Super User
يوم تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران (1/ نيسان/ 1979م = 12/ فروردين/ 1358 هـ. ش)
في هذا اليوم من عام 1979م، صوّت الشعب الإيراني بأغلبية 98.2% لصالح الجمهورية الإسلامية في أحد أكثر الانتخابات نزاهة وحرية وديمقراطية في تاريخ إيران، وعلى أثر هذا تمّ إقرار الدستور بنفس الطريقة، كما جرى انتخاب نواب مجلس الشورى الإسلامي، وقد جاء هذا الحدث بعد سلسلة من الأحداث التاريخية التي جرت في نفس العام بدأت في (8/شباط/1979م) عندما بايع أفراد القوة الجوية الإمام الخميني(قدس سره) في مكان إقامته (المدرسة العلوية في طهران)، وصار جيش الشاه على أبواب السقوط الكامل. إضافة إلى ذلك قام الكثير من جنود وضباط الجيش المؤمنين استناداً لفتوى الإمام الخميني(قدس سره) بترك معسكراتهم والالتحاق بصفوف الشعب الأبيّ.
وفي يوم (20 بهمن = 9 شباط) انتفض أفراد القوة الجوية في أهم قاعدة جوية في طهران، فتوجهت قوات حرس الشاه المخلوع لقمعهم، فنزل الشعب إلى الميدان لحماية هذه القوات الثورية.
وفي (21 بهمن = 10 شباط) سقطت مراكز الشرطة والمراكز الحكومية بيد الشعب، وبهذا النحو تحطمت آخر مقاومة لنظام الشاه، وفي صباح (22 بهمن = 11 شباط) طلعت شمس انتصار ثورة الإمام الخميني(قدس سره) الإسلامية، ونهاية عهد سلطة الملوك الظالمة الجائرة في إيران.
ويعتبر ذلك الحدث من أهم التحولات التي شهدتها الساحة الإيرانية، بعد انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني(قدس سره) ، الذي أعطى نموذجاً رائعاً للقيادة، عندما منح الشعب الفرصة ليبدي رأيه بحرية في نوع النظام الذي يختاره، مع أن الشعب قد أعطى رأيه للجمهورية الإسلامية في مسيرة عاشوراء وتاسوعاء كما نصّ عليه الإمام (قدس سره) وإنما عمد الإمام للاستفتاء من قبل الشعب كتباً كي يبقى سنداً وحجة على الشعب وعلى الآخرين، وهذا يكشف عن الفكر الديمقراطي الحقيقي.
وتأتي أهمية هذا الحدث، من خلال إجراء هذا الاستفتاء النزيه ولم يكن قد مضى على انتصار الثورة إلا حوالي شهرين، في حين تمر الثورات الأخرى بفترات نقاهة اجتماعية قد تصل إلى عشرات من السنين دون أن تجد في نفسها القدرة على استفتاء شعوبها، لكي تختار الطريق الأسلم، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على توق الشعب الإيراني إلى إقامة نظام إسلامي على أرضه يعطي للأمة دورها الحقيقي في البناء والتطوير، مما شكل ضربةً قوية في وجه القوى الاستكبارية.
وقد كان الشعب الإيراني حاسماً في اختياره حيث قطع الطريق على كل الطروحات التوفيقية الأخرى، ومن الطريف أن بعض العناصر الليبرالية توسل إلى الإمام (قدس سره) كي يضيف كلمة (الديمقراطية) مثلاً ليصار التصويت على (الجمهورية الديمقراطية الإسلامية) إلا أن الإمام رفضها بحسم قائلاً بكل حزم: «الجمهورية الإسلامية الإيرانية.. لا كلمة تزيد ولا تنقص..»، وقد سار الشعب الإيراني المسلم كله خلف خيار (الجمهورية الإسلامية) الذي تبناه الإمام الراحل(قدس سره).
معالم الحكومة الإسلامية:
أثبتت الأيام صحة وصواب الخيار الشعبي على الإسلام الحقيقي كنظام يقود البلاد، إذ تحولت الجمهورية الإسلامية إلى قلعة من قلاع الإسلام الحر والأصيل، تقف في وجه كل المؤامرات الاستكبارية، وتدعم كل القوى الخيرة التي تتوق للعدالة والحرية والاستقلال.
وما ذلك كله إلا بفضل الفهم العميق للإمام الراحل(قدس سره) لمعالم الحكومة في تعاليم الإسلام المحمدي الأصيل الذي وضع الدستور للجمهورية الإسلامية على أساس تلك المعالم.
ولاية الفقيه أو الحكومة الإسلامية:
وضّح الإمام الراحل(قدس سره) في كتابه (الحكومة الإسلامية)، نظرة الإسلام المحمدي الأصيل بالنسبة إلى الحكم، وهذا الكتاب عبارة عن مجموعة محاضرات ألقاها الإمام (قدس سره) في الفترة ما بين 13 ذي القعدة إلى 2 ذي الحجة سنة 1389هـ، أيام إقامته في النجف الأشرف، ووزعت في تلك الأيام بأشكال مختلفة، كمجموعة كاملة أو على نحو دروس منفصلة. وفي خريف سنة 1970م طبعت من قبل أنصار الإمام في بيروت بعد مراجعتها من قبله وإعدادها للطبع، ومن ثم أرسلت إلى إيران بشكل سري كما أرسلت إلى عدد من المناطق الأخرى.
وكان كتاب الإمام (قدس سره) كسائر آثاره على رأس لائحة الكتب الممنوعة في نظام الشاه، ومع ذلك انتشر بطريقة مذهلة.
وميزة هذا الكتاب أنه (قدس سره) تطرّق إلى مسألة الولاية بكثير من الاهتمام والتركيز وخصوصاً في مجال الحكومة وجوانبها السياسية، حيث يشير كذلك إلى مخططات الأعداء التي تنفذ من أجل القضاء على الإسلام. ويرد على الشبهات المثارة حول عدم قدرة الإسلام على إدارة المجتمع والدولة في العصر الحديث، وذلك بأسلوب استدلالي علمي معمق.
كما عرّف الإمام (قدس سره) بشكل دقيق معالم الحكومة الإسلامية الحقيقية، ومواضع الافتراق بينها وبين سائر أشكال الحكم.
وقام (قدس سره) بإثبات ولاية الفقيه بمعنى التصدي للحكومة من خلال الإتيان بالروايات والاستدلال بها.
وعرض (قدس سره) رؤاه حول تطوير الحوزات وإصلاحها والنهوض بالتعليم والتوجيه وإزالة آثار الاستعمار كلها.
وقد وفّق الإمام الراحل(قدس سره) للتطبيق العملي لنظريته حول ولاية الفقيه والحكومة الإسلامية من خلال قيامه بالثورة الإسلامية وتولّيه قيادة المجتمع والدولة في إيران الإسلام بعد انتصار الثورة، حيث أثبت كفاءة نادرة في هذا المجال وقدرةً بارعةً في الإدارة، وفق تعاليم الإسلام المحمدي الأصيل والسير في ضوء الولاية، وقد استمرّ خليفته بالحق الإمام الخامنئي (دام ظله) في هذا الفكر والنهج من خلال قيادته للجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد رحيل الإمام الخميني(قدس سره).
أحاديث في السياسة والحكومة:
1- حسن السياسة (الإدارة):
قال الإمام علي(ع) : «حسن السياسة يستديم الرئاسة»([1]).
وعنه (ع) : «رأس السياسة استعمال الرفق»([2]).
2- العدالة: قال الإمام علي(ع) : «ملاك السياسة العدل»([3]).
وعنه (ع) : «ثبات الدول بإقامة سنن العدل»([4]).
3- حسن التعامل مع الناس (الشعب):
قال الإمام علي(ع) : «من سما إلى الرياسة صبـر على مضض السياسة»([5]).
وعنه (ع) : «من كثر جميله أجمع الناس على تفضيله»([6]).
4- ممارسة الرقابة على حسن أداء الحكومة:
قال الإمام علي(ع) : «من دلائل الدولة قلة الغفلة»([7]).
5- حسن الاختيار:
قال رسول الله(ص): «من استعمل رجلاً من عصابة، وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين»([8]).
ولادة الإمام علي بن أبي طالب(ع) ( 13 / رجب / السنة 23 قبل الهجرة)
قال يزيد بن قعنب: كنت جالساً مع العباس بن عبد المطلب وفريق من عبد العزّى بإزاء بيت الله الحرام، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أمّ أمير المؤمنين (ع) وكانت حاملة به لتسعة أشهر، وقد أخذها الطلق، فقالت: «رب إني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإني مصدقة بكلام جدي إبراهيم الخليل، وإنه بنى البيت العتيق، فبحق الذي بنى هذا البيت، وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت عليّ ولادتي».
قال يزيد بن قعنب، فرأينا البيت وقد انفتح من ظهره، ودخلت فاطمة فيه وغابت عن أبصارنا، والتزق الحائط، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا أن ذلك أمر من أمر الله عز وجل.
ثم خرجت بعد الرابع، وبيدها أمير المؤمنين (ع)، ثم قالت: ... فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف، يا فاطمة سميه علياً..([1]).
وقد ولد بمكة في البيت الحرام يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب سنة ثلاثين من عام الفيل، (23 عاماً قبل الهجرة)([2]).
الطفولة وإحضان النبي(ص)
عاش الإمام علي (ع) منذ نعومة أظفاره في كنف محمد رسول الله (ص) حيث نشأ وترعرع في ظل أخلاقه السماوية السامية، ونهل من ينابيع مودته وحنانه، ورباه (ص) وفقاً لما علمه ربه تعالى، ولم يفارقه منذ ذلك التاريخ.
وقد أشار الإمام علي (ع) إلى أبعاد التربية التي حظي بها من لدن أستاذه ومربيه النبي الأكرم (ص) ومداها وعمق أثرها، وذلك في خطبته المعروفة بالقاصعة:
«... وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ الله (ص) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَلاَ خَطْلَةً فِي فِعْلٍ وَلَقَدْ قَرَنَ الله بِهِ (ص) مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلاَقِهِ عَلَماً وَيَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَلاَ يَرَاهُ غَيْرِي وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ الله (ص) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ (ص) فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى مَا أَرَى إِلاَ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ..»([3]).
قدوم الإمام علي بن أبي طالب (ع) إلى الكوفة واتخاذها مقراً لخلافته (12 / رجب/ السنة 36 هـ)
بعد أن أنهى أمير المؤمنين علي(ع) حرب الجمل، وهدأت الأوضاع في البصرة تحرّك(ع) نحو الكوفة ليتخذها مقرّاً له بعد أن بعث برسالة أوضح لأهل الكوفة فيها تفاصيل الأحداث([1]).
وكان لاختيار الإمام (ع) الكوفة عاصمةً جديدةً للدولة الإسلامية أسباباً عديدة منها:
1- توسّع رقعة العالم الإسلامي، ولابد أن تكون العاصمة الإدارية والسياسية للدولة في موقع يُعين الحكومة في التحرك نحو جميع نقاط العالم، وموقع الكوفة استراتيجي إلى حد كبير بالنسبة إلى هذه الجهة.
2- تقع الكوفة في تماس مع ولاية الشام التي يتحصّن فيها معاوية بن أبي سفيان معلناً التمرّد دون باقي أقطار العالم الإسلامي، فيكون وجود الإمام (ع) في الكوفة ضرورياً لقمع تمرد الشام، وللتهيئة السريعة أمام أي اعتداءٍ محتمل من قبل الشام.
3- إن الثقل الأكبر الذي وقف مع الإمام (ع) في القضاء على فتنة أصحاب الجمل هم كبار شخصيات العراق ووجهاء الكوفة وجماهيرها، فكان (ع) يرى فيهم مادةً صالحة لمجتمع إسلامي سليم وقويّ بإمكانه أن يربيهم لينطلق بهم إلى العالم أجمع.
4- إن الظروف السياسية المتوتّرة والناجمة عن مقتل عثمان، وحرب أصحاب الجمل جعلت الإمام يستقر في الكوفة ليعيد الأمن والاستقرار للمنطقة التي يحكمها، وخاصة العراق ويمنع من حدوث انشقاقات محتملة في المجتمع الإسلامي بشكل عام.
وبمناسبة قدوم أمير المؤمنين (ع) إلى الكوفة نتعرض إلى معطيات حكومته العادلة.
معطيات حكومة الإمام علي(ع)
سيرة الإمام علي(ع) متعدّدة الأبعاد والجوانب، فمن العسير بمكان الإلمام بها جميعاً غير أننا اخترنا جانباً مهماً، وبعداً عميقاً في شخصيته المباركة ألا وهو معطيات حكومته التي أسسها على أنقاض من سبقه، حيث أنّ الاضطرابات السياسية والاقتصادية عصفت بالمسلمين إلى أن ثاروا على ولاتهم، وبعدها اتجه الناس بكلهم نحو الإمام علي(ع) ، يطالبون إستخلافه ويصرّون على مبايعته إلا أنّ علياً(ع) كان يرفض لما أيقن - نتيجة لابتعاد الناس و انفصالهم الكبير عن خط الإسلام الحقيقي الأصيل بأنه من الصعب جداً ممارسته الحكم بعد ذلك الفساد والانحراف الكبيرين اللذين عصفا بالأمة الإسلامية، وقد لا يحتمل الناس وخاصة كبار القوم تعديلاته وإصلاحاته التي يرمي إليها، ولا يطيقون عدالته، ولهذا رفض الخلافة عندما عرضت عليه.
عاش الناس مدة خمسة أيام بعد مقتل عثمان فوضى عارمة، وضياعاً كبيراً كان خلالها الناس يراجعون الإمام أفواجا تلو أفواجاً، والإمام يبعد الخلافة عن نفسه، إذ يرى الظروف غير مناسبة لقبولها، وأنّ الحجة لم تتم عليه بهذا الاقتراح، فقال لهم: «دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغمت والحجة قد تنكرت، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإنّ تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً»([2]).
غير أنّ الناس ترابضوا على داره وتكاثروا على مراجعته، وقد وصف(ع) شغف الناس وإقبالهم وإصرارهم عندما طالبوه بالبيعة في مواضع عديدة من النهج منها: «فتداكوا عليّ تداك الإبل الهيم يوم وردها، وقد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها حتى ظننت أنهم قاتلي، أو بعضهم قاتل بعض ولدي، وقد قلّبت هذا الأمر بطنه وظهره حتى منعني النوم»([3]).
وقال (ع) : «فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إليّ، ينثالون عليّ من كلّ جانب حتى لقد وطىء الحسنان، وشقّ عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم»([4]).
ولولا أن تمّت الحجة على الإمام علي(ع) لما قبلها، فقد قال (ع) :
«أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز»([5]).
هذا الحكم الذي مارسه علي(ع) على الرغم من قصر عمره إلا أنه كان نموذجاً كاملاً للحكومة الإسلامية التي أشاد صرحها النبي )ص) في المدينة، وعلى الرغم من أنه (ع) لم يصل إلى كافة أهدافه الاصلاحية التي نادى بها، نتيجة المؤامرات الداخلية التي حيكت ضده إلا أنه استطاع بدون شك أن يطرح نموذجاً ناجحاً للحكومة، وفق تعاليم الإسلام ومعاييره.
وفيما يلي لمحة سريعة للخطوط العريضة والمعطيات العامة لسيرته (ع) في الحكم:
1- من خلال أقواله الكثيرة في (نهج البلاغة) يؤكد الإمام علي(ع) أنّ قبوله للخلافة فقط لأجل إجراء العدالة الاجتماعية في المجتمع، ومكافحة الفوارق الطبقية التي تجذّرت في نفوس الناس، نتيجة للحكم السابق، فقد قال (ع) :
«أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا.. ما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها»([6]).
وقال (ع) عندما رد على المسلمين قطائع عثمان: «والله لو وجدته قد تزوّج به النساء وملك به الإماء لرددته، فإنّ في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق»([7]).
2- يرى أمير المؤمنين(ع) أنّ الحكم والمنصب ليس إلا وسيلة يستخدمها الحاكم لخدمة الناس و إحقاق الحق، ودحض الباطل لا أنه غاية لدرّ الأرباح، وقد إلتزم الإمام بهذه الرؤية إلى أبعد الحدود حتى نراه يجتنب عن إعطاء المهام الحساسة كالولاية وبيت المال إلى المتعطّشين للسلطة كطلحة والزبير، ولهذا السبب فقد أجّجوا نائرة الفتن، ورفعوا لواء العصيان ضد الإمام (ع) ، وقال (ع) لما عاتبه البعض على التسوية بين المسلمين: «أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟! والله ما أَطُورُ به ما سَمَرَ سمير وما أمّ نجم في السماء نجماً، ولو كان المال لي لسوّيت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله»([8]).
وقال (ع): «اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الاصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك»([9]).
3- كانت لأمير المؤمنيين(ع) رؤيا عميقة في زهادة الحاكم وعيشة البساطة والعزوف عن الدنيا ذلك كي لا يؤثر هوى على هداية، وباطلاً على حق، ولا تغرّه الدنيا فيقضم مال الله، ويجعله دولاً ويتخذ من عباد الله خولاً.
لقد كان عزوفه عن الدنيا وزخارفها من أبرز خصائصه الذاتية، وسيرته الحكومية فقد كتب إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف، وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها، فقال له:
«ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ثوبين خرقين، ومن طعامه بقرصيه، …. فو الله ما كنزت من دنياكم تبـراً، ولا ادخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً - أي ثوباً آخر-، ولا حزت من أرضها شبـراً، ولا أخذت منه إلا كقوت أتان دبرةٍ، ولهي في عيني أوهى من عفصة مِقرَة … ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع، أوَ أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى، وأكباد حرى، أو أكون كما قال القائل:
|
وحسبك داء أن تبيت ببطنة |
|
وحولك أكباد تحنُّ إلى القدِّ |
أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش»([10]).
4- لم يكن أمير المؤمنين على منوال الزعماء والرؤساء حيث عندهم الغاية تبرر الوسيلة، إذ لم يتوصل إلى أهدافه الإلهية النبيلة بوسائل غير شرعية، ولهذا لم يقرّ معاوية من اليوم الأول لخلافته على ولاية الشام، على الرغم من أنّ البعض اقترح عليه إقراره إلى حين، ثم عزله في وقت أمكن لعلي عزله إلا أنّ علياً(ع) لم يكن ليداهن الباطل على الحق، ولا يتوسّل به عليه، وقد كتب إلى معاوية بعد ما طلب الأخير إبقاءه على الشام، قال (ع) :
«.. وحاشى لله أن تلي للمسلمين بعدي صدراً أو ورداً، أو أجري لك على أحد منهم عقداً أو عهداً»([11]).
5- كان (ع) يراعي الأصول والضّوابط في تعامله مع أعدائه ومخالفيه، دون أن يصادر حرياتهم، إلا إذا فعلوا ما يستوجب ذلك، ففي الأشهر الأولى من خلافته همّ طلحة والزبير بالخروج، من المدينة، بعد أن يئسا منه في الحصول على الولاية، وأقبلا على الإمام، وقالا: إنا نريد العمرة. فأذن لهما بالخروج فقال (ع) لبعض أصحابه: «والله ما أرادا العمرة، ولكنهما أرادا الغدرة»([12]).
يعكس هذا النص التاريخي أنّ الإمام لم يصادر حريتهما قبل أن يرفعا لواء العصيان على الرغم من علمه بما يضمران له.
وأيضاً لمّا خالف الخوارج إمامهم وأميرهم(ع) ، إثر جهلهم وعنادهم، وسوء فهمهم إعتزلوا معسكر الإمام (ع) حين رجوعهم من صفين، وأقاموا معسكراً في النهروان، فخاطبهم الإمام (ع) بعد أن كانت مخالفتهم سياسية، ولم تتعدى القيام بعمليات عسكرية بقوله:
«أما أنّ لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا، لا نمنعكم من مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا»([13]).
وبهذه الطريقة فقد سايرهم الإمام (ع) من منطلق القوة، إلى أن قاموا بنشر الرعب والخوف والإخلال بالأمن حينها اضطر الإمام إلى استعمال القوة بغية القضاء على فتنتهم.
6- على الرغم من أن الإمام (ع) كان ينصب عمالاً وولاةً صالحين وكفوئين، إلا أنه كان لا يحرمهم من نصائحه ومواعظه، على الرغم من انشغاله في الحوادث المتكاثرة عليه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً، كما كان له عيون على الولاة في مناطقهم ينقلون إليه كل مخالفة ولو جزئية للوالي فسرعان ما يبدأ بالتقريع والتوبيخ والتهديد في بعض الأحيان لقمعها ومعالجتها، راجع قسم الكتب في (نهج البلاغة) ترى ما كتبه لمالك الأشتر، ولمحمد بن أبي بكر، وعثمان بن حنيف، ولزياد بن أبيه، ولغيرهم.
هذه بعض معطيات خلافة الإمام علي(ع) التي ما عرف المسلمون بعد رسول (ص) مثلها أبداً وكانت جميع الثورات التي ثارت على الدولتين الأموية والعباسية للوصول إلى حكومة الإمام علي(ع) ، والى عدالته التي تذوّقها المسلمون فترة من الزمن، ثم غابت عنهم شمسها لتقصيرهم وجهلهم.
([3]) المصدر السابق: الخطبة: 54
ولادة الإمام محمد الجواد(ع) (10/ رجب / السنة 195 هـ)
شخصية الإمام الجواد(ع)
ولد الإمام الجواد في المدينة المنورة سنة (195هـ)، والمشهور بين المؤرخين أن ولادته في (19 رمضان)([1])، وذهب بعضهم إلى أنها في (رجب)([2])، وقد صرّحت بعض الأدعية بالأخير، فقد جاء: «اللهم إني أسألك بالمولودين في رجب محمد ابن علي الثاني، وابنه علي بن محمد المنتجب»([3]).
أبوه الإمام علي بن موسى الرضا(ع)، وأمه سبيكة، وكان اسمها درّة، وقد سمّاها الإمام الرضا بعد ذلك بـ(خيزران)([4])، وهي - على ما قيل - من آل مارية القبطية زوج النبي(ص)([5]).
وكانت امرأة فاضلة تمتعت بفضائل أخلاقية سامية، وكانت أفضل نساء عصرها([6])، حتى قال الإمام الرضا(ع) في حقها: «قُدست أمّ ولدته - أي الجواد - قد خلقت طاهرة مطهرة»([7]).
كانت ملامحه (ع) كملامح آبائه التي تحكي ملامح الأنبياء، فأسارير التقوى بادية على وجهه الكريم، وقد وصفته بعض المصادر بأنه كان أبيضاً معتدل القامة([8]).
يكنّى بأبي جعفر الثاني تمييزاً له عن جده الإمام الباقر الذي كان يكنّى بأبي جعفر أيضاً، ولقّب بالجواد، لكثرة ما أسداه من الخير والبر والإحسان إلى الناس، كما لُقِّب بالتقي، والمرتضى، والرضي، والمختار، والمتوكل، والزكي، وباب المراد، وقد عُرف بالأخير بين عامة المسلمين لقناعتهم بأنه باب من أبواب الرحمة الإلهية([9]).
تولّى منصب الإمامة بعد شهادة أبيه الرضا(ع)، وكان في الثامنة أو السابعة من عمره، وكان ذلك في سنة (203هـ)، وكانت ظاهرة الإمامة المبكرة لأهل البيت غير مألوفة للشيعة، فضلاً عن غيرهم فأوجبت إمامته بهذا السن المبكر اضطراباً بين بعض رجالات الشيعة، فأظهر الله المعجزات القاطعة، والبراهين الساطعة والحجج الباهرة، والبينات النيرة، مما قوي به موقف الفكر الإسلامي، فأجلّه وسلّم بفضله جميع من عرفه فضلاً عن شيعته ومحبيه.
وقد نقل الشيخ المفيد روايات كثيرة ومتواترة في النص من الإمام الرضا(ع) على إمامته، وبعد أن ذكر عدداً من رواة النص قال: «في جماعة كثيرة يطول بذكرهم الكتاب»([10]).
عاصر الجواد(ع) في تمام فترة إمامته خليفتين عباسيين، هما (المأمون 193-218هـ) و(المعتصم 218-227هـ)، وقد دامت إمامته (17 سنة).
استشهد(ع) في آخر ذي القعدة سنة (220هـ) ببغداد متأثراً بسم دسه إليه المعتصم على يد زوجته أم فضل، ودفن في مقابر قريش في بغداد إلى جانب قبر جده الإمام الكاظم(ع)([11]).
نشأة ظاهرة الإمامة المبكرة عند الشيعة:
كان الإمام الجواد(ع) أول إمام يبلغ الإمامة في طفولته، فمن الطبيعي أن يكون مثاراً للتساؤل والجدل بين صفوف الشيعة، وغيرهم من المسلمين، حيث كيف يمكن لحدث أن يتحمل مسؤولية ومهمة إمامة وقيادة المسلمين الحساسة والكبيرة؟! ويُشبع الساحة فكرياً وسياسياً ودينياً، فهل يمكن أن يبلغ إنسان وهو بذلك العمر إلى الكمال الذي يجعله خليفة رسول الله؟!
يتبين من خلال دراسة حياة الأئمة أنهم كانوا يواجهون هذا الأمر، ولا سيما في عهد الجواد(ع)، وكانوا يدحضون التشكيكات بما نصّ عليه القرآن الكريم من نبوة يحيى وهو صبي، قال تعالى: «يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا» ([12]).
ونبوة عيسى وهو في المهد، قال تعالى:« قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا» ([13]).
وفي هذا الصدد ننقل ثلاث روايات:
الرواية الأولى: عن علي بن أسباط قال: قدمت المدينة، وأنا أريد مصر، فدخلت على أبي جعفر محمد بن علي الرضا(ع)، وهو إذ ذاك خماسي، فجعلت أتأمّله لأصفه لأصحابنا بمصر، فنظر إليّ، وقال: يا علي إنّ الله أخذ في الإمامة كما أخذ في النبوة، فقال سبحانه في يوسف:« وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً» ([14]).
وقال عن يحيى:« وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا» ([15])([16]).
الرواية الثانية:يقول بعض أصحاب الإمام الرضا(ع): كنت واقفاً بين يدي أبي الحسن الرضا بخراسان، فقال له قائل: يا سيدي إن كان كون فإلى من؟ قال: إلى أبي جعفر ابني. فكأن القائل استصغر سن أبي جعفر(ع)، فقال أبو الحسن(ع): «إن الله تبارك وتعالى بعث عيسى بن مريم رسولاً نبياً صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السن الذي فيه أبو جعفر»([17]).
الرواية الثالثة: قال الإمام الرضا(ع)، لمعمر بن خلاد: Sهذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي: وصيّرته مكاني، إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابـرنا القذة بالقذةR([18]).
أدّى صغر سن الإمام الجواد(ع) إلى كثرة المناظرات والحوارات معه، وقد كان لبعضها صدى كبيراً جداً، لما كان يدحض فيها من الشبهات التي كانت تثار في ذلك الوقت مع الكثير من المعتزلة، وقد كان الكثير من الناس بما فيهم بعض الشيعة يطرحون عليه أسئلة معقّدة وغامضة ظناً منهم أنه لا يتمكن من الإجابة عليها، ولكنه (ع) كان يجيب عن آخرها، بل ويضيف بعض الشقوق ويكثر في تعميق التساؤلات وتعقيدها بحيث لا يتسطيع أن يدرك إجابتها جميع المناظرين، ثم يجيبهم عن بكرتها بجواب يشفي الغليل، ويبرد قلب الحبيب.
مناظرة يحيى بن أكثم
لما قدم المأمون بغداد أشخص الجواد(ع) إليها، واقترح عليه الزواج بابنته أمّ الفضل، وكان غرضه من هذا الزواج التخفيف من وطئة الظروف السياسية الحرجة التي سببها انكشاف قتلة الإمام الرضا(ع) عند العلويين، فثار غضبهم وانزعجوا من ذلك كثيراً، فلاحظ المأمون أنّ هناك خطراً آخر قد يهدد حكمه، وهو وجود الإمام الجواد وإلتفاف الشيعة حوله فعمد إلى تزويج الجواد من ابنته ليتقرب بنفسه إلى أهل البيت(عليهم السلام)، ويخمد ثائرة الثائرين من العلويين([19])، وتنقل له ابنته عن قرب جميع ما يجري على الساحة الشيعية. وعلى كل حال فقد واجه المأمون معارضة شديدة في ذلك من العباسيين حتى قالوا له: إن هذا الفتى - وإن راقك منه هديه - فإنه صبي لا معرفة له ولا فقه.
فقال المأمون: ويحكم إني أعرف بهذا الفتى منكم، وإنّ أهل هذا البيت علمهم من الله تعالى ومدده وإلهامه، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيّن لكم به ما وصفت لكم من حاله.
فاختار بنو العباس يحيى بن أكثم من بين جميع العلماء لشهرته العلمية، وقد جاء يحيى ومعه وفود العلماء فقال له يحيى: ما تقول في محرم قتل صيداً؟
فقال الإمام الجواد(ع): Sقتله في حلِّ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أو جاهلاً؟ قتله عمداً أو خطأً؟ حراً كان المحرم أو عبداً؟ صغيراً كان أو كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل أو معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ من صغار الصيد أم من كبارها؟ مصرّاً على ما فعل أو نادماً؟ في الليل كان قتله للصيد أم في النهار؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرماً؟R.
فتحيّر يحيى بن أكثم من كلّ هذه الفروع التي فرّعها الإمام على هذه المسألة، وبان في وجهه العجز والانقطاع ولجلج وتعتع في الكلام حتى عرف جميع أهل المجلس أمره.
فطلب المأمون من الجواد(ع) أن يجيب عن جميع هذه الشقوق، فأجاب عنها، فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي، ثم نظر إلى أهل بيته، فقال: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرون([20]).وله (ع) الكثير من هذه النماظرات فمن رام الاطلاع فليراجع([21]).
رجوع الإمام إلى المدينة
ثم إنّ أبا جعفر(ع) بعد أن أقام في بغداد هاجر إلى المدينة وسكن فيها مدة، كان خلالها المأمون يترصد تصرفاته وتحركاته من ابنته أم الفضل، ولما توفي المأمون وبويع لأخيه المعتصم لم يزل المعتصم متفكراً في أبي جعفر يخاف من اجتماع الناس حوله، ووثوبه على الخلافة، ولأجل ذلك مارس نفس السياسة التي مارسها أخوه المأمون، فاستقدم الإمام الجواد إلى بغداد سنة (220هـ)، وبقي فيها حتى دس إليه السم فقتله وعمره 25 سنة([22]).
([1]) أصول الكافي 1: 492، والإرشاد: 316.
([3]) مفاتيح الجنان: أدعية شهر رجب.
([5]) أصول الكافي 1: 315، والمناقب لابن شهر آشوب 4: 379.
([6]) إثبات الوصية، للمسعودي: 209.
([8]) الإرشاد: 356، والفصول المهمة: 252، ولكنه خلاف المعروف من وصفه بالسمرة لا البياض.
([9]) قبسات من سيرة القادة الهداة 2: 166.
([10]) الإرشاد للمفيد 2: 274- 275.
([13]) سورة مريم: الآيات 30-32.
([16]) مرآة العقول، للمجلسي 4: 250.
([17]) أصول الكافي 1: 322 و 384، والإرشاد: 319، وروضة الواعظين: 261.
([18]) كشف الغمة 3: 141، وبحار الأنوار 50: 21، وأصول الكافي 1: 320.
([19]) سيرة الأئمةG، للبيشوائي: 496.
([20]) قصة معروفة ومشهورة راجعها في الإرشاد: 319-321، وإعلام الورى: 352، وإثبات الوصية: 216، والاختصاص: 99.
([21]) راجع فتاوى الإمام في القضاء وفشل فقهاء البلاط: تفسير العياشي 1: 320، والبرهان في تفسير القرآن 1: 471، ووسائل الشيعة 18: 490، (أبواب حد السرقة: ب4)، ,راجع أجوبته في فضح وضاع الأحاديث: الاحتجاج 2: 247-248، وبحار الأنوار 50: 80-83.
كان للجمهورية الإسلاميّة دورٌ مهمٌ في قصم ظهر التكفيريين وإبطال المخطط الأمريكي في المنطقة
في أول أيام عيد النيروز وخلال لقائه الآلاف من زوار حرم الإمام علي بن موسى الرضا (ع) رأى قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي أنَّه ليس ثمة دافع لدى الأمريكيين للقضاء على تنظيم داعش الإرهابي حيث اعتبر سماحته إدعاء الأمريكيين مشاركتهم في القضاء على هذا التنظيم كذبٌ محض كما لفت سماحته إلى أن أمريكا تريد داعش أن يكون خاضعاً لها ويأتمر بأمرها وهي التي أوجدته ودعمته.
وفي التفاصيل التقى قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي بعد ظهر اليوم الأربعاء 21 آذار 2018 والموافق لأول أيام العام الهجري الشمسي الجديد الآلاف من زوار حرم الإمام علي بن موسى الرضا عليه آلاف التحية والسلام. وخلال هذا اللقاء أشار سماحته إلى دور الجمهورية الإسلامية في ترسيخ عزة واقتدار الشعب الإيراني في المنطقة حيث قال سماحته: الجمهوريّة الإسلاميّة جعلت بيرق عزّة واقتدار الشعب الإيراني يخفق بقوّة في المنطقة خلال العام المنصرم.
وفي إشارة منه إلى دور الجمهورية الإسلامية في محاربة التنظيمات الإرهابية في المنطقة قال قائد الثورة الإسلامية: لقد كان للجمهورية الإسلاميّة دورٌ كبيرٌ في قصم ظهر التكفيريين في المنطقة وقد تمكنت من تقليص أشرار هؤلاء التكفيريين في جزء مهم من المنطقة وهذا ما كان عملاً مهماً للغاية.
ورأى قائد الثورة الإسلامية في المخططات الأمريكية أنها هي من كانت وراء إيجاد تنظيم داعش الإرهابي حيث قال سماحته متحدثاً عن القادة الأمريكيين: هم يكذبون عندما يدّعون مشاركتهم في القضاء على هذا التنظيم الإرهابي.
وفيما يخصّ تدخّل بعض القوى العالمية في المنطقة قال قائد الثورة الإسلاميّة: يعترض الفضوليّون الدوليّون؛ أولئك الذين يسعون للتدخّل في شؤون مختلف المناطق في العالم ويقولون: لماذا تتدخّل إيران في قضايا سوريا والعراق وتشارك فيها؟ حسناً وما علاقتكم أنتم بهذا الأمر؟!
وتابع سماحته: لقد تمكّنت الجمهوريّة الإسلاميّة من إبطال مفعول مخطّطات أمريكا في المنطقة... كانت المخططات الأمريكية تنصُّ على إيجاد الجماعات الظالمة والسفاحة والشريرة مثل تنظيم داعش لكي يتمكنوا من خلالها من إشغال أذهان الشعوب بالحروب الأهلية والقضايا والمشكلات الداخلية وعدم إتاحة الفرصة للشعوب للتفكير بالكيان الصهيوني.
وأكّد سماحته: المخططات الأمريكية هي التي أوجدت تنظيم داعش الإرهابي ونحن استطعنا بعون وتوفيق الله أن نُبطل هذه المخططات.
وحول الدور الأمريكي في إيجاد التنظيمات الإرهابية قال قائد الثورة الإسلامية: السياسة الأمريكية تتطلب امتلاكهم داعش، ولكن داعش المطيع الذي يكون دمية في أيديهم. طبعاً داعش وأمثاله تنظيماتٌ أوجدها الأمريكيون، ولكن الحفاظ عليها أمرٌ دونه الكثير من المشكلات والمصاعب؛ الأمريكيون يريدون أن تكون هذه التنظيمات تحت أمرهم، لا توجد لديهم أيّة رغبة للقضاء على أمثال هذه التنظيمات.
وأضاف الإمام الخامنئي: الأمريكيون يكذبون عندما يدّعون مشاركتهم في القضاء على هذا التنظيم الإرهابي.
وتساءل قائد الثورة الإسلامية عن سبب عدم تمكن الأمريكيين من توفير الأمن في أفغانستان بعد مضي أربعة عشر عاماً على دخولهم إليها حيث قال سماحته: مضى على دخول الأمريكيين أفغانستان 14 عاماً، أية حماقة كانوا يرتكبونها في هذا البلد حتى لم يستطيعوا توفير الأمان هناك؟!
وأردف سماحته: البعض يقولون لم يستطيعوا، والبعض الآخر يقولون لم يريدوا، أياً كان السبب فإنَّ من شأنه جعل إدعاء أمريكا وبريطانيا للتواجد في المنطقة إدعاءً باطلاً.
وفي إشارة منه لتواجد الجمهورية الإسلامية في بعض بلدان المنطقة أوضح الإمام الخامنئي: أينما ذهبنا كان سبب ذلك أنّ الشعوب والحكومات طلبت منّا ذلك، لم نمارس الإجبار والقوّة، لم نمارس الأمر والنّهي، كانوا يطلبون العون وقمنا بمساعدتهم، قمنا بالمساعدة انطلاقاً من دوافع عقلانيّة ومنطقيّة، لقد كانت كلّ مساعدة قُدّمت فيما يخصّ شؤون المنطقة مبنيّة على حسابات منطقيّة وعقلانيّة ولم يكن ذلك بناء على المشاعر، وهذا ما سيكون الأمر عليه بعد الآن.
وأعاد الإمام الخامنئي التأكيد على موقف الجمهورية الإسلامية الثابت فيما يتعلق بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لبدان العالم حيث قال سماحته: لسنا ننوي التدخّل في شؤون بلدان العالم ولا شكّ في أنّ أمريكا لن تبلغ مآربها فيما يخصّ شؤون المنطقة.
وفي جزء آخر من كلمته عدّد الإمام الخامنئي شعارات وقيم الثورة الإسلامية بقول سماحته: شعارات وقِيم الثورة الإسلامية هي "الاستقلال"، "الحرية"، "السيادة الشعبية"، "الثقة بالنفس الوطنية"، "الإيمان بالذات الوطنية"، "العدالة" وفوق وأهم من كل ذلك "إجراء أحكام الدين والشريعة في البلاد".
ونوّه سماحته بالاستقلال الذي تتمتع به الجمهورية الإسلامية اليوم حيث اعتبر سماحته هذا الأمر وليد مشيئة عموم الناس مع انتصار الثورة الإسلامية والتي رأى فيها سماحته ردة فعلٍ أبداها الشعب الإيراني تجاه مئتي عامٍ من تسلط الأعداء على إيران.
وتابع سماحته: ليس هناك أي بلد في العالم يتمتع بالاستقلال الذي تتمتع به إيران اليوم. جميع شعوب العالم تراعي القوى العالميّة بشكل من الأشكال. الشّعب الإيراني هو الشعب الذي لا تتأثّر آراؤه بأيّ شعب من الشعوب.
كما لفت الإمام الخامنئي إلى الحرية الموجودة في الجمهورية الإسلامية وأكد سماحته أنَّ هذه الحرية مؤطرةٌ بالدستور المستخلص من الشريعة الإسلامية وأنّه ليس من الصواب تخيل أحدهم أن يكون حُرَّاً ويعمل خلاف القانون.
ورأى قائد الثورة الإسلامية في السيادة الشعبية واحداً من أصول نظام الجمهورية الإسلامية الأساسية وقال سماحته: خلال الأربعين عاماً الماضية، كان لدينا كل سنة أو سنتين استحقاق انتخابي شارك الناس خلاله بحرية وحماس وشوق ونتج عنه وصول حكومات ذات توجهات سياسية مختلفة إلى السلطة.
كلمة قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي بمناسبة بدء العام الهجري الشمسي الجديد ١٣٩٧
بمناسبة عيد النيروز وبداية السنة الإيرانية الجديدة وجَّه قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي كلمةً بارك من خلالها للشعب الإيراني بحلول السنة الجديدة وقيّم من خلالها السنة الماضية، كما أعلن سماحته عن شعار السنة الجديدة حيث قال سماحته: أعلن أن شعار هذه السنة هو "دعم البضائع الإيرانية" أي أنّ قضيتنا الرئيسية هذه السنة هي القضية الاقتصادية ومعيشة الناس. على الجميع أن يسعوا ويعملوا، والمحور هو الإنتاج الوطني.
وفيما يلي الترجمة العربية للكلمة التي وجهها قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي:
بسم الله الرحمن الرحيم
يا مقلب القلوب والأبصار، يا مدبر الليل والنهار، يا محول الحول والأحوال، حول حالنا إلى أحسن الحال.
اللهم اهدنا هدي المهتدين وارزقنا اجتهاد المجتهدين. (١)
أتقدم بالتبريك لكل أبناء الوطن الأعزاء في أيّ مكان من البلاد وفي أيّ مكان من العالم كانوا، كما أبارك لكل الشعوب التي تحيي عيد النيروز. وأبارك خصوصاً لعوائل الشهداء المُعززة، وللمعاقين الأعزاء وعوائلهم، وأبارك خصوصاً لشباب البلاد وناشئتها مبعث الأمل ومحرّكو المسيرة الوطنية في البلاد. أتمنى لكم [في رأس السنة الجديدة] عيداً بهيجاً طيّباً وسنةً زاخرةً بالخير والبركة. في هذا العام تزامن فصل ربيع الطبيعة مع فصل ربيع المعنوية؛ أي إنَّ أشهر فروردين وأرديبهشت وخرداد (١) تزامنت مع أشهر رجب وشعبان ورمضان. نتمنى أن يتحقق النماء الطبيعي والنماء المعنوي كلاهما لبلادنا ولشعبنا هذه السنة. يتبرعم في القلب الأمل بأن يكون النماء المعنوي إلى جانب النماء المادي ذخراً لهذا الشعب ولهذه البلاد وللمستقبل. نهدي سلامنا لحضرة سيدنا بقية الله (أرواحنا فداه) ونستذكر ونُحيّي الروح الطاهرة لإمامنا الخميني الجليل.
نذكر شيئاً عن عام ٩٦ وشيئاً عن العام ٩٧: لقد شهد عام ٩٦ مثل كل الأعوام مجموعةً من المنعطفات والأحداث الحلوة والمريرة. مثل كل فترات الحياة؛ لقد تجلّت حلاوة سنة ٩٦ بعظمة الشعب واقتداره، والمشاركة الوطنية من بداية السنة إلى نهايتها. بداية السنة شهدت مشاركة الشعب العظيمة والمذهلة في انتخابات رئاسة الجمهورية والمجالس البلدية، حيث شارك أكثر من أربعين مليوناً من سكان البلاد في الانتخابات، وقد كانت هذه مشاركة جيدة وزاخرة بالمعاني. ثم كانت مظاهرات يوم القدس في شهر رمضان المبارك، وفي نهاية العام كانت مظاهرات التاسع من دي [30 كانون الأول]، وفوق كل ذلك مظاهرات الثاني والعشرين من بهمن [١١ شباط ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في إيران] المُبهِرة لهذه السنة. طبعاً في التاسع من دي ونتيجة الاضطرابات التي حصلت ـ وسوف أشير لها ـ كانت للجماهير مسيراتهم العفوية التلقائية لعدة أيام متتابعة في مختلف مدن البلاد، وكل هذا يدلُّ على تواجد الشعب الإيراني الكبير وصاحب البصيرة والجهوزية والمبادرة في كل الساحات التي تستلزم تواجده.
المحطة المهمة والطيبة الأخرى في السنة الماضية شكلتها قدرة الجمهورية الإسلامية على تحويل التهديدات الإقليمية -التي كان أحد أهدافها على الأقل توجيه ضربةٍ للجمهورية الإسلامية- إلى فرصة. فالتهديدات لم تُلحق الضرر بالبلاد، بل تحولت إلى فرصةٍ لها. والخبراء في الشؤون الدولية يُدركون ذلك جيداً.
النقطةٌ الإيجابية الأخرى كانت في المساعي التي بُذلت لإحياء وتطبيق شعار السنة الماضية وهو «الإنتاج الوطني وفرص العمل» والذي تمَّ في إطار مشروع الاقتصاد المقاوم. أنجزت أعمالٌ جيدة لتوفير فرص العمل والإنتاج الوطني. وبالطبع فإن أعمالاً كثيرة أخرى لا تزال باقية ويجب إنجازها. لقد طُبِّق هذا الشعار إلى حدٍّ ما في البلاد، ولكن ينبغي استمرار العمل بشكل كامل حتى يتحقق هذا الشعار على أكمل وجه.
وقد كانت لنا أحداثٌ مريرةٌ في سنة ٩٦ ؛ أحداث الزلزال، والسيول، والطائرة، والسفينة، حيث قضى بعض أعزائنا نحبهم في هذه الأحداث، وكانت أحداثاً مُرّةً بالنسبة لنا. بالإضافة إلى ذلك كانت هنالك حالة جفاف في بعض مناطق البلاد ولا تزال مستمرة، ونتمنى أن يُعوّض عنها الفضلُ الإلهي في الربيع. وهنالك بعض المشكلات المعيشية لشرائح معينة، وهي مشكلات لا تزال مستمرة من الماضي وينبغي على الجميع السعي لمعالجتها، وسوف أشير لهذا الموضوع، وستُحلُّ هذه المشكلات إن شاء الله. طبعاً في الأشهر الأخيرة من السنة حيث وقعت حالات توتر في البلاد وفقاً لمخططات أعداء الشعب الإيراني، نزل الشعب الإيراني بنفسه إلى الساحة، وحتى الذين أراد الأعداء أن تُسجَّلَ الاضطرابات باسمهم نزلوا هم أنفسهم إلى الساحة ووقفوا بوجه مثيري الشغب، وبالطبع كانت حادثة حصلت ووقعت، وتجلَّت خلالها عظمة الشعب الإيراني.
فيما يتعلَّق بالسنة الجديدة التي تبدأ منذ هذه اللحظة المهم هو أن يعمل الجميع بجدٍّ وكدّ. إنني في شعارات السنوات عادةً ما أخاطب المسؤولين، لكن الذين أخاطبهم هذه السنة هم كلُّ أبناء الشعب والمسؤولون من ضمنهم. أقول مقدماً إنَّ قضية الاقتصاد والثقافة والقضايا المختلفة كلها مطروحة ومهمة، لكنَّ قضيتنا الرئيسية هذه السنة هي القضية الاقتصادية ومعيشة الناس. على الجميع أن يسعوا ويعملوا، والمحور هو الإنتاج الوطني، بمعنى أن الجميع إذا تابعوا الإنتاج الوطني ـ بالتفاصيل التي سوف أذكرها في كلمتي (٢) إن شاء الله ـ فسوف يُعالج الكثير من مشكلات الناس الاقتصادية والمعيشية ومشكلة فرص العمل ومشكلة الاستثمار وباقي الأمور، وسوف تقلُّ الآفات الاجتماعية بدرجة كبيرة. أي إنَّ المحور هو الإنتاج الوطني. وعليه إذا تسارعت وتيرة الإنتاج الوطني فسوف تُعالج الكثير من المشكلات. وقد جعلتُ هذا محوراً لشعار هذه السنة. شعار هذه السنة هو «دعم البضائع الإيرانية». إنها سنة «دعم البضائع الإيرانية». وهذا الأمر لا يتعلق بالمسؤولين فقط، فكلُّ واحدٍ من أبناء الشعب يستطيع أن يساعد في هذا المجال، وأن ينزل إلى الساحة بالمعنى الواقعي للكلمة. وبالطبع فإنَّ لهذا الدعم أبعاده المختلفة من خمس أو ستّ جهات، وسوف أفصّل هذه الأبعاد في كلمتي إن شاء الله، وسأشرح وأطرح ما تستطيع شرائح الشعب المختلفة وجميع المسؤولين في البلاد القيام به.
أتمنى أن يمنّ الله تعالى بعونه، سواء على المسؤولين أو على الشعب، ليستطيعوا النهوض بواجباتهم على أفضل وجه ويحققوا هذا الشعار في هذه السنة وهو شعار «دعم البضائع الإيرانية» بالمعنى الحقيقي للكلمة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ولادة الإمام علي الهادي(ع) (2/ رجب / السنة 212 هـ)
شخصية الإمام علي الهادي(ع)
ولد الإمام علي الهادي(ع) في صريا([1])، وأكثر المؤرخين على أنه ولد في سنة (212هـ)([2])، وقيل في سنة (214هـ)([3])، وقد اختلفوا في الشهر واليوم الذي ولد فيهما، فبعض المصادر على أنها كانت في منتصف ذي الحجة([4])، والبعض الآخر منها على أنها في رجب، في اليوم الثاني منه أو في الخامس على الاختلاف، وقد صرّحت بولادته في رجب بعض الأدعية منها: «اللهم إني أسألك بحق المولودين في رجب محمد بن علي الثاني - الجواد - وعلي بن محمد المنتجب - الهادي -»([5]).
أبوه الإمام الجواد(ع)، وأمه السيدة القديرة سمانة المغربية التي اشتراها له محمد بن الفرج بسبعين ديناراً([6])، وتولى الإمام (ع) تربيتها، فأقبلت على العبادة والطاعة، حتى كانت من القانتات المتهجّدات والتاليات لكتاب الله تعالى([7])، ويكفي في جلالتها أنها كانت المفزع للشيعة في نقل الأحكام الشرعية، في أيام الشدة([8]).
كان الإمام الهادي(ع) متوسط القامة، ذا وجه أبيض مشرّباً بالحمرة، وذا عينين كبيرتين، وحاجبين واسعين، وكانت أسارير وجهه تبعث على الفرح والسرور لكل من رآه.
تولى منصب الإمامة بعد شهادة أبيه الجواد(ع) وكان عمره ثمان سنوات، وكان ذلك في سنة (220 هـ)، ودامت ثلاثاً وثلاثين سنة.
وقد ورد الكثير ممّا دلّ على إمامته، قال الشيخ المفيد: «الأخبار في هذا الباب كثيرة جداً... وفي إجماع العصابة على إمامة أبي الحسن(ع) ، وعدم من يدَّعيها سواه في وقته ممن يلتبس الأمر فيه غنى عن إيراد الأخبار بالنصوص على التفصيل»([9]).
ولنذكر نصاً واحداً منها، فقد قال الصقر بن دُلف: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضا(ع) يقول: «إنَّ الإمام بعدي ابني علي، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والإمامة بعده في ابنه الحسن»([10]).
يكنى الإمام الهادي(ع) بأبي الحسن الثالث، ويلقّب بالناصح، والتقي، والمرتضى، والفقيه، والعالم، والأمين، والطيب، والعسكري، والرشيد، والشهيد، والوفي، والخالص، وأشهر ألقابه الهادي([11]).
عاصر الإمام الهادي ستة من خلفاء بني العباس، وهم المعتصم والواثق والمتوكل، والمنتصر، والمستعين، والمعتز، وله مع كل واحد منهم قضايا لا يتسع المقام لذكرها أجمع.
إِشخاص الإمام الهادي(ع) إلى سامراء
لقد مارس المتوكل العباسي نفس الأسلوب الذي رسمه المأمون، ثم أخوه المعتصم من إشخاص أئمة أهل البيت(عليهم السلام) من مواطنهم، وإجبارهم على الإقامة في مقر الخلافة، وجعل العيون والحرّاس عليهم، حتى يطّلعوا على دقيق شؤونهم.
وكان المتوكل من أشدّ الخلفاء العباسيين عداءاً لعلي وآله، فبلغه مقام علي الهادي بالمدينة، ومكانته بين أهلها، وميلهم إليه، فخاف على نفسه منه، خصوصاً وقد كتب له بريحة العباسي - أحد أنصاره وأزلامه - إن كان لك بالحرمين حاجة فأخرج منها علي بن محمد، فإنّه قد دعا الناس إلى نفسه، وتبعه خلق كثير([12]).
فدعى يحيى بن هرثمة، وقال له: اذهب إلى المدينة وانظر في حاله وأشخصه إلينا.
قال يحيى: فذهبت إلى المدينة، فلمّا دخلتها ضجَّ أهلها ضجيجاً عظيماً ما سمع الناس بمثله، خوفاً على علي الهادي، وقامت الدنيا على ساق، لأنه كان محسناً إليهم، ملازماً للمسجد، لم يكن عنده ميل إلى الدنيا.
قال يحيى: فجعلت أسكِّنهم وأحلف لهم أني لم أؤمر فيه بمكروه، وأنه لا بأس عليه، ثم فتشت منزله فلم أجد فيه إلاّ مصاحف وأدعية وكتب العلم، فعظم في عيني، وتولّيت خدمته بنفسي، وأحسنت عشرته، فلما قدمت به بغداد، بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري، وكان والياً على بغداد، فقال لي: يا يحيى إنّ هذا الرجل قد ولده رسول الله، والمتوكل من تعلم، فإن حرّضته على قتله، كان رسول الله خصمك يوم القيامة، فقلت له: والله ما وقعت منه إلاّ على كل أمر جميل، ثم صرت إلى (سر من رأى)، فلما دخلت على المتوكل وأخبرته بحسن سيرته وسلامته وورعه وزهادته، وأني فتشت داره فلم أجد فيها إلا المصاحف وكتب العلم، وأنّ أهل المدينة خافوا عليه، فأمر المتوكّل به فأنزلوه في خان يقال له خان الصعاليك، ليوهن الإمام ويقلل من شأنه، فأقام فيه الإمام يومه، ثم تقدم المتوكل فأفرد له داراً، فانتقل إليه، وكان تحت رقابة شديدة([13]).
ولكن مع هذه الرقابة الشديدة، وعلى الرغم من أنّ الإمام يعيش في نفس بلد المتوكل، إلاَّ أنه وشي به إلى المتوكل بأنّ في داره كتباً وسلاحاً من شيعته، وأنه عازم على الوثوب على الدولة، فبعث إليه جماعة من الأتراك، فهاجموا داره ليلاً فلم يجدوا فيها شيئاً، ووجدوه وعليه مدرعة من صوف، وهو جالس على الرمل والحصى، متوجه إلى الله تعالى يتلو آيات القرآن، فحملوه على هذه الحالة إلى المتوكل، وكان الأخير جالساً في مجلس الشرب، والكأس في يده، فلما أدخلوه عليه ناوله الكأس، فقال (ع) : «والله ما خامر لحمي ودمي قط فاعفني»، فأعفاه، ثم قال له: أنشدني شعراً! فقال (ع) : أنا قليل الرواية للشعر: فقال: لابد، فأنشده (ع) :
|
باتوا على قلل الأجيال تحرسهم |
|
غُلْب الرجال فما أغنتهم القلل |
|
واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم |
|
وأسكنوا حُفراً يا بئس ما نزلوا |
|
ناداهم صارخ من بعد دفنهم |
|
أين الأسرة والتيجان والحلل؟ |
|
أين الوجوه التي كانت منعّمة |
|
من دونها تضرب الأستار والكلل؟ |
|
فأفصح القبـر عنهم حين ساءلهم |
|
تلك الوجوه عليها الدود يقتتل |
|
قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا |
|
فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا |
فبكى المتوكل حتى بلّت لحيته دموع عينه، وبكى الحاضرون([14]).
اهتمامات الإمام الهادي(ع)
اهتم الإمام (ع) في نشر الثقافة الإسلامية، والدفاع عن فكر الإسلام، ومحاربة المفوّضة والمجبّرة، وإثبات العدل والمنزلة بين المنزلتين، وله رسالة في ذلك أوردها الحرّاني في (تحف العقول).
كما اهتم بتفسير القرآن الكريم كثيراً، ورفع غوامضه، كما عمل على إرشاد الضالين، والإجابة على جميع التساؤلات الواردة من مختلف بقاع العالم الإسلامي، كما كان حلّالاً لمعضلات المتوكل وغيره من الخلفاء، وبسبب إلتفاف الأمة حوله عمد المتوكل إلى زجّه في سجن مظلم وبحذاه قبر محفور، ولكن كل ذلك لم يوهن من عزم الإمام على مواصلة طريق أجداده، وفي النهاية وجدوا أن الطريقة الوحيدة للتخلص من كل ما يعانونه إطفاء نور الله، فدسّ المعتز السم إليه، فاستشهد(ع) في رجب سنة (254هـ)، ودفن في داره في سامراء([15]).
فالسلام على علي الهادي يوم ولد، ويوم أدّى رسالته، ويوم استشهد، ويوم يبعث حياً.
([1]) صريا: قرية أسسها الإمام موسى بن جعفر(ع) تبعد من المدينة ثلاثة أميال، جوهرة الكلام: 151.
([2]) أصول الكافي 1: 497، والإرشاد 2: 368.
([4]) على رواية الشيخ المفيد في الإرشاد.
([5]) مفاتيح الجنان: أدعية رجب.
([6]) تاريخ الخميس 2: 321، ودلائل الإمامة: 216
([10]) المصدر السابق، وبحار الأنوار 12: 127.
([11]) قبسات من سيرة القادة الهداة 2: 202.
([13]) الإرشاد 2: 298، وإعلام الورى: 348.
ولادة الإمام محمد الباقر (ع) (1 / رجب / السنة 57 هـ)
مولده ونسبه الشريف:
ولد الإمام محمد الباقر(ع) يوم الجمعة - وقيل الاثنين - في غرة رجب سنة (57هـ)، وهناك من قال بأن ولادته كانت في الثالث من صفر، أبوه الإمام الهمام علي بن الحسين(ع) زين العابدين وسيد الساجدين، وأمه فاطمة بنت الإمام الحسن المجتبى(ع)
وعلى هذا فيعتبر الإمام الباقر(ع) أول فاطمي من فاطميين، وأول من اجتمعت له ولادة الحسن والحسين.
ويروى أنه كان كثير الشبه بجده المصطفى محمد(ص)، ولذا كان يلقّب بالشبيه، وكان ربع القامة، رقيق البشرة، جعد الشعر، أسمر اللون، له خال على خده، وكان يكنّى بأبي جعفر، ويلقّب بالشاكر لله، والهادي، والأمين، وأشهر ألقابه على الإطلاق ما لقبّه به جدّه رسول الله(ص): أي (الباقر)، فقد روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أنّ النبي(ص) قال له: «يوشك أن تبقى حتى تلقى ولداً لي من الحسين، يقال له محمد، يبقر علم الدين بقراً، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام»([1]).
وجاء في معاجم اللغة، أن الباقر هو المتبحر بالعلم، المستخرج غوامضه ولبابه، وأسراره، والمحيط بفنونه، ومغازيه.
النص على إمامته:
جرت عادة الأئمة (عليهم السلام) أن ينصّ المتقدم منهم على المتأخر، ويشير السابق على اللاحق، قطعاً للمعاذير، وإقامة للحجة، وقد نصّ الإمام علي بن الحسين(ع) على إمامة ولده في مواضع متعددة، فمنها قوله (ع) : «ألا وإنه الإمام أبو الأئمة، معدن العلم يبقره بقراً، والله لهو أشبه الناس برسول الله»(ص) ([2])، وقد تواترت النصوص على إمامته، ونقلها العامة كالمسعودي والزهري، فضلاً عن الخاصة([3]).
جوانب من شخصية الإمام الباقر(ع)
1- الجانب الروحي: المتتبع لحياة الأئمة (عليهم السلام) يجدها حلقات متصلة في العبادة، وهي كلها لله وفي الله وإلى الله تعالى، والإمام الباقر(ع) واحد من هؤلاء الأئمة، والذي كان له السبق في سلّم العبادة والتعلق المطلق بذات الله تعالى، فقد ارتقى فيه حتى بلغ ذروته.
يقول الإمام الصادق(ع) في حقه: «كان أبي كثير الذكر، لقد كنت أمشي معه وإنّه ليذكر الله، وآكل معه الطعام وإنّه ليذكر الله، ولقد كان يحدث القوم وما يشغله ذلك عن ذكر الله، وكنت أرى لسانه لازقاً بحنكه، يقول: لا إله إلا الله، وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منّا، ومن كان لا يقرأ أمره بالذكر»([4]).
وقال أفلح - مولى للإمام الباقر -: «خرجت مع محمد بن علي (الباقر(ع) ) حاجاً، فلما دخل المسجد، نظر إلى البيت فبكى حتى علا صوته، فقلت: بأبي أنت وأمي إنّ الناس ينظرون إليك فلو رفقت بصوتك قليلاً، فقال لي: «ويحك يا أفلح، ولم لا أبكي، لعل الله ينظر إليّ برحمة فأفوز بها عنده غداً»، ثم طاف بالبيت، ثم جاء حتى ركع عند المقام، (أي صلّى ركعات) فرفع رأسه من سجوده فإذا موضع سجوده مبتل من دموع عينيه»([5]).
2- الجانب الاجتماعي: كان الإمام الباقر(ع) - كسائر أئمة أهل البيت(عليهم السلام) - أباً عطوفاً للأمة بأسرها، فعنده محط محتاجهم، وإلى كنفه منتهى مكروبهم، وبفناء داره شفاء مغمومهم، فقد روي عن الأسود بن كثير: شكوت إلى أبي جعفر(ع) الحاجة، وجفاء الإخوان، فقال (ع) : «بئس الأخ يرعاك غنياً ويقطعك فقيراً». ثم أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبعمئة درهم، فقال: «استنفق هذه فإذا فرغت فأعلمني»([6]).
وقالت سلمى - مولاة أبي جعفر -: «كان يدخل عليه أصحابه، فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيب، ويكسوهم الثياب الحسنة، ويهب لهم الدنانير، فأقول له في ذلك ليقلل منه فيقول (ع) : «يا سلمى ما حسنة الدنيا، إلا صلة الإخوان والمعروف»([7]).
وعن أبي عبد الله(ع) قال: «دخلت على أبي يوماً وهو يتصدق على فقراء أهل المدينة بثمانية آلاف دينار، وأعتق أهل بيت بلغوا أحد عشر مملوكاً»([8]).
3- الجانب العلمي والثقافي: لا نشكّ أبداً أنّ هدف الأئمة(عليهم السلام) هو: بثّ روح العلم والثقافة في أرجاء العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه، ولكن كل إمام يحقق من هذا الهدف ما تسنح له الظروف، غير أن الإمام الباقر(ع) قد سنحت له الظروف أن يبثّ الكثير الكثير من علوم الدين والثقافة الإسلامية بما لم تسمح لغيره منهم(عليهم السلام) ، فقد أدى تمادي معاوية في قتل الصحابة والتشنيع بهم، وكذلك أدى قتل يزيد للحسين وأهل بيته(عليهم السلام) وأصحابه، وواقعة الحرة.. واستباحة المدينة المنورة ورميه الكعبة بالمنجنيق و... أدّى كل ذلك إلى تدهور أوضاع الدولة الأموية، حتى وصلت إلى حافة الانهيار في عهد هشام بن عبد الملك، حيث بدأت دعوة العباسيين بـالثورة للقضاء على الدولة الأموية، داعين إلى الرضا من آل محمد(عليهم السلام) ظاهراً فاستغلّ الإمام الباقر هذا الظرف لفتح مدرسته، وليتخرج منها المئات من العلماء، الذين انتشروا في مختلف البقاع ليبثّوا الدين والفكر والثقافة على مذهب آل محمد(عليهم السلام) ، هكذا شاء الله وكان.
قال جابر الجعفي: «حدثني أبو جعفر سبعين ألف حديث»([9])، وقال محمد ابن مسلم: ما شجر في رأيي شيء إلا سألت عنه أبا جعفر(ع) حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث([10]).
ونقل بعض من شاهد الإمام (ع) في الحج: انثيال الناس عليه يستفتونه عن المعضلات، ويستفتحون أبواب المشكلات، فلم يرم حتى أفتاهم في ألف مسألة ثم نهض يريد رحله([11]).
واليوم، وبعد مضي ثلاثة عشر قرناً على تأسيسه (ع) لهذه المدرسة العظيمة، لا يزال الفقه والحديث والتفسير وغيرها من العلوم معوّلاً عليها، تستمد من منهلها العذب، وتغترف من معينها الفيّاض.
أما تلامذته: فقد قال ابن شهر آشوب:.. وقد روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة، ووجوه التابعين، ورؤساء فقهاء المسلمين، فمن الصحابة: جابر عبد الله الأنصاري، ومن التابعين: جابر بن يزيد الجعفي، وكيسان السختياني صاحب الصوفية، ومن الفقهاء نحو: ابن المبارك، والزهري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وزياد بن المنذر النهدي، ومن المصنفين نحو: الطبري، والبلاذري، والسلامي، والخطيب في تواريخهم، وفي الموطأ، وشرف المصطفى والإبانة، وحلية الأولياء، وسنن أبي داود، والالكاني، ومسندي أبي حنيفة، والمروزي، وترغيب الأصفهاني، وبسيط الواحدي، وتفسير النقاش والزمخشري، ومعرفة أصول الحديث، ورسالة السمعاني، فيقولون: «قال محمد ابن علي، وربما قالوا: قال محمد الباقر»([12]).
4- منفاه وسجنه وشهادته:
كان الإمام الباقر(ع) في وجوده وحركاته وسلوكه، وجميع تصرفاته في المدينة يشكّل خطراً ضد الجهاز الأموي الحاكم آنذاك، المتمثل بهشام بن عبد الملك، والإمام (ع) وإن تخلى عن الجهاد والكفاح المسلح، وعمد إلى التغيير الفكري، وترويج الثقافة والمعرفة، ولكن مع ذلك فقد كان الجهاز الحاكم يعتبر ذلك مخالفاً لسلطته وجهاداً ضد حكومته، فعزم هشام على استقدام الإمام إلى الشام، فحُمل مع ولده الصادق(ع) إليها، ومبالغة في إذلاله حُبس عن لقاء هشام ثلاثة أيام لم يأذنوا له بالدخول عليه، وأنزلوهم في دار الغلمان.
ثم أذن له بالدخول، فسلم الإمام على الجميع وجلس، دون أن يخصه بالسلام، فقال له هشام:
يا محمد بن علي لا يزالُ الرجل منكم قد شقَّ عصا المسلمين، ودعا إلى نفسه، وزعم أنه الإمام سفهاً وقلة علم.
فأقبل القوم الذين في مجلس هشام على توبيخه - تنفيذاً لما طلبه هشام منهم قبل دخول الإمام عليه -، فلما سكت الجميع نهض الإمام (ع) وقال: أيها الناس أين تذهبون، وأين يراد بكم، بنا هدى الله أولكم، وبنا يختمُ آخركم، فإن يكن لكم ملكٌ معجّلٌ فإن لنا ملكاً مؤجّلاً، وليس بعد مُلكِنا مُلكُ، لأنا أهل العاقبة بقول الله عز وجل: «وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» ([13]).
فأمر هشام بسجنه، ولكن لم يمضِ وقت طويل حتى تناقلت الأخبار إلى هشام بأنّ الإمام قد استطاع بأخلاقه وعلمه وعبادته أن يأسر قلوب السجّان إليه، فخاف انقياد أهل الشام إليه، فأمر بإعادة الإمام إلى المدينة([14]).
وحين خرج(ع) من القصر يريد المدينة، وإذا براهب قد اجتمعت حوله الناس من النصارى والمسلمين، وكان من كبار رهبانهم في الشام، فلما وقع بصره على الإمام سأله عن معضلات فأتى الإمام على آخرها، مما جعل الراهب يقول للناس: «جئتم بأعلم مني كي يفضحني، لعمري ما رأيت بعيني قط أعلم من هذا الرجل، لا تسألوني عن حرف وهذا بالشام، فكل ما أردتم تجدوه عنده حاضراً»، فسرّ المسلمون وأخذوا يتناقلون الحديث عن الإمام (ع).
اشتعل هشام حقداً وحنقاً على الإمام إثر هذه الحادثة، فأرسل إليه أن يعجل بالذهاب إلى المدينة، كما أرسل إلى عامله على المدينة أن يبلّغ الناس أنه لا يحق لأحد أن يتحدث مع محمد بن علي وابنه، فإنهما وردا عليّ، ولما صرفتهما إلى المدينة مالا إلى القسيسين والرهبان، وأظهرا لهم ميلاً، ومرقا من الإسلام إلى الكفر، وتقرّباً إليهم بالنصرانية، فكرهت أن أنكّل بهما لقرابتهما، فإذا قرأت كتابي هذا، ووصلا إليكم فناد في الناس: برئت الذمة منهما([15]).
وبعد هذا فقد أخذ عامل هشام يُضيّق على الإمام مدة من الزمان، حتى ختم ذلك بدسه السم إليه بأمر من هشام بن عبد الملك، فقضى (صلوات الله عليه) شهيداً، ودفنه ولده الصادق(ع) في البقيع أمام عمه الحسن، وأبيه علي ابن الحسين(عليهم السلام). فسلام على الإمام الباقر(ع) يوم ولد، ويوم أدّى رسالته، ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.
([2]) كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر: 98.
([3]) راجع في النص على إمامته (إثبات الوصية: 142).
([5]) الفصول المهمة: 197، وصفة الصفوة 2: 63.
([6]) مطالب المسؤول 2: 53، وكشف الغمة: 211.
([11]) المناقب لابن شهر آشوب 2: 275.
([13]) سورة الأعراف: الآية 128.
مناسبات أيام شهر رجب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شمس الهداية نبينا محمد(ص)، وعلى الأقمار المضيئة الأئمة الطاهرين(عليهم السلام).
جعل الله تعالى لعباده رحمة بهم مواقيت زمانية ومكانية، بغية تعميق العلاقة والارتباط بخالقهم والتفرغ فيها عمّا سواه.ومن هذه المواقيت شهر رجب وشعبان ورمضان، حيث جعلها الله تعالى موعداً للقاءه والقرب منه والزلفى إليه، مثلما جعل شهري رجب وشعبان بوابة لشهر رمضان، كما جعل أرض عرفة بوابة لدخول حرمه المقدس، فعلى المؤمن أن يبدأ فيهما بتهذيب نفسه، والتخلّق بأخلاق ربّه، والسّعي الدؤوب لتذليل كل شيء في ذات الله، وجلببته بثوب العبودية والفقر لله تعالى، ليأتي عليه شهر رمضان المبارك، وهو طاهرٌ من درن الذنوب والخطايا، قد نفض عن قلبه ونفسه وعقله غبار التعلق بغيره تعالى.
ويعتبر شهر رجب من أكثر الشهور مناسبات، وأيام الله فيه كثيرة، ومن تلك المناسبات ولادة المعصومين: أمير المؤمنين(ع) ، والأئمة الباقر والجواد والهادي(عليهم السلام).، وشهادة الإمامين الكاظم والهادي(ع) ، ووفاة السيدة زينب (عليها السلام) .
ومن أيام الله المشهودات في هذا الشهر المبارك الإسراء والمعراج ويوم المبعث، والأيام البيض، وهي (11-12-13) من الشهر، ويوم النصف منه إذ يحظى باهتمام خاص من لدن أئمتنا(عليهم السلام)...ففي منتصف رجب ليلة ونهاراً يطلبه الغسل وزيارة الحسين والصلاة والدعاء بزيارة يا مذل كل جبار، ودعاء أم داود على ما ذكر في (مفاتيح الجنان ص194) من أعمال شهر رجب.
وقد وصف الرسول الأعظم (ص)، شهر رجب فقال: «إن رجباً شهر الله وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، فمن صام من رجب يوماً، استوجب رضوان الله الأكبر»([1]).
وفي هذا الشهر أعمال مهمةً موزّعة على أيامه ولياليه، أهمها الصوم، والصدقة، والصلوات، والغسل، والدعاء بالمأثور، والاجتهاد في طلب الحوائج من الله تعالى. وخصّ من الشهر اليوم الأول بأعمال أهمها الصدقة والصيام وزيارة الحسين(ع) حيثما تكون.
والليلة الخامسة والعشرون ويومها، حيث ذكرى وفاة الإمام موسى الكاظم(ع) .
وليلة السابعة والعشرون منه باعتبارها بعثة الرسول الأكرم (ص)،.
وفي اليوم الأخير من الشهر يستحب الغسل والصيام.
نسأل الله العلي القدير أن يوفقنا جميعاً للفوز ببركات هذا الشهر، ونيل رضاه، إنه ولي السداد والتوفيق.
رئيس اتحاد الروهينغا: صور الانتهاكات تعكس جزء بسيطا من المأساة
قال رئيس "اتحاد روهينغا أراكان"، واكادر أودين، إن صور الانتهاكات التي عُرضت على وسائل الإعلام تعكس جزءا بسيطا من الحقيقة، وأن البوذيين ومسؤولي الحكومة الميانمارية يحتفلون بشرب الشمبانيا بينما يتابعون تلك الصور.
جاء ذلك في تصريح أدلى به لمراسل الأناضول، خلال مشاركته في فعالية خاصة بأزمة مسلمي الروهينغا، بولاية قونيا (وسط تركيا)، تطرق خلاله إلى معاناة الروهينغا في أقليم أراكان بميانمار.
وأفاد أودين أن الحكومة الميانمارية والعصابات البوذية ترتكب جرائم وحشية بحق الروهينغا.
وأضاف أن "عدد المسلمين في البلاد حوالي 3 ملايين، عدد من يتعرض منهم للظلم نحو 500 ألف، حيث يجبرون نتيجة ضغوطات الحكومة على مغادرة أراضيهم".
وأردف أن ممارسات الحكومة الميانمارية ترقى إلى درجة الإبادة الجماعية، إذ تسعى لطمس الهوية الروهينغية، من خلال تقليل أعداد الروهينغا والقضاء على معالمهم التاريخية.
وأشار إلى أن "السلطات الميانمارية تغلق دور العبادة الخاصة بالروهينغا، ولا تسمح للمسلمين بالعبادة، كما حوّلت جامعا تاريخيا بالمنطقة يعود إلى القرن السابع عشر، إلى معبد بوذي، وإنها تسعى من خلال هذه الممارسات لتطهير أقليم أراكان من المسلمين وتحويل المنطقة برمتها إلى بوذية".
ولفت إلى أن جذور الروهينغا في أراكان ترجع إلى القرن السابع الميلادي، وأن هذا الأمر موثّق في الكثير من المراجع التاريخية.
وأوضح أن المجتمع الدولي يريد للروهينغا أن يعيشوا كمواطنين من الدرجة الأولى في بلادهم بشكل يتلاءم مع حقوق الإنسان وسط أجواء الأمن والاستقرار.
وكشف عن أن مسلمي الروهينغا يتعرضون لظلم كبير في السنوات الأخيرة، إذ "يتم تدمير قراهم بالجرافات التي هُدمت 266 قرية".
واستطرد "إن الانتهاكات التي تشهدها أراكان اليوم شبيهة جدا بعملية الإبادة الجماعية التي تعرضت لها البوسنة والهرسك سابقا، حيث تم الكشف هناك عن مقابر جماعية، كما هو الحال في أراكان، حيث تتضمن الكثير من المقابر الجماعية".
وأردف أن "إقليم أراكان شهد قصصا أليمة للغاية، فالجرائم التي طالت النساء والفتيات والأطفال، هي من النوع الذي يندى له الجبين".
وبّين أودين أن عدد اللاجئين الروهينغا في المخيمات يبلغ نحو 700 ألف شخص، قرابة 60 بالمئة منهم أطفال، وأنهم يعيشون في ظروف صعبة جدا وُيصابون بالأمراض نتيجة نقص الأغذية.
وأكد على أن الحكومة الميانمارية لا تمنح حق الحياة لمسلمي الروهينغا، حيث قال في هذا الصدد "تجبرهم على وضع أسماء بوذية، وتريد طمس هويتهم، وتعيق زواجهم، فلو أراد أحد الروهينغيين الزواج فإن مدة حصوله على الإذن تصل إلى 10 سنوات".
وأضاف أن السلطات الميانمارية تفرض "حد الطفلين" على عائلات الروهينغا، وإذا ما أنجبت عائلة طفلا ثالثا فإنها تجبرها على الهجرة.
وأشار إلى أن "السلطات تسلب من الروهينغا أراضيهم وحقولهم، وتقوم بالاعتقالات والتعذيب والإعدامات".




























