Super User

Super User

هل ستحصل الانتخابات النيابية في لبنان؟ سؤال غريب طرِح قبل أيّام قليلة، والغرابة ليست فقط في مضمون السؤال، إنّما هي أيضاً من المصدر الذي انطلقَ منه، أي من واشنطن. وأمّا صاحب السؤال فهو شخصية لبنانية تشغل موقعاً وظيفياً فيها ومهمّاً في إحدى المؤسسات الأميركية الكبرى القريبة جداً من موقع القرار في الإدارة الأميركية.

هذه الشخصية، تواصلت هاتفياً من الولايات المتحدة مع شخصية لبنانية في باريس، تربطهما علاقة وثيقة. الشخصية اللبنانية ظنّت بدايةً أنّ هدف صاحب السؤال، هو الاستفسار عن مصير الانتخابات، فردّ على سؤاله بما حرفيتُه: "أكيد ستجري الانتخابات، ولا شيء يمكن أن يمنع إجراءها، وجميع السياسيين اللبنانيين يلتقون على هذا التأكيد.. وقبل أيّام أقفل باب الترشيحات ودخل البلد في مرحلة إعداد اللوائح الانتخابية، والأمور تجري بشكل طبيعي".

لكنّ صاحب السؤال لم يعِر اهتماماً لِما قالته الشخصية اللبنانية، بل إنّه عقّبَ على ما قالته بسؤال جعلَ الشخصية اللبنانية تتيقّن من أنّ خلف سؤاله أمراً ما، حيث قال " .. وهل أنتَ متأكّد من ذلك؟".

إرتابت الشخصية اللبنانية من هذا الكلام، فحاولت الاستفسار، لكنّها لم تتمكّن من انتزاع أيّ توضيح. حول هذا "الأمر ما"، أو ما إذا كان السؤال ملغوماً ويستبطن تفصيلات أبعد منه، أو معلوماتٍ ما تناهت إلى صاحب السؤال من بعض المستويات الاميركية. بل إنّ الشخصية اللبنانية ازدادت إرباكاً وحيرةً عندما قالت لصاحب السؤال: متى سنراك في لبنان؟ فأجاب "كنتُ سآتي لتمضيةِ عطلة الفصح، لكنّني فكّرتُ وعدلتُ عن ذلك في الوقت الحاضر!"، وهنا انتهى الاتصال.

في تقييم هذا السؤال لبنانياً، ثمّة وجهات نظر متعدّدة:

الأولى، تستخفّ بالسؤال وتعتبره بلا أيّ معنى، وفاقداً لقيمته أمام الإجماع اللبناني والإقليمي والدولي على إتمام الانتخابات النيابية في موعدها. ومن دون أيّ تأخير.

الثانية، تجده جديراً بالتوقف عنده، إذ قد يكون مكمّلاً للأسئلة التي ما زالت تُطرَح في لبنان من قبَل شريحة واسعة من اللبنانيين حول مصير الانتخابات وتشكّك بإجرائها.

الثالثة، تجده باعثاً لحذرٍ جدّي، إذ ربّما يكون هذا السؤال وربّما التشكيك بإجراء الانتخابات متداوَلاً به بجدّية سواء في واشنطن أو في أيّ مِن العواصم الغربية.

الرابعة، تجده مبرّراً، في ظلّ الغموض الذي يسود كلَّ ساحات المنطقة المفتوحة أصلاً على شتّى الاحتمالات والمفاجآت والتطوّرات، بما فيها لبنان.

وجهة النظر الرابعة يتبنّاها أحد الخبراء في السياسة الأميركية، الذي يحدّد جملة شواهد باعثة على القلق، بحيث يصبح معها السؤال مشروعاً ليس فقط عن مصير الانتخابات في لبنان، بل عن مصير منطقة الشرق الأوسط بشكل عام:

- الأوّل، التغييرات المتتالية التي تشهدها الإدارة وآخرُها إخراج وزير الخارجية الاميركية ريكس تيلرسون بالإقالة المهينة، وتعيين مدير وكالة الاستخبارات المركزية "سي أي آيه" مايك بومبيو بدلاً منه، وكذلك تعيين "السجانة" صاحبة سجلّ التعذيب في تايلاند جينا هاسبل على رأس الـ "سي أي ايه"، والتي تعكس توجّهاً جدّياً لإيكال زمام الأمور في الادارة الى "الصقور" في المعسكر الجمهوري الحاكم، مع ما قد يَعنيه ذلك من متغيّرات في السياسة الخارجية، ومع ما يعنيه ايضاً من خيارات جديدة من شأنها أن تقود إلى إضرام النار تحت الملفات الحساسة في العالم، وتأجيج المزيد من الحروب المشتعلة أصلاً... أو ربّما فتح جبهات جديدة عابرة للحدود والقارّات.

- الثاني، وضعُ الاتفاق النووي الإيراني على مقصلة الإعدام الاميركية، فقد كان تيلرسون من بين الأطراف المؤثّرة على دونالد ترامب للتريّث في تنفيذ شعار حملتِه الانتخابية المرتبطة بالانسحاب من "تسوية فيينا". إلّا أنّ وزير خارجيته الجديد قد يكون أكثرَ تناغماً مع الرئيس الأميركي، خصوصاً في ما يتعلق بهذا الملف بالذات، وتحديداً على أعتاب نهاية المهلة التي حدّدها ترامب لإعلان خيارهِ بشأن الانسحاب من الاتفاق النووي بحلول شهر أيار المقبل.

ومعلوم هنا أنّ بومبيو يوصَف بأنه "عدوّ متهوّر" لـ "التسوية النووية"، لا بل إنه "معارض شرس" لإيران الدولة والنظام، وليس للاتفاق النووي فحسب، خصوصاً أنه يتحرّك تحت مظلّة اللوبي الاسرائيلي في الولايات المتحدة، ويشكّل الذراع الطولى لنائب الرئيس الاميركي مايك بنس، الذي يُعتبر الأكثر قرباً والأكثر ولاءً سياسياً وأيديولوجياً لإسرائيل.

من هنا، فإنّ الشهرين المقبلين سيكونان مفصليَّين في حسمِ شكلِ العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، والقرار الأميركي بشأن الاتفاق النووي، مع أنّ كلّ المؤشرات باتت تشي بعودة التماهي بين الوجهتين الأميركية والإسرائيلية تجاه "تسوية فيينا".

الثالث، إدخال الأزمة السورية في منعطفات خطيرة، عبر العقلية الحربية الجديدة، التي قد تحكم أو تتحكّم بالادارة الاميركية. حيث إنّ هذه العقلية التي أسّست وتؤسس لها التغيرات التي تشهدها الإدارة الأميركية لا بدّ من أن تنعكس بدورها على الملف الشديد الحساسية في السياسة الخارجية الأميركية، والمتمثّل في الحرب السورية. والتي يبدو أنّ معسكر الصقور الجديد متعطّش لعملٍ عسكري يعيد للولايات المتحدة ما يَعتبره «فرصة ضائعة» في الشرق الأوسط. كما لا بدّ من أن تنعكس، أو هي بدأت بالانعكاس على العلاقات الاميركية الروسية.

في رأي خبيرِ السياسة الأميركية، أنّ هيمنة "الصقور"، على وزارة الخارجية، بالتوجّه الحربي الجديد، يشي بأنه قد يدفع بالعلاقات مع روسيا إلى أقصى درجات التوتر، وحول العديد من الملفات الدولية، كما قد يدفع بالتوازي واشنطن الى محاولة تشديد الضغوط السياسية الدولية على روسيا، لوقفِ اندفاعتِها المرشّحة لمزيد من التصاعد مع بدءِ الولاية الرابعة للرئيس فلاديمير بوتين.

ويلفت الخبير إلى أنّ نُذر هذا التوتر في العلاقة الأميركية مع الروس، بدأت تطلّ من البوّابة الفرنسية أوّلاً بالتهديد المتواصل للرئيس الفرنسي بتوجيه ضربةٍ عسكرية لسوريا على خلفية الملف الكيميائي، وكذلك من البوابة البريطانية بالتصعيد الأميركي - البريطاني الأخير ضدّ روسيا، على خلفية الحادثة المثيرة للريبة بشأن «الهجوم الكيميائي، الذي استهدف الجاسوس الروسي المنشقّ سيرغي سكريبال في بريطانيا، ومسارعة واشنطن ولندن الى اتّهام موسكو والشروع في محاولة اتخّاذِ خطوات عدائية، لعزلِ روسيا دولياً.

كما بدأت نُذر هذا التوتّر تطلّ من البوّابة السورية، حيث بات جليّاً أنّ فترة التفاهمات التي شهدتها العلاقات الأميركية - الروسية حول الملف السوري قد باتت صفحةً من الماضي.

وبهذا السياق أيضاً، يقول الخبير، يمكن إدراج الكثير من التحرّكات الأميركية الأخيرة في الميدان السوري، بدءاً بتحريك الملف الكيميائي مجدداً، مروراً باستمالة الأتراك، من بوّابة منبج وعفرين، وصولاً إلى التشويش على كلّ آفاق الحلّ السياسي في سوريا، سواء تعلّقَ الأمر بجنيف أو بأستانا وسوتشي.

لكن ما ينبغي التوقّف عنده ملياً وقراءة أبعادِه بتعمّق،على ما يقول الخبير، هو أنّ التهديدات الأميركية بعمل عسكري مباشر ضدّ الجيش السوري، قابَلها تأكيد روسي بأنّ أيّ خطوة أميركية متهوّرة ستستتبع "الرد المباشر على مصادر النيران". ولقد سبقَ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن حذّر بشكل واضح، من أنّ أيّ اعتداء "باليستي" على روسيا أو حلفائها سيُعدّ بمثابة هجوم نووي، يَستدعي بالتالي الرد، باستخدام أحدثِ الأسلحة الاستراتيجية».

هذه اللوحة كما يرسمها الخبير، تشِي بمخاطر وتداعيات إنْ حصَل اشتعال في أيّ ملفّ، سواء الملف النووي وآثاره، والتهديد بعمل عسكري أميركي ضد سوريا، وما يُحكى عن تغطية أميركية لحرب إسرائيلية على سوريا. كلّ ذلك من شأنه أن يضَع المنطقة كلّها أمام أفق مجهول، وأمام حرب لا حدود لها، ومِن غير المنطقي في هذه الحالة أن يقالَ إنّ لبنان سيكون بمنأى عنها.

نبيل هيثم

في مرحلة ما، كان المحور المقابل يعاني من غياب شريك فاعل في الساحة الإسلامية "السنية" يدحض التفاهم معه مذهبية الصراع في المنطقة. وبالرغم من محاولة إيران الرهان على حركة "الإخوان المسلمين" في مصر تحديدًا إبّان حكم محمد مرسي، إلا أنّ تجربة الإخوان في علاقاتها الخارجية عكست غياب الرؤية لديها داخليًا، ولم تُحسن إلتقاط الفرصة.

يُنقل عن دبلوماسي أميركي "عريق" معروف بقربه من إسرائيل قوله إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب "سعيد برؤية بنيامين نتنياهو و محمد بن سلمان يتوليان القيادة" وملء الفراغ الذي خلّفه الإنسحاب الأميركي من الشرق الأوسط، وتحديدًا من سوريا. هكذا يردّ الدبلوماسي الأميركي على التحليلات القائلة بأن الرياض وتل أبيب يسعيان لإعادة النفوذ الأميركي إلى المنطقة.

تطرق أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في كلمته التلفزيونية قبل الأخيرة في 10/11/2017 إلى قاعدة تحكم المشهد الإقليمي: "إسرائيل لا تعمل عند السعودية بل عند الولايات المتحدة وعند مصالحها وإسرائيل لن تذهب إلى حرب مع لبنان إلا إذا كانت سريعة".

قبل حرب تموز 2006، كان التقدير السائد أن إسرائيل تحكمها عوامل أخف قيداً عند دراسة قرار الحرب. بعد حرب تموز/ يوليو، بات التقدير أنّ إسرائيل لا تذهب إلى حرب من دون ضوء أخضر أميركي بالكامل.

ما القواعد الحاكمة الآن؟ هل بمقدور السعودية إقناع اسرائيل بشنّ حرب في المنطقة وإلى أي مدى بمقدور دول وجهات عربية لا تسير في الفلك السعودي أن تشكلّ عنصر توازن في وجه محاولات "مذهبة" الصراع؟

تُجمع التقديرات العسكرية الإسرائيلية، والأميركية، على إكتساب حزب الله لخبرات نوعية نتيجة الحرب في سوريا. لكن بُعدًا أخراً يتم إدراجه في حسابات الحرب: الإستنزاف. تعتقد العديد من الدراسات المرموقة، البعيدة عن العناوين الإعلامية البرّاقة، أنّ حزب الله قد وجد نفسه يقاتل "مسلمين" مثله في سوريا. ترتبط هذه الفكرة من منظور إسرائيلي بما تعتبره تل أبيب فرصةً لإضفاء طابع مذهبي على الصراع بالإستناد إلى آلة إعلامية محترفة تدفع بهذا الإتجاه. في الإتجاه نفسه، يكاد مصطلح "الدول السنية المعتدلة" لا يغيب عن أدبيات القادة والإعلام الإسرائيليين منذ حرب تموز 2006.

في مرحلة ما، كان المحور المقابل يعاني من غياب شريك فاعل في الساحة الإسلامية "السنية" يدحض التفاهم معه مذهبية الصراع في المنطقة. وبالرغم من محاولة إيران الرهان على حركة "الإخوان المسلمين" في مصر تحديدًا إبّان حكم محمد مرسي، إلا أنّ تجربة الإخوان في علاقاتها الخارجية عكست غياب الرؤية لديها داخليًا، ولم تُحسن إلتقاط الفرصة.

وبعد أن بدأت إرهاصات الإتفاق النووي مع إيران تلوح في الأفق، ضغطت إسرائيل أكثر باتجاه تقديم العالم العربي على أنه خاسرٌ من الإتفاق، مع أنّ مضمونه يعكس بوضوح إشارات للسلام الدولي والإقليمي ورغبةً إيرانية في فكّ الحصار. يمكن تحميل إيران وحلفائها مسؤولية محددة في هذه المسألة لناحية طريقة تقديم الإتفاق النووي للمحيط العربي إعلاميًا وسياسيًا، ما ساهم عن غير قصد في تعزيز "بروباغندا" الدول والجهات التي وجدت نفسها خاسرة منه؛ وفي مقدمها السعودية وإسرائيل.

لم تكن المفاوضات حول النووي الإيراني قد وصلت إلى مرحلة الإتفاق، حين بدأ اللبنانيون يتهامسون في الصالونات السياسية أنباءَ عن مداورة في موقع الرئاسات الثلاث، فضلًا عن إتفاق لتحويل حزب الله إلى ما يشبه "الحرس الثوري" للجمهورية اللبنانية. لم تكن هذه الأنباء بريئة، بل كانت إحدى خطوات التأجيج المذهبي والطائفي في لبنان، نظرًا لحساسية أي حديث يدور حول تغيير في شكل النظام المعتمد منذ عشرات السنين. بالتوازي، كان وزير الخارجية السعودي "عادل الجبير" يتنقل بين العواصم، ومن بينها بغداد، ناقلًا "تمنيات" بحصول حرب أميركية – إسرائيلية على إيران و حزب الله، مع أن السياق الأميركي وقتها كان قد بدأ بإعادة التموضع في الشرق الأوسط مع إقتراب نهاية ولاية باراك أوباما، وتصاعد الحديث في أروقة واشنطن حول الحاجة لنقل الإهتمام إلى الشرق الأدنى.

ناهيك عن أنّ المصلحة الفعلية الأميركية والإسرائيلية كانت حتى تلك اللحظة في الإستمرار في "إشغال" حزب والله وإيران في سوريا. فما الحاجة للذهاب إلى حرب إقليمية ما دامت سوريا "تستنزف" أعداء إسرائيل، بحسب تقديراتها؟

أما وقد انتهت ورقة "داعش" العسكرية، وباتت "النصرة" محاصرةً في جيب جغرافي سهل التعامل معه نسبيًا، فإنّ "الإستنزاف" الذي كانت تحسبه إسرائيل ورقة رابحة قد إنتفى، وهناك حاجة لتثبيت اركان نظرية "الدول السنية المعتدلة" التي تنادي بها تل أبيب منذ أكثر من عقد من الزمن.

في هذه اللحظة، إرتكبت السعودية خطأ استراتيجيًا لا يمكن فهمه سوى بأنه نتيجة إنفعال وتسرّع "الحاكمون الجدد" في المملكة، من خلال إستعداء قطر وشرخ التحالف الخليجي الهش.

هذا الإستعداء أثار بطبيعة الحال شهية الإدارة الأميركية للمال عملًا بسياسة الإبتزاز الرسمية التي نجح دونالد ترامب في جعلها منهجًا لسياسة واشنطن الخارجية، في ظلّ صمت إسرائيلي حيال الأزمة تخرقه بين الحين والأخر تحذيرات من تطور الخلاف العربي – العربي !

عند هذه النقطة، تبحث الرياض وتل ابيب مرة جديدة عن التقاء المصالح. ليس من مصلحة السعودية وجود أصوات عربية معارضة لتزعمها وقيادتها العالم العربي. وليس من مصلحة إسرائيل وجود "دول سنية غير معتدلة". لذا، ستجد المقاومة الفلسطينية نفسها محاصرة وسط هاتين المصلحتين، وليس مستبعدًا أن تقع إسرئيل في حسابات خاطئة عند جبهتها الجنوبية نتيجة إلتقاء المصالح مع السعودية. لهذا حذر أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير المقاومة الفلسطينية من مخاطر المرحلة المقبلة، ولهذا أيضاً أشار بوضوح إلى عمل الحزب على نقل السلاح النوعي إلى فلسطين المحتلة.

علي شهاب

أجرى وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي مباحثات مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني في العاصمة طهران التي وصلها مساء الجمعة، تركّزت على آخر التطورات الإقليمية والدولية.

بن علوي الذي سيلتقي غداً الأحد نظيره الإيراني محمد جواد ظريف، أكّد أنّ إيران دولة صديقة وشريكة لسلطنة عمان، واصفاً إياها بالجار الموثوق ومقدّراً دورها في توفير الاستقرار والأمن للمنطقة.

وأكد الوزير العماني عقب لقائه بشمخاني أنّ الاستفادة من الأدوات العسكرية لتنفيذ الأجندات السياسية "سلوك غير مقبول"، وأنّ تجارب السنوات الماضية التي أظهرت هدر الثروات الإنسانية والمالية لدول المنطقة تُثبت أنه يجب انتهاج "الحوار والتفاهم بدل العنف والعسكرة".

من ناحيته أكّد شمخاني أنّ أمن الخليج(الفارسي) والمنطقة يكمن في التعددية والابتعاد عن أي خلق للتوتر والتركيز على المشاركة الإقليمية المسؤولة.

وإذ شدد شمخاني على أنّ تعزيز العلاقات البنّاءة على جميع الصعد مع جوار إيران وفق المصالح المشتركة هو أبرز أولويات السياسة الخارجية لبلاده، أوضح أيضاً أنّ سياسة إيران في تعزيز العلاقات مبنية على التعاون والتفاهم وضبط النفس.

ورأى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي أن بعض دول المنطقة ابتعدت عن "الحكم الرشيد وباتت تنهج سلوكاً متسرّعاً وتطلق تصريحات متكبّرة"، وأنها جعلت إدارة أزمات المنطقة تواجه مشكلات جدية.

 

تطابق في المواقف بين طهران ومسقط حول سبل حل الأزمة اليمنية

ولفت شمخاني إلى أن بلاده قلقة من استمرار قتل النساء والأطفال في اليمن، ومواصلة السعودية والإمارات قصف هذا البلد، مشدداً على أن مواقف طهران ومسقط مشتركة بشأن أزمة اليمن وهي وقف الحرب سريعاً وتثبيت وقف إطلاق النار ورفع الحصار وإرسال المساعدات الإنسانية وانطلاق حوار يمني – يمني لتأسيس هيكليات سياسية جديدة حسب إرادة الشعب اليمني.

وتابع شمخاني "لا حلّ عسكريّ للأزمة اليمنية والطريق الوحيد لإعادة الأمن والاستقرار إلى اليمن هو الاستفادة من الحلول وإشراك المجموعات اليمنية السياسية والقومية ذات الأرضية الشعبية في الهيكلية السياسية المستقبلية".

 

تحذير إيراني لأوروبا..والبرنامج الصاروخي مستمر بطبيعته الردعية

وتطرّق شمخاني إلى ما تمّ تسريبه إعلامياً حول عقوبات أوروبية محتملة على بلاده فيما يتعلٌّ بالاتفاق النووي الإيراني وقال إنّ عدم التزام أميركا بعهودها وسلوكها غير القانوني حيال الاتفاق النووي وموقف أوروبا "المنفعل من ذلك" هو دليل واضح على ضرورة تركيز دول المنطقة جهودها على "الحلول المحلية" لحل الأزمات والمشكلات.

وبحسب شمخاني فإنّ إيران ستردّ بشكل مناسب وفي الوقت المناسب على نقض أميركا المكرّر لعهودها في الاتفاق النووي، مؤكداً أن طهران لن تقبل أي تغيير أو خطوة تحدّ جديدة من الاتفاق النووي.

وحذّر المسؤول الإيراني أوروبا "من اللعب في أرض أميركا وإسرائيل والردّ بإيجابية على ابتزازها بحجة الحفاظ على الاتفاق النووي".

شمخاني الذي أوضح أنّ قدرات إيران الدفاعية خاصة البرنامج الصاروخي هو ذو "طبيعة ردعية" ومبنية على أساس ضرورات الأمن القومي، قال إنّه البرنامج سيتواصل بجدية وأنّ "الضوضاء السياسية والإعلامية" لن تؤثر في استمراره.

بدأت وزارة العمل السعودية، اليوم الأحد، تطبيق قرار قصر العمل في منافذ تأجير السيارات في مناطق المملكة كافة على السعوديين، لتوفير 21 ألف وظيفة للمواطنين.

وقالت الوزارة في بيان، إن القرار يأتي لرفع مستوى مشاركة الكوادر الوطنية البشرية في سوق العمل، من خلال توفير حلول نوعية تعزز التوطين المنتج والمستدام لسوق العمل.

وأكد المتحدث الرسمي للوزارة خالد أبا الخيل في البيان، أن "المهن المشمولة بقرار توطين منافذ تأجير السيارات هي: المحاسبة، والإشراف، والمبيعات، والاستلام والتسليم".

وتعتمد السعودية وبقية دول الخليج، بشكل كبير على العمالة الأجنبية.

بلغ عدد المشتغلين في السعودية بنهاية الربع الثالث 2017، نحو 13.76 مليون فردا، 10.69 ملايين منهم أجانب (77.7 بالمائة)، مقابل 3.06 ملايين سعوديين (22.3 بالمائة).

كانت السعودية كثفت خلال العامين الماضيين من توطين العمالة المحلية في عديد القطاعات الاقتصادية، واشترطت عمالة محلية فقط في قطاعات عدة كالتأمين والاتصالات والمواصلات، مع بلوغ نسب بطالة الموطنين في المملكة 12.8 بالمائة.

وستقصر الحكومة السعودية، العمل في منافذ البيع لـ 12 نشاطا ومهنة معظمها بقطاع التجزئة، على السعوديين والسعوديات فقط، بدءا من 11 سبتمبر/ أيلول المقبل.

أغلقت مكاتب الاقتراع في أقصى شرق روسيا أبوابها اليوم الأحد بعد أن كانت فتحتها أمس السبت، حيث توجه الناخبون الروس إلى مراكز الاقتراع في موسكو والجزء الأكثر كثافة سكانية في روسيا للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية.

ولفت مراسل الميادين إلى انتهاء عمليات التصويت في المراكز الانتخابية في أقصى شرق روسيا حيث سجلت نسبة إقبال عالية، مشيراً إلى أنها بلغت 70 بالمئة.

الناخبون أدلوا بأصواتهم في 97 ألف مركز اقتراع في جميع أنحاء روسيا بالإضافة إلى 400 مركزٍ خارج البلاد.

مراسل الميادين في موسكو أفاد بأن الشرطة الأوكرانية عملت على منع ناخبين روساً من الاقتراب من السفارة الروسية في كييف للاقتراع.

وتمّ فتح أبواب مراكز الاقتراع في مدينة سان بطرسبورغ، وشبه جزيرة القرم، وجميع مدن المنطقة الفدرالية الوسطي، المنطقة الفدرالية الشمالية الغربية، منطقة حوض نهر الفولغا، المنطقة الفدرالية الجنوبية، ومنطقة شمال القوقاز الفدرالية، وجميع المدن الروسية التي تعيش وفق توقيت موسكو وذلك حتى الساعة الثامنة مساء اليوم.

وأدلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بصوته في الانتخابات. وكما هو معتاد عليه، ذهب بوتين إلى مركز الاقتراع رقم 2151، والموجود بأكاديمية العلوم الروسية. ولدى اقتراعه قال بوتين "برنامجي هو الصحيح".

ويتنافس في الانتخابات ثمانية مرشّحين في مقدّمهم الرئيس الحاليّ بوتين الذي يتوقّع أن ينال الغالبية الساحقة من الأصوات بحسب استطلاعات الرأي. ويضمن فيها بوتين الفوز بولاية رئاسية رابعة من ست سنوات.

ومن الجدير بالذكر أن التنافس في الانتخابات الرئاسية الروسية بين المرشحين الثمانية يتم إدراج أسمائهم على ورقة الاقتراع وفق الأبجدي: سيرغي بابورين عن "الاتحاد الشعبي الروسي"، ورجل الأعمال بافل غرودينين عن الحزب الشيوعي الروسي، والقومي فلاديمير جيرينوفسكي عن الحزب "الليبرالي الديموقراطي الروسي" والرئيس الحالي فلاديمير بوتين (مستقل)، والمرشحة الليبرالية كسينيا سوبتشاك عن حزب" المبادرة المدنية"، ومكسيم سورايكين عن "شيوعيي روسيا"، والمفوض المعني بحماية حقوق رجال الأعمال في روسيا بوريس تيتوف عن "حزب النمو"، وغريغوري يافلينسكي عن حزب "يابلوكو" الليبرالي.

ويحق التصويت في الانتخابات لأي مواطن من روسيا الاتحادية، بلغ الـ 18 من عمره وبكامل قواه العقلية، ومن غير الموجودين في السجن بقرار من المحكمة.

وحسب معطيات لجنة الانتخابات المركزية، فقد تمّ تسجيل 111 مليوناً و425 ألفاً و443 ناخباً داخل الأراضي الروسية وخارجها، يحق لهم التصويت.

وسيعمل أكثر من 115 ألف عنصر من فرق الإنقاذ وحوالي 19 ألف قطعة من المعدات على ضمان أمن سير الانتخابات الرئاسية في كافة أنحاء البلاد.

وأشرف على التحضير لانتخابات الرئاسة في روسيا وإجرائها لجنة الانتخابات المركزية، واللجان الانتخابية لأقاليم روسيا الاتحادية واللجان المحلية على مختلف المستويات، حيث تعلن اللجنة، بدء التصويت في انتخابات "رئيس روسيا الاتحادية" في 17 أذار/ مارس في تمام الساعة الـ 23:00 بتوقيت موسكو، وهو التوقيت الفعلي لفتح مراكز الاقتراع في فلاديفوستوك في أقصى الشرق الروسي.

 

زيارة بوتين للقرم تثير اهتمام الغرب

من جهته، الرئيس الروسي أكد من القرم قبيل انتهاء حملته الانتخابية أن سكان شبه الجزيرة استعادوا العدالة التاريخية المنتهكة.

وبعد يومين من إعلان الاتحاد الأوروبي أنه لن يعترف بمشاركة هذه المنطقة في الرئاسيات الروسية توجه بوتين إلى الأهالي وشكرهم على اتخاذ ما وصفه بالقرار التاريخي. هذا القرار بحسب قوله أعاد القرم وسيفا ستوبول إلى حضن الوطن المشترك روسيا الأم.

زيارة بوتين إلى القرم والكلمة التي ألقاها هناك أمام مناصريه لاقت اهتمام بعض الصحف الغربية، حيث قالت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية إنه "في اليوم الذي كان فيه بوتين محور الغضب الدولي على خلفية الهجوم الكيميائي على الجاسوس سيرغي سكريبال وصل بوتين إلى القرم في مشهد يثير غضب الغرب أيضاً.

وأضافت الصحيفة أن التجمع في مدينة سيفا ستوبول كان فرصة لبث الحماسة في الناخبين الروس في مكان ينظر كثيرون إليه على أنه أكبر انتصارات بوتين.

أما صحيفة "التايمز" البريطانية فقد سلطت الضوء أيضاً على الزيارة ونشرت مقتطفات من كلمته أمام مناصريه الذين رفعوا الأعلام الروسية وقالت إن "زيارة بوتين بدت كأنها بمثابة توبيخ للغرب ردّاَ على تمديد الاتحاد الأوروبي العقوبات على موسكو ستة أشهر أخرى على خلفية ضم القرم.

هذا وانتقدت السفارة الروسية لدى واشنطن بشدة تصريحات الخارجية الأميركية بشأن شبه جزيرة القرم وعدّتها محاولة سافرة للتأثير في الوضع السياسي بروسيا.

وقالت السفارة الروسية إن الاتهامات المزعومة لموسكو بتقويض النظام الدولي على خلفية زيارة بوتين القرم عارية من الصحة، وهي محاولة أخرى للتأثير في الوضع السياسي الداخلي خلال الانتخابات لكنها لن تنجح.

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مساء السبت، إن "قوات الجيش ستهدم قريبًا منزل منفذ عملية الدهس، التي وقعت شمالي الضفة الغربية، الجمعة، وأدت لمقتل عسكريين إسرائيليين (اثنين) وإصابة اثنين آخرين".

وتعهد نتنياهو عبر حسابه بموقع "تويتر" بـ"محاسبة" المنفذ، مضيفا: "لن نسمح للإرهاب بأن يصبح حقيقة قائمة".

يأتي ذلك بعد ساعات من إعلان المتحدث العسكري الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، في تغريدات عبر "تويتر"، السبت، أن قوات الجيش ستهدم منزل الشاب الفلسطيني (علاء قبها) منفذ عملية الدهس، مشيرا إلى أن المنزل يقع بقرية برطعة، شمال غربي محافظة جنين، شمالي الضفة.

وعادة ما يقوم الجيش الإسرائيلي بإغلاق أو هدم منازل الفلسطينيين الذين ينفذون هجمات، مستندا إلى قانون طوارئ صادر في 1945 أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين، رغم الإدانات الدولية والإقليمية المتصاعدة لذلك الإجراء كونه شكلا من أشكال العقاب الجماعي.

من جانبه، قال الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، اليوم، في تصريحات نقلها الموقع الإلكتروني لصحيفة "يديعوت أحرنوت" إن "الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ستواصل العمل ضد كل من يحاول تنفيذ هجمات".

وأضاف: "لن نرتاح حتى نقدم كل من يتعاون مع الإرهاب إلى العدالة".

واليوم أيضا، قال جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك)، في بيان، إن مرتكب العملية، اعترف خلال التحقيق معه أنه نفذها "بمفرده ولدوافع قومية".

وأمس الجمعة، قال الجيش الإسرائيلي في بيان، إن جنديين قتلا، وأصيب آخران، وصفت حالة أحدهما بالخطيرة، "في عملية دهس" تعرضت لها قوة عسكرية كانت تقوم بحماية عمال قرب مستوطنة "ميفو دوتان"، جنوب مدينة جنين، شمالي الضفة الغربية.

فيما ذكرت الوكالة الفلسطينية للأنباء "وفا" أمس، أن الواقعة هي حادث سير بين سيارة فلسطينية وسيارة عسكرية إسرائيلية.

وجاءت هذه العملية عقب مواجهات شهدتها الأراضي الفلسطينية، بين شبان والقوات الإسرائيلية، في إطار الاحتجاجات الرافضة للقرارات الأمريكية بشأن القدس، بالتزامن مع مرور 100 يوم على قرار الرئيس دونالد ترامب، اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل.

الأحد, 18 آذار/مارس 2018 06:56

شُبهات وتساؤلات حول المرأة (9)

قال بعضٌ: إن الدين الإسلامي اضطهد المرأة، وظلمها بجعل حظها من الميراث نصف حظ الرجل، كما جعل ديتها في القتل نصف ديته، وهذا معناه أن قيمة الرجل في الإسلام أعظم من قيمة المرأة.

* * * * *

إرث المرأة في الجاهلية والغرب:

كانت المرأة في الجاهلية محرومة من الإرث، وكان الذكر هو الوارث الوحيد، وإذا لم يكن بين الأولاد ذكور، ذهب الميراث إلى الأعمام، كما أخرج مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب قال: «والله، إنّا كنّا في الجاهلية ما نعدّ للنساء أمراً، حتّى أنزل الله فيهنّ ما أنزل، وقسم لهنّ ما قسم»([1]).

وكذا المرأة الأروبية في العصور الوسطى حتى عصر النهضة الصناعية الكبرى، فقد كانت محرومة من الإرث عموماً.

الإرث في الإسلام:

جاء الإسلام وجعل أسهم الميراث شاملة للأولاد جميعاً بنات وبنين، عزّاباً ومتزوّجين، إلاّ أنّ حصّة البنات من الميراث نصف حصّة البنين. قال تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)([2]). والسبب في تحديد الإسلام سهم المرأة، وجعله نصف سهم الرجل، الوضع الخاص للمرأة؛ حيث لم يفرض عليها أي نفقة أو كسب، فعندما تكون تحت كنف أبيها تجب نفقتها عليه، وبعد أن تنتقل إلى كنف الزوج لا تتحمل من نفقات حياتها ومعيشتها ومعيشة أولادها شيئاً حتى لو كانت غنية والزوج فقيراً، بل أوجب الشارع على زوجها نفقتها ونفقة عيالها ما دامت على عاتقه، كما فرض على الرجل صداقها ومهرها، وعلى هذا فلا تتكلف المرأة عناء الإنفاق، بينما يتحمل الرجل كل ذلك، ومن هنا، فما يصل إليها من الميراث يبقى لها ومدخر عندها، بينما ما يأخذه الرجل ينفقه عليها وعلى عياله، فاقتضت حكمة الله تعالى أن يوزّع الميراث للرجل مثل حظ الأنثيين، تعويضاً له عما ينفقه ويبذله على أسرته.

وهذا المعنى قريب من الجواب الذي قاله الإمام الصادق (ع)  لابن أبي العوجاء حين اعترض على الإسلام. فقد روى الصدوق في علل الشرائع بسنده عن هشام بن سالم عن الأحول قال: «قال لي ابن أبي العوجاء، ما بال المرأة الضعيفة لها سهم واحد وللرجل القوّي الموسر سهمان؟ قال الأحول: فذكرت ذلك للصادق (ع)  فقال: على الرجال النفقة والعاقلة والجهاد... وعدد غيرها: وليس هذا عليها، فلذلك جعل له سهمان ولها سهم». وروى فيه أيضاً بسنده عن عبد الله بن سنان قال: «قلت للصادق (ع) : لأي علّةٍ صار الميراث للذكر مثل حظّ الأنثيين؟ قال (ع) : لما جعل لها من الصداق». وروى فيه بسنده عن أخيه محمد بن سنان أنه كتب إلى الرضا (ع)  مسائل منها هذه المسألة، فكتب إليه: «علّة إعطاء النساء نصف ما يعطى الرجال من الميراث، لأنّ المرأة إذا تزوّجت أخذت وأعطاها الرجل، فلذلك وفّر عليه، ولأنّ الأنثى في عيال الذكر إن احتاجت فعليه أن يعولها وعليه نفقتها، وليس على المرأة أن تعول الرجل، وإن احتاج فلا تؤخذ هي بنفقته، فلذلك وفّر عليه»([3]).

إذاً تأخذ المرأة ثلث الثروة الموروثة لتنفقها على نفسها، ويأخذ الرجل ثلثي الثروة لينفقها أولاً على زوجته أي على المرأة، وثانياً على أسرته فأيّهما يصيب أكثر من الآخر بمنطق الحساب والأرقام؟ فهل بقيت بعد ذلك شبهة في القدر الحقيقي الذي تناله المرأة من مجموع الثروة؟ وهل هو امتياز حقيقي في حساب الاقتصاد، أن يكون للرجل مثل حظ الأنثيين، وهو مكلّف بما لا تتكلفه الأنثى؟

على أن هذه النسبة إنما تكون في المال الموروث بلا تعب، فهو يقسم حسب أعدل قانون وصلت إليه البشرية اليوم، وهو «لكلٍ حسب حاجته»، أما المال المكتسب فلا فرق بين الرجل والمرأة، لأنه يتبع مقياساً آخر هو المساواة بين الجهد والجزاء. قال تعالى: (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ)([4]).

وهذا الاختلاف في الميراث هو في إرث الأولاد والزوجين، وفي كثير من الفروض يتساوى الرجل والمرأة في الإرث، منها: أن الأبوين يتساويان فيه؛ إذ نصيب كل واحد منهما السدس. ومنها: أن المرأة والرجل من أقرباء الأمّ يتساويان فيه أيضاً.

إذاً فلا ينبغي أن يتوهّم وجود أي ظلم في مسألة تقسيم الإرث بين الذكر والأنثى، وليس معنى قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)([5]) أن قيمة المرأة هي نصف قيمة الرجل في حساب الإسلام، كما يفهمه العوام، ويقوله أعداء الإسلام.

لماذا دية المرأة نصف دية الرجل؟

الجواب عن هذه المسألة هو نفس الإجابة عن مناصفة إرثها، ولنا أن نسحب ما أجاب به أولياء الإسلام أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عن شبهة مناصفة إرثها إلى هذه المسألة، أي مناصفة ديتها، إذ الحكمة الجارية للتنصيف جارية في البابين بدون فرق في البين.

ولزيادة التبيين نقول: إن كون دية المرأة ـ وهي العوض المالي عن قتلها ـ نصف ديّة الرجل ممّا حكم به  الفقهاء ويعتبر ـ إلى حد ما ـ من الأحكام المسلمة، ولكنه لا يعدّ تحقيراً للمرأة، لأن قيمة الإنسان ليست بجسمه ودمه حتّى يقيّم على قدر الدية، فلا يوجد فرق بين دية الفيلسوف ودية العامل، لأن الدية في قبال الجسم وليست قبال الروح، فإنّ قيمة الإنسان بروحه وعقله هذا أوّلاً، وأمّا ثانياً: فلأن اختلاف ديّة الرجل والمرأة في الإسلام له علل وأسباب، منها: أن جسم الرجل أقوى من جسم المرأة، وبه يؤمن نفقة العيال، ويتحمّل اقتصاد البيت، كما جاء هذا المعنى بالنسبة إلى مناصفة إرث المرأة، فقتل الرجل في الحقيقة قتل لأسرته؛ لأنه المصدر لرزقها واحتياجاتها، فلذلك كانت ديته ضعف ديتها؛ تغطيةً لنفقات عائلته، وجبراً لما فاتها من خيره وكسبه، بينما قتل المرأة لا يؤثر على الأسرة من الجهات الاقتصادية بشيء، لأن قيام الأسرة ليس على ذمتها، فكانت ديتها تعويضاً عن قتلها فقط.

وبعبارة أخرى Sأن الدية خلافاً لتصور البعض ليست ثمناً للدم، لأن ثمن دم الإنسان بنظر الإسلام يساوي آلاف أضعاف مقدار الدية.. بل يساوي دماء كل البشر لقوله تعالى:(مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنّمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً)([6]).

..وعليه فالدية في الحقيقة جزاء وعقوبة للقاتل، وفي نفس الوقت جبران للخسارة المالية الناشئة من فقد المقتول، فهي عقوبة لردع الناس عن اقتراف القتل، ولكي يحتاط الإنسان في تصرفاته، فلا يرتكب مثل هذا الخطأ الفظيع، وهي جبران للخسارة المالية، لأن فقد القتيل يسبب عجزاً وخللاً لعائلته، فالدية تشغل هذا النقص وتسد هذا العجز، ولما كان الضرر الاقتصادي ناشئاً من قتل النساء وفقدانهن، صارت دية المرأة نصف دية الرجل([7])R.

وفي مقام الجواب عن سؤال قد يثار في البين وهو أن النساء في هذا العصر يشاركن مشاركة فعالة في كثير من الحقول الاقتصادية جنباً إلى جنب الرجل، فهل دية هؤلاء النسوة على النصف من دية الرجل، أم أنها مساوية لديتها؟

يقول آية الله مكارم الشيرازي: Sأشرنا مسبقاً إلى أن لتشريع القانون يلاحظ فيه الحالات العامة والغالبة، لا الحالات الفردية المحدودة، ولا شك في أن مجموع رجال المجتمع أكثر فعالية من مجموع النساء في ذلك المجتمع.

وبتعبير آخر: إن فلسفة وحكمة تشريع القوانين موجودة في الحالة الغالبة والعامة، لا في كل الأفراد، ومع ذلك فإن القانون يطبق على كل الأفراد بلا استثناء حتى أولئك الذين لا تتوفر فيهم حكمة القانون وغاياته. R. ([8]).

 

[1] ـ صحيح مسلم 4: 14.

[2] ـ النساء: 11.

[3] ـ علل الشرائع 2: 293، ط بيروت، جاء ما ذكرناه نقلاً عن مقالٍ تحت عنوان: المرأة في الإسلام والجاهلية، بقلم الشيخ محمد هادي اليوسفي، مجلة رسالة الثقلين العدد 25، سنة 1419هـ .

[4] ـ النساء: 32.

[5] ـ النساء: 11.

[6]ـ المائدة: 32.

[7]ـ بحوث فقهية هامة :148 .

[8]ـ بحوث فقهية هامة: 154.

التفسير نحو من التصديق، لأنّه الحكم بأنّ هذا هو معنىٰ الآية وهو مقصود الله منها، فهذا هو نوع من القضيّة والمسألة. ولذلك فإنّ علم التفسير كالعلوم الاُخرىٰ له مبادئ ومسائل، وكما سبق فإنّه ينبغي أن يؤخذ في تعريفه قيد: «بقدر الطاقة البشريّة».

وإذا أتينا إلى التفسير بالرأي فهو إمّا أن يكون بسبب «الجهل» في مقابل العلم والوعي أو بسبب «الجهالة» في مقابل العقل والورع، حيث انّ أحدهما يرجع الىٰ النقص في العقل النظريّ والآخر يرجع الىٰ النقص في العقل العمليّ. فكلُّ آية تُفسَّر خلافاً للقواعد العلميّة: ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة وخلافاً للفضائل النفسانيّة: ﴿يُزَكِّيهِم فتفسيرها تفسير بالرأي، ومن هذه الناحية لافرق بين آيات الدعوة العامّة وآيات الأحكام والمعارف الخاصّة، يعني انّ الأمر الصريح والنص والضروريّ ليس بحاجة الىٰ التفسير سواء كان من سنخ الدعوة والهداية العامّة أو كان ناظراً الىٰ بيان الأحكام الفقهيّة وأمثالها، وأمّا الأمر غير الضروريّ وإنّما هو نظريّ وغير صريح والّذي يدعوا الىٰ الإستفهام والتأمّل فهو يحتاج الىٰ التفسير، وهنا لايصحّ التفسير بالرأي.

ومن التفسير بالرأي التفسير غير المطابق لموازين ومعايير المحاورة والمفاهمة العربيّة وأيضاً غير الموافق لاُصول ولقواعد العلوم العقليّة المتعارفة وكذلك التفسير غير المنطبق مع الخطوط الكليّة للقرآن نفسه و... وامّا التفسير المنهجيّ والعلميّ المصون من الآفات والعيوب المذكورة فهو تفسير جائز وصحيح. والشاهد علىٰ اختصاص التفسير بالرأي بما ذُكر هو انّ النصوص الناهية عن التفسير بالرأي محفوفة بقرائن متعدّدة؛ لأنّه قد جاء في بعض هذه النصوص: «من فسّر القرآن برأيه فقد افترىٰ علىٰ الله الكذب ومن أفتىٰ بغير علم لعنته ملائكة السماء والارض. كلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة سبيلها الىٰ النار».[1] ففي هذا الحديث جُعل التفسير بالرأي الىٰ جانب الإفتاء بغير علم، وكلاهما قد اعتبر بدعة. ومن الواضح انّ المقصود من الإفتاء بغير علم هو الإفتاء بالرأي، والاّ فإنّ المجتهد الجامع لشروط الإفتاء وإن كان يبيّن رأيه لكنّ ذلك الرأي العلميّ ليس أبداً مصداقاً للفتوىٰ بغير علم. أمّا في التفسير بالرأي فإنّ الأمر يكون بهذا الشكل.

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «قال الله جلّ جلاله: ما آمن بي من فسَّر برأيه كلامي وما عرفني من شبّهني بخلقي وما علىٰ ديني من استعمل القياس في ديني»[2]. ففي هذا الحديث جعل التفسير بالرأي الىٰ جانب تشبيه الخالق بالمخلوق وفي حكم القياس بالدين وكلا الأمرين بعيد عن العلوم المتعارفة والاُصول العلميّة البيّنة، وبالنتيجة فهما من الجهل وليسا من العلم.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام) في جواب سؤال حول القضاء والحكومة: «من حكم برأيه بين اثنين فقد كفر ومن فسَّر برأيه آيةً من كتاب الله فقد كفر».[3] في هذا الحديث ذُكر التفسير بالرأي الىٰ جانب الحكم المستند الىٰ الجهل والهوىٰ، أي انّ قضاء الحاكم إذا لم يستند الىٰ العلم الناشئ من الأدلّة والشواهد أو الشهادة واليمين فإنّه مستند الىٰ رأي الحاكم وهواه فحسب. وتفسير القرآن بالرأي هو أيضاً بهذا المعنىٰ، فإذا لم يكن التفسير طبقاً لقانون التفاهم والمحاورة من جهة ومطابقاً للشواهد العقليّة والقرآنيّة من جهة اُخرىٰ وللشواهد الروائيّة في موضع الحاجة وعدم لزوم الدور من جهة ثالثة، فإنّه تفسير مذموم.

ومن الطبيعي أن تكون الشواهد العقليّة والأدلّة العلميّة وما يستنتجه البشر عن طريق العقل لا الوهم والخيال والقياس والظنّ، من جملة مصادر تفسير القرآن وليست جميعها. وعليه فإنّ من اللازم البحث في جميع المعارف القرآنيّة من جهة والتأمّل في جميع الأحاديث وشواهد السيرة وأسباب النزول التابعة من جهة اُخرىٰ. وبهذا تتّضح معاني بعض الأحاديث الناهية عن التفسير بالرأي.

مثلاً، ماجاء عن الإمام الصادق(عليه السلام) من قوله: «ليس شيء أبعد من عقول الرجال منه [القرآن] إنّ الآية لتنزل أوّلها في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متّصل ينصرف علىٰ وجوه».[4] ناظر إلىٰ النهي عن الإستبداد في الرأي في فهم القرآن أو البحث عن كنه وباطن الآيات، أي لايحقّ لأيّ مفسِّر أن يفسّر آية من القرآن اعتماداً علىٰ الشواهد العلميّة والبراهين العقليّة وحدها، ويغفل عن الشواهد النقليّة الأعمّ من القرآنيّة والروائيّة والتاريخيّة، أو أن يقول بالجمع بين الأدلّة العقليّة والنقليّة ويدّعي التوصّل الىٰ معرفة كُنه الآيات ويقول: انّ رأيي موافق لبواطن وأعماق المقصود القرآنيّ. إذاً فمثل هذه الروايات ليست هي بصدد النهي عن أصل التفسير العلميّ ولا تهدف الىٰ منع حجيّة ظواهر القرآن. وكما اُشير سابقاً وهو يظهر أيضاً من التشبيه بالقضاء فإنّ حكم التفسير بالرأي كحكم القضاء بالرأي بين المتخاصمين، إذ انّ هذا الرأي حتّىٰ لو صادف الواقع أيضاً فهو علىٰ الرغم من انّه حكم ذو حُسن فعليّ لكنّ القاضي الجاهل بسبب فقدانه الحسن الفاعليّ ولأجل تجرّيه الوقيح وتجاسره القبيح يستحقّ الجزاء الإلهيّ والعقوبة بالنار. وكذلك حكم التفسير بالرأي. فقد جاء في خصوص باب القضاء: «رجل قضىٰ بحقّ وهو لايعلم فهو في النار»[5] فإذا ما ارتقىٰ رجل سُدّةَ القضاء ظُلماً وزوراً وراح يقضي ويحكم عن جهل فهو من أهل جهنّم، وإن كان حكمه مطابقاً للواقع. نعم يمكن أن تكون عقوبة مثل هذا الحاكم أقلّ من عقوبة الحاكم الّذي يتولّىٰ منصب القضاء بغير علم ويحكم خلاف الواقع أيضاً. وفي مسألة التفسير بالرأي يوجد مثل هذا الفرق أيضاً، ولكنّ أصل الحرمة الفقهيّة وجهنّم الكلاميّة باقية في محلّها. والسبب في منع القضاء بدون علم والتفسير بالرأي هو المبادرة مع الجهل، سواء كان هناك علم بالخلاف أم لا. طبعاً إذا كان لدىٰ مثل هذا المفسِّر علم بالخلاف فإنّ وزره سيغدو أكبر وعقوبته مضاعفة.
 
* آية الله الشيخ جوادي آملي - بتصرّف

[1] . تفسير البرهان، ج1، ص18.
[2] . تفسير البرهان، ج1، ص18.
[3] . نفس المصدر، ص19.
[4] . تفسير البرهان، ج1، ص19.
[5] . البحار، ج75، ص247.

الأحد, 18 آذار/مارس 2018 06:54

كيف نصل إلى أوثق عرى الإيمان؟

 الإيمان ليس على نوع واحد، فعباد الله يختلفون بحسب نوع الإيمان الذي يحملونه. ومن المهم جداً التعرف على هذه الأنواع حتى يعرف الإنسان موقعه وموضعه ومرتبته، وحتى يسعى إلى الحركة والتغيير في سبيل تحسين نوعية إيمانه والرقي به إلى المكانة التي تقربه أكثر من الله عز وجل. وعندما نتكلم عن الإيمان الذي هو أمر باطني ومعنوي، فإن الله عزوجل وأنبياءه وأوصياءه هم المخولون بإعطاء التفاصيل الدقيقة والصحيحة التي تكشف للإنسان هذا البعد الحساس الذي فيه، ومن هنا في سياق الكلام عن أقسام الإيمان سيكون حديث أهل البيت (عليهم السلام) هو الركيزة الأساسية في بيان ذلك.

يمكن تقسيم الإيمان بالنظر إلىٰ رسوخه وثباته أو عدمه إلىٰ ثلاثة أقسام هي:

أولاً: الإيمان الفطري: كإيمان الأنبياء والأوصياء عليهم‌السلام، الذين لا تخالجهم الشكوك، ولا يكونون نهبا للوساوس، لأنّ الله تعالىٰ فطرهم علىٰ الإيمان به واليقين بما أخبرهم عنه من مكنون غيبه.

يقول الإمام الصادق عليه‌السلام: «إنَّ الله جبل النبيين علىٰ نبوتهم، فلا يرتدون أبداً، وجبل الأوصياء علىٰ وصاياهم فلا يرتدون أبداً، وجبل بعض المؤمنين علىٰ الإيمان فلا يرتدون أبداً، ومنهم من أعير الإيمان عارية، فإذا هو دعا وألحَّ في الدعاء مات علىٰ الإيمان»[1].

ثانياً: الإيمان المستودع: وهو الإيمان الصوري غير المستقر الذي سرعان ما تزعزعه عواصف الشبهات ووساوس الشيطان ويُعبر عنه ـ أيضاً ـ بالإيمان المعار كأنما يستعير صاحبه الإيمان ثم يلبسه ولكن سرعان ما ينزعه ويتخلىٰ عنه، ويذهب بعيدا مع أهوائه ومصالحه. عن الفضل بن يونس عن أبي الحسن عليه‌السلام قال: «أكثر من أن تقول: اللّهمَّ لا تجعلني من المعارين ولا تخرجني من التقصير..»[2]. وكان الأئمة عليهم‌السلام يطلبون من شيعتهم الاكثار من هذا الدعاء وذلك أنّ بعض كبار الأصحاب قد تعرضت رؤيته للاضطراب بفعل عواصف الشبهات ودواعي الشهوات، عن جعفر بن مروان قال: إنَّ الزبير اخترط سيفه يوم قبض النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: لا أغمده حتىٰ أُبايع لعليّ، ثمَّ اخترط سيفه فضارب عليّا فكان ممّن أُعير الإيمان، فمشى في ضوء نوره ثمَّ سلبه الله إيّاه[3].

وفي قوله تعالىٰ: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ..)[4] إشارة إلىٰ هذين القسمين من الإيمان: الثابت والمتزلزل. يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام: «فمن الإيمان ما يكون ثابتا مستقرا في القلوب، ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور إلىٰ أجل معلوم..»[5].

ثالثاً: الإيمان الكسبي: وهو الإيمان الفطري الطفيف الذي نمّاه صاحبه واستزاد رصيده حتىٰ تكامل وسمىٰ إلىٰ مستوىٰ رفيع، وله درجات ومراتب[6].

ويمكن تنمية هذا النوع من الإيمان وترصينه حتىٰ يصل إلىٰ مرتبة الإيمان المستقر، ولذلك ورد في نصائح أمير المؤمنينعليه‌السلام لكميل قوله: «يا كميل إنّه مستقر ومستودع، فاحذر أن تكون من المستودعين، وإنّما يستحقُّ أن تكون مستقراً إذا لزمت الجادَّة الواضحة التي لا تُخرجك إلىٰ عوجٍ ولا تزيلُك عن منهج»[7].

وتجدر الإشارة إلىٰ أنّ للإيمان أربعة أركان يستقر عليها، فمن اتّصف بها كان إيمانه مستقراً، وحول هذه المسألة قال أمير المؤمنين عليه‌السلام: «الإيمان له أركان أربعة: التوكل علىٰ الله، وتفويض الأمر إلىٰ الله، والرّضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله عزَّ وجل»[8].

كما أنّ للإيمان أربع دعائم معنوية يرتكز عليها، يقول الإمام علي عليه‌السلام: «إنَّ الإيمان علىٰ أربع دعائم علىٰ الصبر واليقين والعدل والجهاد»[9].

وفوق ذلك للإيمان عرىٰ وثيقة تأمن من تمسك بها من السقوط في مهاوي الضلال منها: التقوىٰ والحب في الله والبغض في الله، وتولي أولياء الله، والتبري من أعدائه، ومن الأدلة النقلية علىٰ ذلك، قول الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «أوثق عرىٰ الإيمان: الولاية في الله، والحب في الله، والبغض في الله»[10].

وقد وجه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاصحابه ـ يوماً ـ سؤالاً استفهامياً: “أي عرىٰ الإيمان أوثق؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، وقال: بعضهم الصلاة، وقال بعضهم الزكاة.. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «لكلِّ ما قلتم فضل وليس به، ولكن أوثق عرىٰ الإيمان: الحبُّ في الله، والبغض في الله، وتولي أولياء اللهوالتبري من أعداء الله»[11].

وأهل بيت العصمة عليهم‌السلام من العرىٰ الوثيقة التي تعصم من تمسك بها عن السقوط في مهاوي الضلال، وكان أمير المؤمنين عليه‌السلام كثيراً ما كان يردد هذه الكلمات: «... أنا حبل الله المتين، وأنا عروة الله الوثقىٰ، وكلمته التقوىٰ...»[12].

لم يكن ذلك منه للتفاخر بل لإلفات النظر إلىٰ أنّ أهل البيت عليهم‌السلام هم العروة الوثقىٰ التي لا انفصام لها، عن عبدالله بن عباس قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «من أحبَّ أن يتمسك بالعروة الوثقىٰ التي لا انفصام لها فليتمسك بولاية أخي وحبيبي علي بن أبي طالب فإنّه لا يهلك من أحبه وتولاّه ولا ينجو من أبغضه وعاداه»[13].
 
* الإيمان والكفر وآثارهما علىٰ الفرد والمجتمع - بتصرّف

[1] اُصول الكافي 2: 419 / 5 كتاب الإيمان والكف
[2] اُصول الكافي 2: 73 / 4 كتاب الايمان والكفر.
[3] تفسير العياشي 1: 371.
[4] سورة الانعام 6: 98.
[5] نهج البلاغة، صبحي الصالح: 279 / خطبة 189.
[6] أخلاق أهل البيت عليهم‌السلام، للسيد مهدي الصدر: 100.
[7] تحف العقول: 174.
[8] اُصول الكافي 2: 47 / 2 كتاب الإيمان والكفر.
[9] شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 18: 142.
[10] كنز العمال 15: 890 / 43525.
[11] الاختصاص، للشيخ المفيد: 365.
[12] التوحيد، للشيخ الصدوق: 165 باب معنىٰ جنب الله.
[13] معاني الأخبار: 368 ـ 369 باب معنىٰ العروة الوثقىٰ.

الأحد, 18 آذار/مارس 2018 06:52

الآمال والأعمال

الأمنيات والآمال الكاذبة والتافهة أحد الأسباب التي تهيىء الأرضية النفسية للذنب، حيث إن الانسان يطلب السعادة والرقي بدون حركة او عمل ما، ويظل سارحاً في الخيال مرتكباً الآثام والذنوب، ويقول بأن الله جل وعلا هو أرحمّ الراحمين. إن هذا الأمل ليس نقصاً في طريق التكامل فحسب بل أرض مهيئة لإنبات بذور الذنب في نفسية الانسان.

جاء في الآية 218 من سورة البقرة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.

ففي جانب الأمل في هذه الآية الكريمة هنالك الايمان والهجرة والجهاد، وفي المثل القائل في الأسواق: إن المفلس لا يعطى ديناً ولا قرضاً فيجب أن يكون عنده مقدار من المكانة والمال ليطمئن المقابل إليه.

قصة معبرة:

"قال طاووس اليماني: رأيت رجلاً يصلي في المسجد الحرام تحت الميزاب وهو يدعو ويبكي في دعائه فجئته حيث فرغ من الصلاة، فاذا هو علي بن الحسين (عليهما السلام) فقلت له: يا ابن رسول الله رأيتك على حالة كذا، ولك ثلاثة ارجو أن تؤمنك من الخوف، احدها انك ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والثانية شفاعة جدك والثالث رحمة الله.

فقال: يا طاووس أما اني ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يؤمنني، وقد سمعت الله تعالى يقول: ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ (المؤمنون / 101)

وأما شفاعة جدي فلا تؤمنني لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى (الانبياء / 28)

وأما رحمة الله فإن الله يقول: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (الاعراف / 56) ولا أعلم أني محسن (1).

فالنتيجة لابد ان يكون مع الأمل الإيمان والعمل الصالح وإلا فقولنا الحلويات لفظاً لا يجعلنا نتذوقها طعماً.

* الشيخ محسن قراءتي - بتصرّف

(1) بحار الانوار ج 46 ص 89 عوالم ج 18 ص 120.