للواء الصلاح والمعروف والنهضة.
ومن طريف ما يذكر في هذا المجال أن والدة الشيخ مرتضى الأنصاري حينما أخبرت بتصدي ولدها لأمور المرجعية العليا، لم تظهر أي تعجب لذلك. وحينما سألت عن عدم تعجبها، قالت: أنـني ما أرضعت ابني إلاّ
وكنت على طهارة...
فيا أيتها الاخت المؤمنة ؛ ليكن تفكيرك منصباً على أنك ستقدمين جيلاً الى المجتمع، وليكن كل اهتمامك مختصاً بتعلم اصول التربية الصحيحة المقامة على الاسس الاخلاقية الواعية، دون ما نرى من بعض الأمهات اللاتي تقتصر حياتهن على تهيئة الطعام وما أشبه ذلك من الأعمال التي لا تسدّ الى جانباً صغيراً من شؤون الأطفال والعائلة. ففي ذلك إهانة كبرى توجهها الأم لنفسها من حيث تعلم أو لا تعلم، فضلاً عن الخطر الكبير الذي يحيق بالاولاد إذا ما اقتصرت الأم على ذلك.
ولقد نرى أو نسمع عن أمهات تشاغل أولادها الصغار بعرض أفلام الصور المتحركة أو أشرطة الأغاني والموسيقى، فيما هي تنجز طهي الطعام.. وهذا هو عين الموبقة، لانه يقود الاولاد الى طريق الانحراف عبر مشاهدة الكثير من المفاسد التي تحويها الافلام الاجنبية.
نحن هنا في عرفات يجب أن نرسم صورة واضحة وطريقاً مستقيماً لحياتنا في الدنيا والآخرة، والى ذلك يقول رب العزة: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة/197). واعداد الجيل وفق الاصول القرآنية لهو عين التقوى، وتبرئة الذمة، وأداء الواجب السماوي.
رابعاً: أن نلحّ على الله تعالى في دعواتنا على ما ألحّ عليه الامام الحسين عليه السلام ، وهو عتق رقابنا من النار. ولنقــرأ الدعاء الذي ورد استحباب قراءتـه في المشعر الحرام وهو: " ربّنا آتنـا في الدنيا حسنة - الرغبة في الحياة الطيبة من جميع الجهات - وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
ويصف الامام عليه السلام العتق من النار بقوله الشريف: "حاجتي التي إن أعطيتنيها لم يضرّني إن منعت غيرها، وإن منعتنيها لا ينفعني ما أعطيتني غيرها... أن تعتق رقبتي من النار".
فهذه آيات الله تبارك وتعالى تحيط بنا من كل جانب، ومن ينساها أو يتناساها سوف يتعرض الى إعراض الله عنه نسيانه له. وهذه عرفات المقدسة امامنا لنتخذها موقع تذكر لآيات الله، وهذه السماء مفتّحة الأبواب، وهذه ملائكة الله تبشر المؤمنين الصادقين بالتوبة والرحمة والغفران.
فلا تفوتنا لحظة التغيير هذه، فانها فرصة قد لا تعود ابـداً1.
كلمة الامام الخامنئي (دام ظلّه) لدى لقائه النوّاب والعاملين في مجلس الشورى
بسم الله الرحمن الرحيم (1)
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين، سيما بقية الله في الأرضين.
أرحب بالإخوة والأخوات الأعزاء النواب المحترمين. إنَّ ميزة لقائنا هذا العام هي أنَّ مجموعة العاملين في الأقسام المختلفة من مجلس الشورى الإسلامي قد شرّفوا بالمجيء اليوم وهم حاضرون في هذه الجلسة والحمد لله؛ الأقسام المهمة التابعة لمجلس الشورى والمديرون والمسؤولون والعاملون فيها؛ أرحب بكم جميعاً وأتقدم بالشكر لكم على ما تتحملونه من جهود وأتعاب، وأسأل الله تعالى لنا ولكم المزيد من التوفيق في طريق الهداية والإصلاح.
أولاً، بمناسبة هذه الأيام، حيث خرجنا لتونا من شهر رمضان ولا تزالون في الأجواء الرمضانية إلى حدٍ ما ولا نزال فيها إن شاء الله، أحبّ أن أتكلّم ببضع كلمات [حول الموضوع]. إنّ روح الخدمة [خدمة الناس] هي [نوعٌ من أنواع] التقرُّب إلى الله. كلُّ الأعمال التي تقومون بها، سواء تحت قبة المجلس، أو في اللجان والأجهزة التابعة للمجلس ـ كل هذه الخدمات ـ إذا تمّت وأنجزت لله وفي سبيل الله فستكون خدمة حقيقية ووسيلة للتقرُّب إلى الله. والحقّ أنه قلّما توجد عبادة تضاهي مثل هذه الخدمات إذا ما أنجزت في سبيل الله. إذا سادت هذه الروح المعنوية والإلهية على نشاطاتنا وخطواتنا وكلامنا وسكوتنا فإنّ ذلك سيؤثّر في ارتقاء المجتمع وإعلاء شأنه، وتقريب الأفراد من جوهرهم الحقيقي الذي دعا إليه الأنبياء. إننا أسرى المادة؛ فبصرنا وأعيننا لا ترى إلا مظاهر المادة وعلاماتها، ولهذا نتعلّق بهذه المظاهر وتجتذبنا الجماليات المادية. وأعيننا لا ترى أكثر من هذا عندما تكون أسيرة الأجواء والمناخات المادية. إذا زدنا من [منسوب] المعنويات ورفعنا من مستوى الصفاء القلبي وأخذنا التقرُّب إلى الله على نحو الجد، وعوّدنا أنفسنا على العمل لله ومضينا قدماً، فإن تلك الروح الصافية التي ستحصلون عليها سوف تؤدّي إلى فتح العيون على مناظر أجمل وأسمى وأرقى مما نشاهده في هذه الدنيا من الجماليات والجاذبيات الدنيوية.
إذا حلَّقت إلى الأعالي عن هذه الدنيا الدنيّة يوماً فسترى
أنَّ مُلك ذلك العالم أفلاك وأكوان (2)
وليس المراد من «مُلك ذلك العالم» الجنة فقط والقيامة فقط، ففي هذه الدنيا أيضاً كان ولا يزال هناك أفراد رأوا بأعينهم التي ترى الحقائق، وتبصر المعنويّات، حقائق في هذه الدنيا، وعاشوا حياة هنيئة طيبة بالنظر إلى تلك المناظر المعنوية والإلهية والنعم الإلهية الأفضل. وغالباً ما كانوا غير آبهين وغير مكترثين لهذه الأشياء التي نتشبث نحن بها. يمكن السير في هذا الدرب، وكلنا نستطيع السير فيه، فهو ليس بالطريق الوعر الصعب. إذا راعينا في أعمالنا هذا الأمر، فنظرنا في هذه الخطوة التي نريد اتخاذها وهذا الكلام الذي نريد قوله، وهذا القانون الذي نعتزم المصادقة عليه، وهذا الرأي الاستشاري الذي نريد تقديمه وطرحه، وهذه الأعمال الخدماتية التي نقوم بها، إن كانت لله ومرضية له قمنا بها، وإن شعرنا بأنها ليست مما يرضى الله عنه فلا نقوم بها؛ بإمكان الجميع القيام بهذا الأمر ومراعاة الدقّة فيه، ويمكننا جميعاً القيام به؛ إذا عملنا بهذه الطريقة فسوف يأخذنا هذا تدريجياً إلى الأمام، وسيجعلنا أنقياء [السريرة] وسيزيد من صفائنا وطهارتنا.
حسنٌ، لنتطرق إلى قضايا مجلس الشورى. لقد سجَّلت عدة نقاط وملاحظات لأطرحها على النواب المحترمين. وبالطبع فقد تطرّقنا في جلسات الأعوام الماضية إلى النقاط التي بدت ضرورية ومفيدة، لذلك ستكون بعض النقاط مكررة وقد يكون بعضها غير مكرر. على كل حال سنتكلّم فيما نراه لازماً.
على ما يبدو، يجب على نواب مجلس الشورى والمسؤولين الكبار فيه أن يسعوا في كل دورة [من دورات مجلس الشورى] لتكتسب هذه الدورة امتيازات أكثر وتتفوق، ويسعوا إلى رفع مستوى أداء المجلس. حسنٌ، إذا أردنا كسب درجات وامتيازات أكثر فالسبيل إلى ذلك أن نعمل أكثر وبشكل أفضل. هكذا هي ساحة العمل والخدمة. يجب أن نعمل ونسعى، ولا بُدَّ من عملٍ أفضل ولا بُدَّ من المبادرة والإقدام والقيام بالأعمال الأساسية.
بالطبع، قدَّم حضرة رئيس المجلس المحترم السيد لاريجاني (حفظه الله)، لائحة جيدة، وسبق أن قدَّم تقريراً مكتوباً طالعته ودققت فيه ـ لقد أنجزت الكثير من الأعمال بحمد الله، لكن ثمة نقطة مهمة هي أن المؤشرات الكمية غير كافية للتقييم. لا يكفي أن نقول هذا هو عدد القرارات التي صادقنا عليها. بل يجب أن يُشخّص مدى أهمّيّة وتأثير هذه القرارات في إدارة البلاد، فأنتم مديرو البلاد ومشرعو القوانين فيها، وأنتم من تضعون الخطوط لحركة التنفيذ، وهذا الجزء المهم من الإدارة تحت تصرفكم، فكم يؤثر هذا الشيء الذي صادقتم عليه في إزالة مشاكل البلاد وتقدمها ومراعاة أحوال عموم الناس؟ إذاً، الكمّية وحدها لا تكفي، ولا بُدَّ من ملاحظة الكيفية والجودة. وبالطبع ثمة شروط أخرى سأذكرها. هناك أشياء أخرى ضرورية غير هذه.
أقول هذا على نحو عام: مجلس الشورى يجب أن يكون مظهراً للعزة الوطنية ومظهراً لاقتدار النظام واستحكامه. هذا هو مجلس الشورى، لماذا؟ لأنَّ مجلس الشورى منتخبٌ من قبل عموم أبناء الشعب في أنحاء وأرجاء البلاد المختلفة، حيث جاؤوا وانتخبوا هذا الشخص ـ هذا الأخ أو هذه الأخت ـ بدوافع محدّدة. وقد قال الإمام الخميني إنَّ مجلس الشورى عصارة فضائل الشعب (3). وهذه النقطة نقطة مهمة. لاحظوا: [لقد قال] عصارة الفضائل، لا عصارة كل الخصال! فبعض الخصال ليست من الفضائل. يجب أن يكون مجلس الشورى عصارة فضائل الشعب. وفضائل هذا الشعب كثيرة جداً. ينبغي لمجلس الشورى أن لا يكون رمزاً للتردد واستصغار الذات. عليه أن لا يكون رمزاً لليأس والقنوط أو رمزاً لعدم الاكتراث واللا مبالاة بقضايا البلاد. وعلى مجلس الشورى أن لا يُظهر بأنّ نظرته للإمكانيات والقدرات الوطنية نظرة يائسة. هذه هي فضائل الشعب التي ينبغي أن تجتمع عصارتها هنا.
يجب أن أعرب هنا عن أسفي لأن مطالعة التاريخ ضعيفة وباهتة بين شبابنا وعند شعبنا إلى حدٍّ ما، وإلا إذا اطّلع الإنسان على التاريخ سيجد أن هذا الشعب شعب بارز في التاريخ وفي الزمن الحاضر أيضاً. شعبنا في التاريخ رمز للإيمان، والعلم، والثقة بالنفس، والفخر بالإمكانيات والطاقات الذاتية ورمز للثبات والصمود. هكذا هو في التاريخ. وأشير هنا إلى نموذج أو نموذجين. لاحظوا أن السلاجقة قد جاؤوا إلى إيران في القرنين الخامس والسادس للهجرة. قسمٌ جاء إلى إيران من الجنوب، وقسمٌ توجَّه من الشمال إلى آسيا الصغرى. القسم الذي توجَّه نحو آسيا الصغرى غيَّر لغة تلك البلاد وغيَّر حضارتها وثقافتها وكلَّ شيء فيها. حوّلوا [ثقافة] بلاد الأناضول القديمة التي كانت تابعةً للدولة البيزنطية إلى الثقافة التي كانوا يمتلكونها. أما الذين جاؤوا من الجنوب ـ وهم سلاجقة إيران ـ فذابوا في الحضارة والثقافة الإيرانيتين. كانوا نفس أولئك [الذين ذهبوا إلى آسيا الصغرى] لكنهم ذابوا هنا، ولم يذوبوا في الحضارة والثقافة الإيرانية فحسب بل اضطروا لأن يكونوا دعاة ومبلغين ومروجين للثقافة الإيرانية. لاحظوا، في أيّ ذروة بلغت فنوننا وعمارتنا وشعرنا ونثرنا في العهد السلجوقي! لم يكن هؤلاء إيرانيين ـ كانوا سلاجقة أجانب ـ لكن إيران أذابتهم وصهرتهم في صلب المجتمع الايراني. هذا هو معنى اقتدار الشعب ومناعته وقوّته.
وهذا ما حدث تماماً مع المغول. فقد جاء المغول كمهاجمين إلى هنا وقاموا بتلك الأعمال المعروفة؛ لكن ماذا كانت النتيجة؟ لم يستطع المغول فرض حضارتهم وثقافتهم و"ياساهم" (4) على هذا البلد، إنما أذابتهم هذه الحضارة وهذه الثقافة في داخلها وصهرتهم فيها فصاروا مروجين للإيمان والدين والثقافة والفنون، ومن العهود الممتازة في تاريخ فنوننا هو عهد الحكم المغولي في إيران. هذه هي إيران، وهذه هي تجربتنا [التاريخية].
بل أقول أكثر من هذا، الأبطال المسلمون الذين بلّغونا الدين الإسلامي العزيز ـ بلّغنا أحدهم هذا الدين العزيز (5) ـ عندما ذهبوا إلى بلدان شمال أفريقيا مثلاً ـ وأنا أذكر تلك البلدان من باب المثال ـ تغيَّرت لغة تلك البلدان وثقافتها، أما عندما جاؤوا إلى إيران فلم تتغير لغتنا، إنما شهدت اللغة الفارسية خلال الحقبة الإسلامية رشداً ونمواً ورقياً أكثر من حقبة ما قبل الإسلام. ماذا تمتلكون من مؤشرات وآثار اللغة الفارسية قبل الإسلام؟ لكن لاحظوا الرفعة التي شهدتها اللغة الفارسية خلال الحقبة الإسلامية، فكم كان هناك من الشعر، وكم كان هناك من النثر، وكم كان هناك من الثقافة! هذه أمور مهمة جداً ويجب التدقيق فيها. هذا فيما يتعلق بالماضي.
[أمّا] في زماننا هذا، فتمارس منذ أربعين عاماً أشدَّ أنواع العداء ضدَّ هذا الشعب، وهل ثمة أشد من هذا؟! واقعاً، لم يُمارس هذا الحجم من العداوة على أيّ شعبٌ؛ عداوة شاملة ومتعدّدة الجوانب. لقد تشكَّلت ضدَّ الجمهورية الإسلامية جبهة أحزاب عجيبة غريبة تشبه حرب الأحزاب في صدر الإسلام [لكن] بأبعاد مضاعفة ملايين المرات، وقد فعلوا كل ما استطاعوا فعله وبمختلف الوسائل. فرضوا الحظر، وأطلقوا الدعاية والإعلام، وفرضوا الحرب وتآمروا أمنياً، وقاموا بشتى أنواع الأعمال التي يستطيعون القيام بها. قارنوا هذا الشعب اليوم بما كان عليه قبل أربعين عاماً وفي بدايات الثورة. اقتدار هذا الشعب وعظمته وتقدُّمه وعلمه وحضوره القويّ بين الدول، لا يقبل المقارنة بالوضع السابق. لقد تقدَّم [هذا الشعب] يوماً بعد يوم. هذا هو الشعب. وأنتم عصارة فضائل هذا الشعب، لذا، انظروا، واعلموا كيف يجب أن تتصرفوا. هذا شعبٌ له إيمانه وعلمه وثقته بنفسه وهو شعب مستقل ويدرك امتيازاته وقدراته ويُصرُّ عليها. ولقد مضى أربعون عاماً على الثورة.
ولا يمكن الآن أن نخوض هنا في التاريخ بشكل مطوّل. هناك ثورتان أو ثلاث من الثورات الكبرى [حدثت] في العالم خلال القرنين الأخيرين، إحداها الثورة الفرنسية الكبرى، والثانية الثورة السوفيتية الكبرى، ومنها أيضاً حركة الاستقلال الأميركية، وقد حدثت كلها تقريباً خلال حقبة المائتي عام الأخيرة.؛ فحركة الاستقلال الأميركية وقعت على سبيل المثال قبل نحو مائتين وثلاثين أو أربعين سنة ـ في حدود سنة 1783 للميلاد ـ (6) والثورة الفرنسية الكبرى وقعت بعد عدة سنوات، وبعد قرابة مائة عام حدثت الثورة السوفيتية. هذه أحداث وقعت في الفترة القريبة منا. إذا لاحظتم تاريخ هذه الثورات فلكم أن تقارنوا الأربعين سنة الأولى من تاريخها بالأربعين سنة الأولى بعد انتصار الثورة الإسلامية، وهنا سيحار المرء من عظمة هذه الثورة وتقدمها وسرعة عملها وإنجازها. إنّهم لم يستطيعوا أبداً التقدم بهذه السرعة وبهذه الشدة وهذه القوة. ولا علاقة لهذا بتطورات الزمن وما شاكل؛ أي إن الأمر لم يكن يخضع لتأثيرات هذه الأشياء بل له عوامل أخرى. الشعب الإيراني شعبٌ [يمتلك مثل هذه الصفات وهذه العظمة] وأنتم عصارة فضائل هذا الشعب. يجب أن تنظروا لأنفسكم بهذه النظرة، ويجب أن تنظروا لمجلس الشورى بهذه النظرة، وينبغي أن تبنوا وتؤسّسوا توقعاتكم من مجلس الشورى وفقاً لهذه النظرة، وأن تحققوا هذه التوقعات إن شاء الله. حسنٌ، كانت هذه النقطة الأولى.
النقطة التالية هي أن عملية التشريع والتخطيط ووضع الخطط [لمسيرة البلاد] والتي هي المهمة الرئيسية في مجلس الشورى ـ وطبعاً هناك مهمة الإشراف لكن المهمة الأساسية هي تشريع القوانين ـ يجب أن ترفعوا جودتها ومستواها يوماً بعد يوم؛ أي ينبغي لنوعيّة التشريع أن ترتقي مع كل دورة بل في كل سنة بالمقارنة مع الدورة السابقة أو السنة السابقة. وسوف أذكر نقاطاً حول عملية التشريع وسَنِّ القوانين.
أولاً، هناك قضية الأولويات. وقد أشار حضرة السيد لاريجاني أنَّ أولويات البلاد روعيت في هذه القوانين. هذا شيء على جانب كبير من الأهمية. لاحظوا وانظروا ما هي الأولويات. قد تطرح بعض القوانين وتأخذ وقت المجلس، وتخلق مشكلةً في المناخ الاجتماعي للبلاد، والحال أنها لا تتمتّع بالأولوية على الإطلاق. يجب ترك هذه الأمور جانباً؛ أي إنها كالمال الذي لا يحتاجه الإنسان وينفقه هكذا دون مبالاة. ينبغي عدم هدر وقت المجلس بهذه الطريقة. وقت المجلس محدود. إنكم لا تمتلكون من الوقت أكثر من أربعة أعوام، وينبغي الاستفادة من هذا الوقت ثانية بثانية ولحظة لحظة. إذن، لتطرح المواضيع ذات الأولوية فقط.
وهناك قضية العملانية. أحياناً يُصادق على قانون يكون من الواضح أنه غير عملي؛ أي إنَّ العمل التخصصي والخبروي لا يدلُّ على أن هذا القانون إذا تمّت المصادقة عليه فسوف يمكن تطبيقه وتحقيقه عملياً. فليترك هذا الشيء.
أو يكون في بعض الأحيان بخلاف مصالح البلاد وهذا بحسب القاعدة، لا يحصل في مجلس الشورى عن عمد. وأودّ أن أشير هنا إلى المعاهدات والاتفاقيات الدولية. لاحظوا أنَّ هذه المعاهدات الدولية والتي تسمى بالمفردة الأجنبية كنوانسيون (7)، تطبخ [تعدُّ] في الأساس في مكان لا تأثير إطلاقاً لأطراف القضية فيه، من باب المثال تلك الـ 100 بلد أو 150 بلداً الذين ينضمون لها لاحقاً، هؤلاء لا تأثير لهم إطلاقاً في هذه الطبخة. ثمة مكان تجتمع فيه عدة قوى كبرى على شكل هيئات فكرية ـ وعلى حد تعبيرهم غرف عمليات ـ فيطبخون شيئاً لأجل مصالحهم، ثم يُصادق عليه من قبل حكومات حليفة لهم أو خائفة منهم أو تابعة لهم وليست لها مصالح كبيرة في هذه العملية. وإذا ما وُجدت حكومة مستقلة ـ كالجمهورية الإسلامية الآن ـ تقول مثلاً «لا أوافق على هذا الشيء، لا أوافق على هذه الاتفاقية، لا أوافق على هذه المعاهدة الدولية»، فيتكالبون عليها ويصرخون «يا أخي، لقد وافق على هذه الاتّفاقيّة 120 بلداً أو 150 بلداً أو 200 بلد فكيف لا توافقون أنتم عليها؟» هكذا هي المعاهدات غالباً.
قد يقال وما نفعل الآن؟ وفي بعض هذه المعاهدات والاتّفاقيّات الدولية مواد مفيدة. لا بأس، ليس هناك مشكلة. وقد قلت فيما يتعلق بهذه الأمور التي طرحت مؤخراً في مجلس الشورى في الأشهر الأخيرة، ليضع المجلس قانوناً بشكل مستقل. لنفترض مثلاً موضوع الحرب ضد الإرهاب أو مكافحة غسيل الأموال. لا بأس، فمجلس الشورى الإسلامي مجلسٌ رشيد وعاقل وناضج وله رصيده المهني الجيد جداً، فليجتمعوا وليسنّوا قانوناً. وهذا القانون؛ قانون مكافحة غسيل الأموال، لا إشكال فيه إطلاقاً، كما لا يتضمّن شروطاً كثيرة، وتتدرج في هذا القانون الأشياء التي تريدون أنتم القيام بها. هذا هو المهم. لا ضرورة أبداً لأن نقبل بأشياء لا نعلم عواقبها، بل حتى نعلم بأنّ فيها مشاكل، بسبب تلك الجوانب الإيجابيّة [الموجودة فيها].
حسنٌ، ينبغي للقانون أن يوضع بهدف حلِّ مشكلات الناس، وينبغي أن تُراعى فيه الأولويات الداخلية؛ ويجب أن يكون بالدرجة الأولى من أجل رفع مشكلات الناس المحرومين والطبقات الضعيفة. توجد في البلاد طبقات ضعيفة وهي إمّا متوسّطة الحال أو دون حدّ الوسط. وينبغي للقانون أن يركِّز أكثر على رفع مشكلات هؤلاء. بالطبع، القانون للجميع ويريد خير كل طبقات البلاد ـ ولا فرق في ذلك ـ لكن هذه هي الأولوية، لأن مشكلة الطبقات الضعيفة هي مشاكل الحياة الراهنة في البلاد، والقانون يرمي إلى معالجة هذه المشكلات. المهم، يجب أن لا يكون القانون وسيلة بيد أصحاب القوة والثراء، هذا هو المهم، يجب أن لا يكون أداة في أيديهم. أحياناً قد تضعون قانوناً مفاده لو أنّ شخصاً ـ على سبيل المثال ـ وضع سُلَّماً على جدار بيت شخص آخر وصعد وسطا عليه فإنَّ جزاءه سيكون كذا وكذا، ولا فرق على بيت من وضع السّلم [وعلى من تمّ السطو]، هل كان المسروق فقيراً أو غنياً؟ في شمال المدينة أم جنوبها؟ لا فرق في الأمر، الكل ينتفعون من هذا القانون. القانون للجميع، لكن ثمة أولويات في بعض المواطن. لا ينبغي السماح بأن يكون القانون في تصرف من يستغلّ الثراء والقوة.
يجب مراعاة الجوانب التخصصية بشدّة في إعداد القانون والمصادقة عليه. ومن حسن الحظ أنّ مركز بحوث مجلس الشورى مركز جيد. التقارير التي تردني من مركز البحوث هذا تنقل إليّ أخباراً جيدة. ثمة إمكانية هناك للأعمال التخصصية الجيدة متراكمة ومتمركزة، وينبغي الانتفاع من هذه الإمكانية إلى أقصى حد. بالإضافة إلى ذلك ـ حيث يشكّل هذا سنداً تخصّصيّاً قويّاً لمجلس الشورى يجب الاستفادة منه ـ ينبغي الانتفاع من الخبراء الموجودين خارج مجلس الشورى. تلاحظون أحياناً أنّ شخصاً عمل على قضية معينة وفي مجال تخصصي معين، وبحث وفكّر فيه لسنين، فإذا استشرتموه في هذا المجال التخصصي، قد يفتح أحياناً بكلمة واحدة أو بسطر واحد فتحاً كبيراً. هكذا هو الأمر. هكذا هي مساعدات النخبة في بعض الأحيان، بحيث يكون اقتراح صغير منهم سبباً في فتح ونجاح كبير.
قلنا يجب أن يصب القانون باتجاه حلِّ المشكلات الحقيقية. لاحظت أنَّ بعض القوانين المتعلقة بالأسرة التي تُطرح في مجلس الشورى وتناقش أو يصادق عليها، يشعر المرء أنها متأثرة بالأعراف الغربية. هذا ما ينبغي اجتنابه. الغربيون لا يهتمون للأسرة على الإطلاق، لا [أقول] إنهم لا يريدون، إنما الظروف ونمط الحياة الغربي يتعارضان مع الأسرة بالمعنى الحقيقي للكلمة. وهذا ما يعترفون به أنفسهم ويعانون منه منذ سنين. ويريدون الآن علاج هذه المشكلة فلا يستطيعون؛ أي إن أساس الأسرة ومؤسسة الأسرة في الغرب قد تزعزع بشدة. فنأتي الآن ونأخذ بالأشياء الموجودة في أعرافهم حول المرأة والشباب والأبناء والآباء والأمهات وما شاكل ونفسح لها طريقاً في قضايا الأسرة! لا، هذا ليس مطروحاً. يجب أن نسنَّ للأسرة قانوناً يحلُّ مشكلات الأسر بالمعنى الحقيقي للكلمة ـ إذا كانت هناك مشكلات فهو يحلُّ هذه المشكلات ـ ولا يكون متأثراً بتلك المنطقة.
ونقطة مهمة أخرى هي أنَّ القانون من أجل حلِّ المعضلات الاقتصادية. كما أشاروا فقد انعقدت جلسة شارك فيها رؤساء السلطات وممثّلون عن السلطات الثلاث من أجل التصدّي لهذه المشكلات الاقتصادية بشكل جدي، واتخاذ القرارات بشأنها، وفتح الطرق. ومن المهم [والضروري] جداً أن تنعقد هذه الجلسة الآن. وعلى مجلس الشورى أن يقوم بحركة جدية في هذا الاتجاه. تقع اليوم، المعضلات الاقتصادية في البلاد في الأولوية، وينبغي حلُّ هذه المعضلات بالمعنى الحقيقي للكلمة. والعدو يريد استغلال نقطة الضعف هذه، فلا ينبغي السماح له القيام بذلك.
نقطة أخرى هي قضية تحديث القوانين. بعض القوانين انتهى منطقها [وصلاحيتها]، وهذه هي قضية تنقيح القوانين التي سبق أن أشرت إليها مراراً. نعم، قد تكون تمت المصادقة على قانون ما قبل سنين في الجمهورية الإسلامية أو قبل الجمهورية الإسلامية؛ إنه قانون، لكن [بما أنّه] لا منطق لهذا القانون الآن، فألغوه؛ أي إنَّ مجلس الشورى الإسلامي يستطيع القيام بهذا العمل ولا يمكن لأي جهاز آخر القيام به. فالقانون الذي لا منطق له وقد انتهت فلسفته ومبرراته يجب تركه. [كما إنّ] بعض القوانين تؤدي إلى تعارضات وإشكالات وعُقد في أداء الأعمال وما إلى ذلك. تابعوا قضية تنقيح القوانين هذه بالمعنى الواقعي للكلمة. بعض القوانين تثير المشاكل فيجب إلغاؤها. سمعت وقلت في ذلك اليوم خلال كلمة لي، إنَّ وزارة الاقتصاد تعمل على إلغاء بعض المقررات التي تحول دون تحسُّن أوضاع العمل والتجارة والكسب في البلاد (8). هذا عملٌ حسنٌ جداً. بعض الأعمال يمكن للمسؤول الحكومي القيام بها، لكن هناك بعض الأعمال لا يمكنه النهوض بها، ولا يمكن إلا لمجلس الشورى القيام بها. هذه أيضاً ملاحظة.
وقضية أخرى هي قضية تطبيق القوانين. قال رئيس مجلس الشورى المحترم قبل مدة إن القانون الفلاني لم يطبق في الجهاز الفلاني منذ سنتين. سؤالي هو: حسنٌ، وماذا فعلتم أنتم في مجلس الشورى طوال هاتين السنتين؟ إذا لم يكن قد طبقه فيجب عليكم أنتم المتابعة. لماذا لم يطبق؟ إنكم تنفقون كل هذا الوقت والعمر والمال والإمكانيات وما إلى ذلك من أجل المصادقة على هذا القانون، ويصادق على هذا القانون بعد كل هذه المقدمات فلا يطبقه ذلك المسؤول! حسنٌ، ينبغي معالجة القضية بشكل من الأشكال. قيل إنهم أحالوا بعض حالات عدم التطبيق هذه إلى السلطة القضائية، وقالوا هم [السلطة القضائيّة] أيضاً إنَّ هذه ليست من ضمن عناوين الإجرام، حسنٌ، إذا أردتم أن تكون [هذه] من ضمن عناوين الإجرام فمن يجب أن يقوم بذلك؟ مجلس الشورى نفسه يجب أن يقوم بذلك (9). لا، ليس هذا من مهمة السلطة القضائية. السلطة القضائية يجب أن تتابع عناوين الإجرام، ولكن من بوسعه أن يقول إنَّ هذا من ضمن عناوين الإجرام؟ هو مجلس الشورى الإسلامي. على مجلس الشورى أن يقوم بهذه العملية. أنتم قولوا إنَّ هذه المخالفة إذا حصلت بهذا الشكل فهذه جريمة وهذا هو عقابها، ومن ثم عمّموا هذا [القانون] ليستطيعوا العمل به؛ أي إنَّ هذا العمل عمل المجلس نفسه. وعليه فقضية متابعة القوانين برأينا، قضية على جانب كبير من الأهمية ويجب أن تتم وتنجز.
ونقطة أخرى يمكن ذكرها للإخوة والأخوات النواب الأعزاء هي قضية سلوك النواب. أرى أنَّ الكلمة العامة والشاملة والجامعة التي يمكن طرحها في هذا المجال هي كلمة «النزعة الثورية». ينبغي لسلوك نواب مجلس الشورى أن يكون سلوكاً ثورياً. والتعامل يجب أن يكون تعاملاً ثورياً. إنكم في القَسَم الذي أقسمتموه، أقسمتم أن تحافظوا على الثورة ونتائجها وإنجازاتها وإنجازات نظام الجمهورية الإسلامية. فكيف يمكن ذلك؟ لا يمكن الحفاظ عليها من دون أن تكونوا ثوريين. السلوك يجب أن يكون سلوكاً ثورياً، وليس السلوك الثوري بمعنى السلوك غير الحكيم، بل هو بمعنى السلوك العقلاني والحكيم والجهادي، هو الحركة الجهادية. ما نوصي به المدراء دوماً بـ "الإدارة الجهادية"، يعني في خصوص مجلس الشورى السلوك الجهادي، والكلام الجهادي، والخطوات الجهادية، والنزعة الثورية. ينبغي للروح الإيمانية والدوافع الثورية أن تكون حاكمة على كل أعمال النائب المحترم في مجلس الشورى. إنّ حراسة منجزات الثورة وركائز النظام الإسلامي من جملة بنود قسم نيابتكم، وإذا لم يحصل هذا الشيء سيكون في تواجد النائب [في المجلس] إشكال من الناحية القانونية وأيضاً من الناحية الشرعية. إذا لم تراع مكتسبات الثورة ولم يجرِ الاهتمام لمنجزات النظام الإسلامي، فسيكون في ذلك إشكال سواء من حيث دستور البلاد ومن الناحية الشرعية.
وقضية أخرى قلتها مراراً للنواب المحترمين في اللقاءات وأقولها لكم هي قضية التواجد في اللجان وتحت قبة المجلس في الموعد المحدّد. فالتقارير التي تردنا في هذا الخصوص ليست مريحة جداً. أحياناً يُقال إن إمكانية التصويت في اللجان غير متاحة أحياناً بسبب عدم وصول عدد النواب الحاضرين إلى النصاب المطلوب. على كل نائب أن يرى أنّ من واجبه التواجد في المجلس وفي جلسات اللجان طوال الساعات والدقائق اللازمة.
ونقطة مهمة أخرى لا تتعلق بكم وحدكم فقط بل هي قضية البلاد كلها، وهي قضية النزعة الارستقراطية. إنّ بلاء النزعة الأرستقراطية بلاء كبير. جاؤوني بصورة مبنى شُيد في منطقة ما بمال بيت المال، فتعجبت واقعاً، كيف يجرؤوا، وكيف طوّعت يد أحدهم ونفسه له بأن ينفق من بيت المال على مثل هذا الشيء. إنّ النزعة الارستقراطية إذا ما شاعت وصارت جزءاً من نمط حياتنا فلن تكون هناك نهاية لآثارها وتبعاتها وحالات التساقط التي ستؤدي لها. إنها مشكلة كبيرة وتعقد الأمور والأعمال بشكل كبير. ويجب أن تأخذوا هذه القضية بعين الاعتبار.
هناك مسألة أخرى هي مسألة الأسفار الخارجية. ليراع الإخوة والأخوات الأصدقاء الأعزاء قضية الأسفار الخارجية قدر الإمكان، بأن تكون الأسفار الخارجية في حدود الضرورة والحاجة. يجب عدم التصرف في هذا الخصوص بطريقة تبذيرية.
تحدثنا قبل سنوات عن موضوع الإشراف على النواب (10) وأبدى نواب المجلس همَّة وتشكّلت مجموعة إشراف على سلوك النواب، فيجب تعزيزها وتقويتها، أي يجب أن تفعلوا ما من شأنه أن يكون هناك إشراف بالمعنى الحقيقي للكلمة. وأعتقد أن هذا أهم من إشرافكم على الحكومة وعلى سلوك الآخرين الذين تتحملون مسؤوليته. هذا إشراف على النفس وإشراف على الذات، وإشراف على سلامة مجلس الشورى.
ما أشعر به هو أنَّ مجلس الشورى الإسلامي وهو ركن أساسي من أركان النظام الإسلامي، قد سار إلى الآن بشكل جيد وتقدم إلى الأمام والحمد لله، فعززوا هذه المسيرة نحو أهداف الثورة ما استطعتم. البلد اليوم بحاجة لاستحكام البنية الداخلية للشعب و[استحكام] أركان النظام الإسلامي. لاحظوا من هم أعداؤكم وبأية روح يتحركون ويعملون، وبأي خُبثٍ يقفون بوجه الشعب الإيراني، وليس فقط بوجه الشعب الإيراني، بل هذه هي ذاتهم وطبيعتهم. إنَّ قضية فصل عدة آلاف من الأطفال عن أمهاتهم في أميركا اليوم ليست بالقضية الصغيرة. إنها قضية كبيرة جداً. لا يُطيق الإنسان أن يسمع بكاء هؤلاء الأطفال في التلفاز، فكيف هم مستعدون من أجل سياسة معينة ولأجل تنفيذ شيء ما أن يقوموا بمثل هذا العمل الخاطئ والإجرامي بأن يفصلوا عدة آلاف من الأطفال عن أمهاتهم. هكذا هم. هؤلاء هم أنفسهم الذين يأتون مع عدة حكومات كبيرة وذات تسليح متطور عبر البحر ليقفوا بوجه الشعب اليمني من أجل أن ينتزعوا منهم هذا الميناء الذي هو مجرى تنفس الشعب اليمني المظلوم. يقتلون الناس بلا أي تردد. ليسوا سيئين مع الجمهورية الإسلامية فقط، بل هم بذاتهم أناسٌ ظالمون وهم أنظمة سلطات ظالمة. نعم، إنهم يعارضون الجمهورية الإسلامية بشدة لأنها تنادي بالعدالة وتنادي بالإسلام وتنادي بالدفاع عن المظلوم، ويمارسون هذه العراقيل. يجب الوقوف بوجههم، ويجب الحفاظ على القوّة، والاطمئنان بأنَّ الشعب الإيراني سينتصر على أميركا وأعدائه بتوفيق من الله وبحرمة الله وجلاله وعزته.
إنهم شمور [جمع شمر] العصر بالمعنى الحقيقي للكلمة، وهم بالمعنى الحقيقي للكلمة مصداق لمن يقول القرآن عنهم «إنَّهُم لا أَيمـانَ لَهُم» (11)، لا يمكن الوثوق بأي عهد من عهودهم وميثاق من مواثيقهم ـ ونحن نشاهد ذلك بأمّ أعيننا ـ إنهم ابتزازيون ومتعسفون ويتوسّلون منطق القوة بالمعنى الواقعي للكلمة، ومن البديهي أن لا يخضع الشعب الإيراني ونظام الجمهورية الإسلامية ومسؤولو النظام المحترمون لأي مبتزّ ولأي قوة ظالمة.
حفظكم الله ووفقكم لأداء الواجب إن شاء الله. اذهبوا وافعلوا ما من شأنه أن يبقيكم في رأس القائمة إن شاء الله.
والسّلام عليكم و رحمة الله وبركاته.
1- بدأ هذا اللقاء بكلمة ألقاها رئيس مجلس الشورى الإسلامي الدكتور علي لاريجاني
2- بيت شعري للشاعرة الإيرانية المعاصرة برفين اعتصامي.
3- صحيفة الإمام الخميني، ج 12، ص 343، كلمة للإمام الخميني في نواب مجلس الشورى الإسلامي بتاريخ 25/05/1980 م.
4- كتاب قانون المغول.
5- مصرع شعري للشاعر الإيراني المعاصر محمّد تقي بهار من «منظومه تشهار خطابه».
6- الإعلان الرسمي لاستقلال الولايات المتحدة الأميركية عن بريطانيا.
7- کنوانسیون أو كنفانسيون كلمة ذات أصل فرنسي بمعنى معاهدة واتفاقية دولية.
8- خطبتا صلاة عيد الفطر السعيد بتاريخ 15/06/2018 م.
9- قال أحد الحضور هنا: [فلتتابع] السلطة القضائية.
10- كلمة الإمام الخامنئي لدى لقائه رئيس ونواب مجلس الشورى الإسلامي بتاريخ 13/06/2012 م.
11- سورة التوبة، شطر من الآية 12.




























