Super User

Super User

صوّت الكنيست الإسرائيلي بالقراءة التمهيدية على قانون الإعدام بحق الفلسطينيين الذين ينفّذون عمليّات ضد جنود الاحتلال الإسرائيلي.

وسيُستكمل البحث في هذا القانون في المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر إلى أن يُطرح بعد ذلك للتصويت بالقراءتين الثانية والثالثة في الكنيست.

بالإضافة إلى ذلك، أقرّ الكنيست بالقراءة التمهيدية الأولى قانوناً يمنح وزير الخارجية صلاحية سحب الإقامة الدائمة أو تأشيرة الدخول ممن يرتكب مخالفة يرى فيها الإسرائيليون خرقاً للولاء لدولة إسرائيل من سكان القدس المحتلّة والجولان المحتلّ.

وتكمن خطورة هذا القانون بأنه يسمح بسحب هويات المقدسيين وطردهم خارج المدينة، كما هو الحال بالنسبة للسوريين في الجولان المحتلّ.

وكان الكنيست قد أقرّ أمس الثلاثاء مشروع قانون "القدس عاصمة لإسرائيل".

الخميس, 04 كانون2/يناير 2018 05:30

من هم اهل البیت؟

فی هذه المذکرة  لضرورة تعریف اهل البیت نناقش کلمة اهل البیت بما ورد فی القرآن و السنة هذه الکلمة و وقع الخلاف فی مفهومها بین الشیعة و السنة . ان اهل السنة یقولون کلمة اهل البیت تشمل ازواج النبی ( صلی الله علیه و آله وسلم ) و عشیرته و بناته و احفاده منهم فاطمة و الحسن و الحسین و علی ابن ابی طالب ( علیهم السلام ) و دلیلهم علی هذه العقیدة ان الآیة التی نزلت فی اهل البیت هی صدرها و ذیلها تخاطب ازواج النبی و بداءت الآیة ب « یا نساء النبی لستن ...  سورـ الاحزاب / ۳۲»و ختمت ب «  واذکرن ما یتلی فی بیوتکن ..» ( سوره الاحزاب / ۳۴ )

واما عقیدة الشیعة فی اهل البیت هی ان اهل البیت هم رسول الله و علی  و فاطمة والحسن و الحسین و ذلک بدلیل هذه الآیة : « ... انما یرید الله لیذهب عنکم الرجس اهل البیت و یطهرکم تطهیرا ... » ) ( سورة الاحزاب /  ۳۳   ) نقل مسلم فی کتاب فضائل آلصحابة فی باب فضائل اهل بیت النبی ( ص ) بأن النبی أدخل هؤلاء تحت الکساء ثم قرأ الآیة . وفی صحیح الترمذی ج / ۲ ورد بأن الآیة نزلت فی بیت أم سلمة بعد ما جعلهم النبی تحت الکساء ثم قرأ الآیة . قالت أم سلمة : وأنا معهم یا نبی الله ؟ قال أنت علی مکانک و أنت علی خیر . وفی مستدرک الصحیحین ج / ۲  : قال رسول الله : اللهم هؤلاء اهل بیتی اللهم اهل بیتی أحقّ . والسیوطی فی الدر المنثور ج / ۵ فی تفسیر الآیة ، نقل عن أم سلمة  قالت : نزلت الآیة فی بیتی و فی البیت سبعة ، جبرئیل و میکائیل وعلی و فاطمة و الحسن و الحسین ( رضی الله عنهم ) وأنا علی باب البیت فقلت یا رسول الله ألست من اهل البیت ؟ قال انک علی خیر انک من ازواج النبی. و فی هذا المجال قد وردت روایات کثیرة فی الکتب المعتبرة الأخری کتفسیر ابن جریر الطبری و الرازی و الکشاف و مسند احمد و خصائص النسائی و غیرها و من یرید التفصیل فالیراجع الیها .

لماذا لا تشمل الأیة ازواج النبی ( صلی الله علیه و آله و سلم )  مع أن الخطاب فی صدرها و ذیلها الی ازواجه ( ص ) ؟

ان ازواج النبی (ص ) لسن من اهل البیت بدلیلین : ۱ -  اولاً هنّ أعلمن بأن الله لم یرزقهنّ هذه الفضیلة الکبری کما قالت أم سلمة قلت لرسول الله : وأنا معهم یا رسول الله ؟ ما أنا من اهل البیت ( علیهم السلام ) ؟ قال : انک علی خیر و هؤلاء اهل بیتی انک من ازواج النبی کما ورد فی الدر المنثور و مسند احمد والصواعق المحرقة لابن حجر و الطبری فی تفسیره و ابن اثیر فی أسد الغابة و غیرها  ۲ - ان الآیة دالة علی عصمة هؤلاء الخمسة لأنها صدرت بأداةالحصر و هی کلمة « انما » و هی دالة علی  اذهاب الرجس عنهم  و تطهیرهم من جنس الرجس لأنه مطلق محلّی ب «أل »الجنس و عصمة هؤلاء ارادة تکوینیة من الله تبارک و تعالی  وهی « العصمة » تنافی و الآیات المربوطة بأمهات المؤمنین  ما قبل الآیة و ما بعدها یعنی صدرها و ذیلها  و علی هذا لا یمکن شمولها أزواج النبی ( ص ) لأن الأدلة فی أنهن من اهل البیت غیر کافیة لأن صدر الآیة و ذیلها نزلت فی نساء النبی ( ص ) و الضمائر کلها بالتأنیث و لکن هذا الجزء من الآیة نزلت بضمیر التذکیر « عنکم‌و‌یطهرکم » و وقوعها بین آیات ازواج النبی انما من باب الاستطراد و هذا من خواص کلام البلیغ . اضافة الی هذا ، ورد فی صحیح مسلم فی کتاب فضائل الصحابة باب فضائل علی ابن ابی طالب ( علیه السلام ) عن یزید ابن حیان و معه حصین ابن سبرة و عمر ابن حکم و عن زید ابن ارقم و هو سئله عن حدیث فنقل حدیث الثقلین بتمامه فقال له  حصین  : ومن هم اهل بیته یا زید ؟  ألیس نسائه من أهل بیته ؟ قال نسائه لسن من اهل بیته و لکن اهل بیته من حرم الصدقة بعده قال : من هم ؟ قال هم آل علی  و آل عقیل و وآل جعفر و آل عباس و ... و رواه مسلم بأسانید اخری عن زید ابن ارقم : فقلنا من اهل بیته ؟ نسائه ؟ قال : لا ، و أیم الله ان المرأة تکون مع الرجل العصر من الدهر ثم یطلقها فترجع الی أبیها و قومها . أهل بیته اصله و عصبته الذین حرموا الصدقة بعده . و رواه أحمد فی مسنده ج/۴ و البیهقی فی سننه ج/۲ و المتقی فی کنز العمال و الدارمی فی سننه ج/۲ والطحاوی فی مشکل الآثار .

الخميس, 04 كانون2/يناير 2018 05:25

الحج دَعوةٌ وتلبية

دعوة من الله تعالى لعباده أن يحلوا ضيوفاً عليه، عند بيته المحرم، ويطلبوا قراه،ويستفتحوا أبواب رحمته الواسعة،وإبراهيم(ع)خليل الرحمن،وأبو الأنبياء ورائد التوحيد،هو رسول الله تعالى إلى عباده،والمبلغ عن الله في هذه الدعوة.

قال تعالى:- (وأذن في الناس يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍ عميق)[1]، هذه هي الدعوة.

وأما التلبية فهي من الناس الذين دعاهم ربهم إلى بيته:- (وأذن في الناس بالحج)يشهرون فيها استجابتهم لدعوة ربهم، ويعلنون الاستجابة كل سنة في جموع غفيرة حاشدة في الميقات من كل فج عميق.

ويرفعون إلى الله تعالى هذه التلبية كل سنة في رحاب الميقات بالتلبيات الأربعة التي علمناها رسول الله(ص):لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك.

روى عبيد الله الحلبي عن أبي عبد الله(ع)قال:سألته لم جعلت التلبية؟فقال:إن الله عز وجل أوحى إلى إبراهيم(ع):- (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً)فنادى فأجيب من كل فج عميق يلبون[2].

وسنتحدث إن شاء عن كل من الدعوة والتلبية.

الدعوة:

الحج ضيافة الله تعالى لعباده فهو دعاهم لهذه الضيافة، واستضافهم في بيته المحرم في موسم الحج، كما أن الصيام ضيافة أخرى في شهر رمضان المبارك، وفي كلا الضيافتين يدعو الله تعالى عباده إلى أفضل مواهبه ونعمه.

والمواهب والنعم التي يدعو الله تعالى عباده إليها في الحج تختلف عما نألفه ونعرفه في حياتنا الدنيا من المواهب الإلهية والنعم، حتى عن تلك التي يهبها لعباده الصائمين في شهر رمضان.

فإن دعوة الحج تـتضمن الدعوة إلى(التوحيد)و(التسليم)و(الإخلاص)و(الكدح في سبيل الله)و(التجرد عن الأنا والهوى)و(الانقطاع إلى الله)و(انتـزاع الغل والحقد من النفوس)، كما تتضمن الدعوة الالتزام بقيم العبودية الخالصة لله وحده.

هذه هي الدعوة والتلبية استجابة لهذه الدعوة الإلهية استجابة من العباد لدعوة الله تعالى لهم على لسان نبيه إبراهيم(ع).

الدعوة والوعد بالاستجابة:

ومن جمال وعظمة هذه الدعوة الإلهية التي أشهرها إبراهيم الخليل، بأمر من الله تعالى في عباده:- (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق)أن الله تعالى وعد عبده وخليله إبراهيم عندما أمره بإشهار هذه الدعوة…استجابة عباده لهذه الدعوة:- (يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر).

فكأن الدعوة من الله تعالى لعباده وإشهار الدعوة بأمر من الله تعالى، والاستجابة للدعوة بضمان ووعد من الله تعالى لعبده وخليله إبراهيم(ع).

ومنذ أن وعد الله سبحانه إبراهيم عبده وخليله بالاستجابة لهذه الدعوة يحج في كل عام حشد غفير من الحجاج من الميقات إلى البيت الحرام ليلبوا هذه الدعوة.

الدعوة إلى التلبية الطوعية:

وكل ما في الكون يلبي أمر الله تعالى طائعاً منقاداً، في كل شيء لله تعالى، إلا أن الله تعالى أكرم الإنسان بالدعوة إلى عبادته وطاعته طوع إرادتهم، وأكرمهم بهذه التلبية الطوعية.

وتختلف التلبية(الطوعية)عن التلبية(القهرية)أن الحركة منها إلى الله، حركة واعية،وبالحركة الواعية يبلغ الإنسان من الكمال والعروج إلى الله ما لا يصله بغيرها.

وهي ميزة وتكريم خص الله بها من اصطفى من خلقه، والنقطة المقابلة لهذا التكريم هي(السقوط)والهلاك إذا رفض الإنسان الاستجابة لله طوعاً، وعن اختيار.

إن في كل استجابة طوعية لدعوة الله تعالى عروج إلى الله، وفي كل إعراض وصدود عن الله تعالى سقوط وهلاك.

وخص الله الإنسان وأكرمه بهذا الخيار الصعب:- (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً)[3].

الدعوة من الله والتلبية من العباد:

وتكريم آخر للإنسان في أصل الدعوة، فإن الدعوة عادة من صاحب الحاجة والتلبية ممن يملك هذه الحاجة، والله تعالى هو الغني وعباده الفقراء إليه:- (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)[4].

وحق عليهم أن يطلبوا من الله تعالى أن يأذن لهم بالعبودية والعبادة، ولكن الله تعالى بدأهم بهذه الدعوة، وأكرمهم بالتلبية والاستجابة، وهو غاية ما يمكن أن يبلغه الكرم، وإذا كانت هذه الدعوة من الله غاية الجود والكرم من الله فإن الإعراض والصدود عنها غاية اللؤم من الإنسان،وإذا كانت الاستجابة لهذه الدعوة من سعادة الإنسان،فإن من بؤس الإنسان وشقائه الإعراض والصدود عن الاستجابة لهذه الدعوة.

ولهذا السبب يقال:إن الاستجابة لدعوة الله تعالى عروج إلى الله،والصدود والإعراض عنها سقوط وهلاك للإنسان.

وكيف انعكس الأمر في هذه الدعوة الإلهية، وانقلب العبد في فقره وحاجته من موقع الطالب والداعي والسائل إلى موقع (التلبية)وكان الله تعالى هو صاحب الدعوة والطلب، وهو غني بذاته عن خلقه وعباده.

إن لهذا الانقلاب في المواقع سراً،وهو خصلة الكرم والجود الذاتية والأصيلة في الذات الإلهية،فهو سبحانه وتعالى يحب أن يجود على عباده ويحب أن يكرمهم وأن يحسن إليهم،كما نحتاج نحن إلى جوده وكرمه وإحسانه.

وحب الجود والكرم والإحسان والعطاء صفة من صفات ذاته عز شأنه، وليس على الإنسان إلا أن يضع نفسه في مواضع جوده وكرمه وإحسانه وعطائه تبارك وتعالى.

وهذه حقيقة من حقائق العلاقة بين الله تعالى وعباده، وهذه الحقيقة تفتح على الإنسان أبواباً من المعرفة، فكما نحتاج نحن إلى رحمة الله تعالى وفضله يحب الله تعالى أن يجود برحمته وفضله على عباده، وهذه العلاقة قائمة بين كل غني وفقير، ولا تقل حاجة الغني إلى العطاء والكرم عن حاجة الفقير إلى الغني.

والله تعالى غني عن عباد، وغناه في ذاته، فلا يحتاج عباده وخلقه في شيء، ولكنه يحب أن يجود عليهم، ويكرمهم ويعطيهم من فضله ورحمته، كما نحتاج نحن إلى رحمته وفضله وجوده.

وهذا هو سر دعوة الله لعباده بالإقبال عليه، والدخول في رحاب ضيافته، والوقوف على أبواب رحمته في شهر ذي الحجة في عرفات عند بيته المحرم، وفي شهر الصيام، فيدعو الله تعالى عباده لدعائه، ليستجيب لهم برحمته وفضله.

وهذا من ألطاف سنن الكرم الإلهي، قال تعالى:- (أدعوني استجب لكم)فتحل دعوة العبد في هذه الآية الكريمة بين دعوة الله تعالى واستجابته.

فالله عز شأنه يدعو عباده لدعائه ليستجيب لهم:- (أدعوني أستجب لكم)فيقع دعاء العبد بين دعوته تعالى له بالدعاء، واستجابته سبحانه لدعائه.

والله عز شأنه يحب دعاء عباده، ويشتاق إلى مناجاتهم، ويحب الاستجابة لدعائهم.

فعن رسول الله(ص):إن الله أحب شيئاً لنفسه، وأبغضه لخلقه، أبغض لخلقه المسألة، وأحب لنفسه أن يسأل، وليس شيء أحب إلى الله عز وجل من أن يسأل، فلا يستحي أحدكم من أن يسأل الله من فضله، ولو شسع نعل[5].

وعن أبي عبد الله الصادق(ع):أكثروا من أن تدعوا الله، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة[6].

وفي الدعاء الذي علمه أمير المؤمنين لكميل:وأمرتهم بدعائك، وضمنت لهم الإجابة، ودعاء العبد يقع بين تلك الدعوة وهذه الإجابة.

التلبية جود العبودية:

التلبية هي الاستجابة، والاستجابة لله في مساحتين:

الأولى:مساحة الدعوة.

الثانية:مساحة الأحكام، والأمر والنهي.

ومن الواضح الفرق بين الدعوتين، فإن الله تعالى يدعو عباده، ويأمرهم، وبينهما فرق، فإن مساحة الدعوة هي أساس الأحكام، والأوامر الإلهية.

يدعو عباده إلى ما يحيـيهم، ويطلب من عباده أن يستجيبوا لدعوته:- (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحيـيكم)[7]ويأمر عباده ويحكمهم.

وهو الحاكم لعباده في التكوين والتشريع، فيأمر عباده في التكوين ويحكمهم بالقضاء والقدر، بألوان الابتلاء والفتنة والجوع والمرض ونقص من الأموال والأنفس والثمرات،وليس للناس حيلة في ذلك كله،ولكن الله تعالى يطلب من عباده أن يستجيبوا لحكمه وأمره في قضائه وقدره،ويطمئنوا إليها،ويفوضوا أمرهم إليه تعالى،في كل ذلك،ويسلموا أمرهم له تسليماً،(وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد)،هذا في مساحة التكوين.

وهو سبحانه يحكم عباده في مساحة التشريع بالأمر والنهي، ويطلب منهم أن يستجيبوا له في أمره وحكمه ويسلموا تسليماً:- (ثم لايجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)[8].

التلبية لدعوة الله وحكمه:

والاستجابة لدعوة الله تعالى هي الإيمان والإسلام،والإعراض عن دعوة الله تعالى هو الكفر والشرك والريب والشك والنفاق.

والاستجابة لقضاء الله تعالى وقدره وأحكامه على عباده في الابتلاء والفتنة والفقر والجوع والموت والمرض هي التفويض، والرضا، والتسليم والاطمئنان، والثقة بحكم الله تعالى.

وقد ورد في الدعاء:- واجعلني بقسمك راضياً قانعاً وفي جميع الأحوال متواضعاً، وجاء أيضاً:واجعل نفسي مطمئنة بقدرك راضية بقضائك.

وخلاف ذلك(الاعتراض)و(التذمر)و(الشكوى)من أمر الله وحكمه.

ولا ينفع الإنسان اعتراض وتذمر عن أمر الله وحكمه وقضائه وقدره في مساحة التكوين،فإن الله تعالى يقهر عباده بقضائه وقدره،ولكنه يطلب من عباده أن يستجيبوا لقضائه وقدره،ويسلموا أمرهم إليه تسليماً،ويفوضوا إليه أمورهم تفويضاً،ويطمئنوا إلى قضائه وقدره دون اعتراض وتذمر.

والاستجابة لأمر الله وحكمه في التشريع هي الطاعة والانقياد عن طوع وإرادة، وخلاف ذلك الذنب والمعصية والفسوق.

العقل مبدأ التلبية والاستجابة:

والاستجابة لله بكل أقسامها هي جوهر العبودية لله تعالى، وقيمة الإنسان في الاستجابة لله تعالى، ووزن الإنسان ومقامه عند الله بمقدار عبوديته وتسليمه له تعالى.

والاستجابة لله هي العبودية والتسليم، و(العقل)هو مبدأ هذه الاستجابة.

روى سماعة عن أبي عبد الله(ع):خلق العقل، وهو أول خلق خلقه من الروحانيـين عن يمين العرش من نوره، فقال له:أقبل فأقبل، ثم قال له:أدبر فأدبر.

وهذه الرواية تـتحدث بلغة الرمز، وهي لغة مألوفة في النصوص الإسلامية، والإقبال هنا يعني الاستجابة لأمر الله تعالى، وهو ما ذكرنا آنفاً أنه جوهر العبودية لله تعالى، والعقل ينهض بهذه الرسالة في حياة الإنسان ويتبعه القلب ويقترن به.

مراتب الاستجابة والتلبية:

هذا ولاستجابة مراتب أربع، بعضها فوق بعض:

المرتبة الأولى:هي الاستجابة التكوينية لله تعالى، فكل شيء في الكون مسخر لأمر الله،يجري بأمره،قال تعالى:- (والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره)[9].

(وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون)[10].

ومن الواضح أن الإنسان جزء من هذا الكون، ومقهور لإرادة الله تعالى ومسخر لأمره سبحانه في شطر من شخصيته بالضرورة.

وهذه الاستجابة التكوينية تعم المؤمن والمنافق والكافر من دون فرق.

المرتبة الثانية:الاستجابة لأمر الله تعالى، بمعنى الطاعة وعدم الاعتراض وهي أدنى مراتب الاستجابة له تعالى، في التشريع والتكوين.

وهذه المرتبة بدون ريب من مراتب التسليم لأمر الله تعالى في أمره وقضائه، ولكن التسليم على مرتبتين:

1-التسليم بمعنى الطاعة وعدم الاعتراض.

2-التسليم عن رضا بأمر الله تعالى.

والاستجابة في هذه المرتبة تعني تسليم بالمعنى الأول، وهو روح الإسلام وجوهره،وقد روي عن أمير المؤمنين(ع)في هذا الشأن:لانسبن الإسلام نسبة لم ينسبه أحد قبلي،ولا ينسبه أحد بعدي:

الإسلام هو التسليم، والتسليم هو التصديق، والتصديق هو اليقين، واليقين هو الداء، والأداء هو العمل.

هذا التسليم لأمر الله في مساحة التشريع، وهو الإسلام لله تعالى، قال تعالى:- (ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن)[11].

وقال عز من قائل:- (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن….)[12].

وقال سبحانه:- (وأمرت أن أسلم لرب العالمين)[13].

وهو طاعة الله عز وجل ورسوله(ص)، قال تعالى:- (قل أطيعوا الله والرسول)[14].

وقال سبحانه:- (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون)[15].

وقال تعالى شأنه:- (أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون)[16].

وكما يحب الله تعالى من عباده التسليم له في أحكامه وحدوده وشريعته، يحب منهم التسليم في قضائه وقدره.

وهو من خصائص الإيمان، ولا شك في أن الإنسان يحب العافية فيما يرزقه تعالى، ولكن المؤمن إذا أنزل به البلاء سلم أمره إلى الله تعالى.

يروى أن صبياً لأبي جعفر الباقر(ع)كان قد مرض واشتد مرضه، فـقلق الإمام الباقر(ع)وبان ذلك على وجهه، فمات الطفل فانبسط وجه الإمام الباقر(ع)واطمأن، فتعجب من ذلك أصحابه.

فقال(ع):إنا لنحب أن نعافى فيمن نحب، فإذا جاء أمر الله سلمنا فيما يحب[17].

وعن أبي الحسن الرضا(ع)عن أبيه موسى عن جعفر(ع)قال:أمرني أبي(يعني أبا عبد الله(ع)أن آتي المفضل بن عمر، فأعزيه بإسماعيل، وقال:أقرء المفضل السلام،وقل له:أصبنا بإسماعيل،فصبرنا،فاصبر كما صبرنا،إذا أردنا أمراً وأراد الله سلمنا لأمر الله[18].

وروي عن الإمام الصادق(ع):لم يكن رسول الله يقول الشيء قد مضى لو كان غيره[19].

وهذه المرتبة من التسليم في الاستجابة لأمر الله تعالى تجري في أحكامه تعالى في التشريع والتكوين على نحو سواء.

المرتبة الثالثة من مراتب الاستجابة:الاستجابة والتسليم لأمر الله عن رضا، وهذه مرتبة فوق المرتبة السابقة، وتجري في التشريع والتكوين كلك على نحو سواء.

عن رسول الله(ص):أعبد الله في الرضا، فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير[20].

وفي هذه الرواية تفكيك واضح بين مرتبتين من الاستجابة والتسليم،وأن المرتبة العليا هي الاستجابة والتسليم عن رضا،فإن لم يتمكن العبد من هذه المرتبة فليصبر ويسلم أمره لله تعالى عن صبر على قضاء الله وقدره،ولا يعترض أو يتذمر أو يشكو من قضاء الله.

وليس معنى(الرضا)بأمر الله أن لا يحب الإنسان لنفسه ولن يحب شيئاً، ولكن معنى ذلك أن العبد إذا عرف أن الله يحب ما يكره رضي بما يحب الله، وجعل رضاه تبعاً لرضا الله عز وجل.

روي عن أبي عبد الله الصادق(ع):إنا قوم نسأل الله ما نحب فيمن نحب فيعطينا، فإذا أحب ما نكره فيمن نحب رضينا[21].

المرتبة الرابعة من مراتب الاستجابة:هي الاستجابة عن حب وشوق إلى الله تعالى ودعوته وأمره وقضائه.

والحب والشوق مرتبة فوق مرتبة الرضا، وأحسن حالات العبادة والإقبال على الله والاستجابة لدعوته تعالى،وأمره وذكره،هو ما يكون عن شوق وحب.

فعن رسول الله(ص):أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها، وأحبها بقلبه،وباشرها بجسده،وتفرغ لها،فلا يبالي أصبح من الدنيا على عسر أم على يسر[22].

ويروي هارون بن خارجة عن أبي عبد الله الصادق(ع)قال:إن العبّاد ثلاثة:قوم عبدوا الله عز وجل خوفاً فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء، وقوم عبدوا الله حباً له فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة[23].

وعن يونس بن ظبيان قال:قال الصادق جعفر بن محمد(ع):إن الناس يعبدون الله عز وجل على ثلاث أوجه:فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه، فتلك عبادة الحرصاء، وهو الطمع، وآخرون يعبدونه خوفاً من النار، فتلك عبادة العبيد، وهي الرهبة، ولكني أعبده حباً له عز وجل، فتلك عبادة الكرام، وهو الأمن لقوله عز وجل:- (وهم من فزع يومئذٍ آمنون)، ولقوله عز وجل:- (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحبـبكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)، فمن أحب الله عز وجل أحبه، ومن أحبه الله كان من الآمنين[24].

وعن أمير المؤمنين(ع):إن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار[25].

وقد علق المحقق النراقي(ره)في كتابه القيم جامع السعادات على الروايات الواردة في عبادة الأحرار فقال:

لا ريب في أن العبادة على الوجه الأخير لا نسبة لمنـزلتها ودرجتها إلى درجة العبادة على الوجهين الأولين، فإن من تـنعم بلقاء الله والنظر إلى وجهه الكريم، يسخر ممن يلتفت إلى وجه الحور العين[26].

تكبيرة الإحرام والتلبية:

وقد أودع الله تعالى في الحج، كنوزاً من الوعي، والإخلاص، والانفتاح، والإقبال على الله، والإعراض عما دون الله، والكدح، والتسليم، والتوحيد، والإخلاص، والتوكل، والذكر، والولاء والبراءة، وغير ذلك من أبواب المعرفة والكدح إلى الله، ومفتاح هذه الكنوز جميعاً(التلبية)ولا ينال الحاج ما أودع الله تعالى في الحج من هذه الكنوز إلا إذا أحسن التلبية.

ومن لا يحسن التلبية لا ينال من حجه الكثير، وكل ما كان حظ الحاج أكثر من الإقبال والانفتاح على الله في التلبية كان حظه من مواهب الحج أكثر.

وشأن(التلبية)في الحج شأن(تكبيرة الإحرام)في الصلاة، فإن الصلاة كنـز، ومفتاح هذا الكنـز تكبيرة الإحرام، ومن أحسن(تكبيرة الإحرام)في الصلاة فتح الله تعالى عليه كنوز الصلاة، ومن لم يحسن تكبيرة الإحرام، كانت صلاته هيكلاً من دون روح.

فإن كلاً من الصلاة والحج، رحلة إلى الله تعالى، وكل رحلة إلى الله عروج وصعود، ولابد في هذا العروج من أن ينفصل عن هذه الدنيا ويقلع عنها إقلاعاً كاملاً بصورة مؤقتة خلال هذه الرحلة، وما لم يقلع الإنسان في صلاته وحجه عن دنياه، وما لم يتحرر من الأواصر والعلائق التي تشده إلى هذه الدنيا شداً، لا يستطيع الإنسان أن يجد في صلاته وحجه ذوق العروج والسفر إلى الله.

وليس يدعو الإسلام الناس إلى أن يفصلوا أنفسهم عن دنياهم التي لابد لهم منها، ولا يريد منهم أن يعرضوا عن هذه الدنيا وما فيها من لذة ونعيم وعلائق ووشائح تشدهم بها، وإنما يطلب منهم أن يتحرروا في حياتهم من أسر التعلق بهذه الدنيا وحبها والافتتان بها،وهذا رأي الإسلام في التعامل مع الدنيا.

تكبيرة الإحرام مفتاح الصلاة:

فإذا أقبل العبد على الله تعالى، في صلاته فلابد من أن يفصل نفسه عن هذه الدنيا وما فيها من علائق ووشائح ولذة وفتنة فصلاً كاملاً، لكي يستطيع أن ينعم بلذة العروج والعود إلى الله في الصلاة.

ففي هذه الرحلة العجيبة التي يكرم الله تعالى بها عباده في كل يوم خمس مرات، يمر الإنسان بآفاق رحبه من الحمد، والعبادة، والاستعانة بالله، والتوحيد، والتعظيم، والدعاء، والتسبيح، والتأليه، والذكر، والشكر، والتضرع، والإبتهال، والمناجاة، والتسليم له.

وليس بإمكان الإنسان أن يقطع هذه الآفاق الرحبة المباركة من لقاء الله،ما لم ينفصل بشكل كامل عن هذه الدنيا وما فيها من لذة ونعيم وعلائق ووشائح وهم وحرص وقلق وانشغال،فإنها تصرفه وتشغله عن آفاق اللقاء في هذه الرحلة.

وأشد ما في الصلاة، هو هذا الانفصال والإقلاع عما حول الإنسان من العلائق والوشائح ومن الهم والتفكير في الدنيا والانشغال بها، فإذا أمكنه أن يقلع في صلاته عن ذلك كله أمكنه أن يعرج في صلاته إلى الله، وأن يتمتع في هذه الرحلة بلذة لقاء الله، وأن يعيش فيها آفاق اللقاء الرحبة المباركة، وأن يتمتع بمواهبها وكنوزها.

ومفتاح ذلك كله(تكبيرة الإحرام)فإنها إذا أداها مقيم الصلاة أداءاً صحيحاً تفصله مرة واحدة، وبحركة سريعة خفيفة عما حوله فصلاً سريعاً قوياً، فإن تكبيرة الإحرام تتضمن بعدين، أحدهما يتضمن الآخر، وهما معاً يقوّمان معنى هذه التكبيرة العظيمة التي يفتح بها المصلي صلاته:

البعد الأول:تكبير الله وتعظيمه، والله كبير عظيم، ذو الجلال، والكبرياء، والعظمة، إلا أن هذا التكبير يتضمن معنى رقيقاً يستحق الكثير من التأمل والتفكير، وهو معنى(أفعل التفضيل)في هذه الكلمة، ومقارنة كبرياء الله تعالى إلى وضاعة الدنيا، وجلال الله إلى حقارة ما يشغله ويصرفه عن الله، فكل ما في هذه الدنيا مما دون الله حقير وضيع، ومتاع زائل، ومن سقط المتاع ومتاع الغرور.

ومتاع مثل هذا المتاع زائل، ووضيع لا يستحق أن يصرف الإنسان ويشغله عن الله ذي الجلال والإكرام، ولو للحظة واحدة، ولا يحسن به أن يرافقه في هذه الرحلة، فيشغله عن الله، ويصرفه عنه تعالى، ولو لبعض الوقت، وببعض الانشغال والانصراف، فإن الله أكبر من كل ذلك وأجل وأعظم، وهو الباقي وما في هذه الدنيا زائل، وهو الحق وما في هذه الدنيا باطل، وهو العظيم وما في هذه الدنيا حقير، وهذا هو البعد الثاني الذي تـتضمنه تكبيرة الإحرام، وهذا البعد يستنبطه معنى(أفعل التفضيل)في التكبيرة.

ويستحب أن يفتح المقيم للصلاة صلاته بسبع تكبيرات، ليؤكد ويعمق نفسه حالة الإقلاع والفصل عن الدنيا، ويتجاوز بها الحجب التي تحجبه عن الله تعالى ليمكنه بعد ذلك أن ينطلق إلى الله في هذه الرحلة العجيبة.

وقد روي في تعليل التكبيرات السبع في افتـتاح الصلاة:أن النبي(ص)لما أسري به إلى السماء قطع سبعة حجب، فكبر عند كل حجاب تكبيرة، فأوصله الله عز وجل، بذلك إلى منتهى الكرامة[27].

التلبية مفتاح الحج:

وينطلق الحاج إلى الحج من الميقات بـ(التلبية)والتلبية مفتاح الحج، كما أن التكبيرة مفتاح الصلاة، ومن دون التلبية لا يتمكن الحاج من أن ينطلق في هذه الرحلة المباركة التي شق طريقه إليها أبونا إبراهيم(ع)، وعمقه، ووكده ابنه المصطفى محمد(ص).

ولا يتأتى للإنسان أن ينطلق إلى الله في هذه الرحلة الإبراهيمية في الاستجابة لدعوة الله تعالى، من دون أن يفتح قلبه في هذه الاستجابة، ويلبي الدعوة إلى هذه الضيافة التي ينعم بها الله تعالى على عباده في كل سنة، عند بيته المحرم، بكل مشاعره وأحاسيسه وعقله وقلبه.

ولا تـتأتى له هذه الاستجابة وهذا الانفتاح على هذه الدعوة إذا كان لا يعرض في هذه الرحلة على الأقل عن كل دعوة أخرى يدعوه إليها ما في الدنيا من الغنى، وإذا كان لا يقاطع، ولو بصورة مؤقتة كل ما يشغل باله وهمه عن هذه الدعوة.

إن التلبية من فعل القلب، وأفعال الجوانح تختلف عن أفعال الجوارح.

فليس في وسع القلب أن يكون له في وقت واحد همان واهتمامان، وانشغالان وانصرافان واستجابتان، وذكران، بعكس الجوارح التي يمكنها أن تمارس في وقت واحد أكثر من فعل واحد.

يقول سبحانه وتعالى:- (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)[28]،فليس في جوف الإنسان إلا قلب واحد،وليس للقلب الواحد إلا اهتمام واحد.

فإما أن يصرف الإنسان هذا الاهتمام في الاستجابة إلى الله تعالى، وإما أن يصرفه إلى غير الله، وإما أن يعطل الإنسان قلبه، ويبلده فيكون محلاً لكل شارد ووارد.

التلبية استجابة وإعراض:

والتلبية استجابة وإعراض، استجابة لدعوة الله تعالى، وإعراض عن كل دعوة أخرى، مما تلقاها في هذه الدنيا.

وليس يدعو الإسلام المسلمين إلى الإعراض عن الدنيا، وليس ينهى الإسلام عن الإقبال على هذه الدنيا وفتـنها، وإنما يدعوهم إلى أن يجعلوا استجابتهم لها في طول استجابتهم لدعوة الله وامتدادها،وليس في عرضها،وإلى جنبها.

وأما في (الحج)فلا يتمكن الحاج أن يستجيب لهذه الدعوة الإلهية، وأن يقطع آفاق هذه الرحلة الإبراهيمية المباركة إن لم يمحض قلبه واهتمامه واستجابته لله تعالى، ولا يتأتى له هذا التمحيض إن لم يعرض عن أية دعوة أخرى في هذه الدنيا، حتى لا تـشغله دعوة عن هذه الدعوة، ولا تصرفه مغريات دعوات الدنيا وعواملها وفتـنها عن دعوة الله تعالى لعبادة الله.

والتلبية تـتضمن هذين المعنيـين معاً، الاستجابة لله، والإعراض عن غير الله، والانفتاح على الله، والانقلاب عما دونه سبحانه وتعالى.

الانقلاب الذي يحدث في الميقات بفعل التلبية:

و(التلبية)تفصل الحاج في الميقات فصلاً كاملاً عن دعوات هذه الدنيا، ومغرياتها وفتنها وإثاراتها مرة واحدة، ويصب الحاج من كل فج عميق في الميقات بأزياء مختلفة وهموم كثيرة، واهتمامات عديدة، فيصيغهم الله تعالى في الميقات، صياغة جديدة وينتـزعهم من كل رغباتهم وهمومهم واهتماماتهم انتـزاعاً كاملاً بـ(التلبية)ويمحضهم للاستجابة لدعوته تعالى،وينـزعهم أزياءهم،ويوحد نسكهم وزيهم،وهمهم واهتمامهم وعملهم ومسارهم ويَصُبّهُم في مصب واحد إلى بيته المحرم.

ومبدأ كل ذلك ومنطلقه(التلبية)فإن التلبية توحد في نفس الحاج شتات الهموم والاهتمامات والاستجابات والرغبات، وتوحد همهم واهتمامهم ورغباتهم واستجاباتهم باتجاه الاستجابة إلى دعوة الله تعالى.

إن(التلبية)تجمع شتات اهتمامات الإنسان في هم واهتمام واحد، وتجمع بنفس الطريقة شتات اهتمام الناس وتعدد مذاهبهم في الحياة الدنيا في اتجاه واحد.

إن الحياة تشتت الإنسان إلى هموم واهتمامات شتى، وتشتت الناس إلى مصالح ومذاهب شتى.

والميقات يجمع شتات الناس، في هم واحد، واهتمام واحد، وزي واحد، وطريق واحد.

و(التلبية)هي وسيلة هذا التوحيد، وفي الوقت نفسه توجه هذا الحشد البشري الهائل الواحد إلى الله الواحد القهار.

فهي توحد الإنسان (الفرد) وتوجهه إلى الله سبحانه، وتوحد الناس (المجتمع) وتوجههم إلى الله.

وهذا الانقلاب العظيم يجري في الميقات، بفعل(التلبية)و(الميقات)و(الحرم)هو وعاء هذا الانقلاب و(التلبية) عامل هذا الانقلاب.

وغاية الحج أن تـتحول ساحة الحياة كلها إلى(الميقات)و(الحرم)ويكون لكلمة(لا إله إلا الله)في ساحة الحياة الواسعة نفس الفعل والدور الذي يكون لكلمة(التلبية)وأن ينقل الحجاج(الحرم)إلى واقع حياتهم في(السوق).

ومن بؤس الناس وشقائهم أنهم ينقلون(السوق)إلى (الحرم)بخلاف ما يريده الله تعالى، وذلك أن(التلبية)تعيد بناء الفرد والمجتمع.

وهذا البناء يتم على صعيدين:

الأول:توجيه الناس إلى الاستجابة لله تعالى، وهذا الأمر يوحد شتات هموم الإنسان واهتماماته.

الثاني:توحيد الناس بهذا الاتجاه، يوحد شتات مذاهب الناس ومصالحهم وأعمالهم.

ويحب الله تعالى أن ينقل الحجاج هذه(الوحدانية الموجهة)إلى حياتهم في الأسواق،وفي مواقع الحكم والسياسة،وساحات الصراع…ومن عجب أن الناس ينقلون شتات أهوائهم وميولهم ومذاهبهم إلى(الميقات)و(الحرم).

ولو أمعنا النظر في(الميقات)و(التلبية)لقلنا:إن الميقات ليس فقط يستقبل شتات الناس ليصهرهم في اتجاه واحد، واهتمام واحد، وأسرة واحدة، وهم واحد، وإنما ينـزعهم من دنياهم انتـزاعاً ليعيد بناءهم الفردي والاجتماعي، بعد أن شتـتـتهم الحياة الدنيا آراءً ومذاهب ومصالح وهموماً.

هذا إذا أعطى الحاج نفسه لـ(التلبية)وفعل(التلبية)في نفسه، وفتح كل قلبه بالتلبية على الله، ولم يحتفظ لنفسه عند التلبية بشطر من قلبه، ويعطي الشطر الآخر لله تعالى، فإن القلب السليم لا ينشطر ولا يتعدد، قال تعالى:- (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه).

والقلب البليد العاطل فقط ينشطر ويتعدد، وأمارة سلامة القلب توحيد الله، وأمارة بلادة القلب وعطله التعدد والإنشطار.

والتلبية توجه القلوب إلى الاستجابة لله، وتوحدها في هذه الاستجابة.

وهذه هي أبعاد هذا الانقلاب العظيم، ووعاؤه(الميقات)و(الحرم) وعامله (التلبية).

روي عن الإمام الرضا(ع):إنما أمروا بالإحرام ليخشعوا قبل دخولهم حرم الله وأمنه، ولئلا يلهو ويشتغلوا بشيء من أمور الدنيا وزينتها ولذاتها، ويكونوا جادين فيما هم فيه، قاصدين نحوه مقبلين عليه بكليتهم[29].

تأكيد التلبية:

لقد ورد في النصوص الاهتمام بتكرار التلبية،والإكثار منها وترديدها،فعن ابن أبي عمير وابن فضال عن رجال شتى عن أبي جعفر(ع)قال:قال رسول الله(ص):من لبى في إحرامه سبعين مرة احتساباً أشهد الله له ألف ملك ببراءة من النار وبراءة من النفاق[30].

والبراءة من النفاق من فعل التلبية، فإن التلبية وترديدها وتكرارها تزيل النفاق من النفس وتبرئ صاحبها من حالة النفاق، وتشتـت الميول والأهواء والهموم.

شعور الحاج عند التلبية:

إن التلبية تقترن في نفس الحاج بانفعالات نفسية وأحاسيس مختلفة،فهي تقترن بالشوق إذ يقبل الحاج إلى الميقات ملبياً دعوة ربه،ويقترن بالإحساس بالهيبة عندما يشعر الحاج أنه يقف بين يدي ذي الجلال والعظمة ليلبي دعوته،ويقترن بالرهبة والخوف،عندما ينظر إلى نفسه،فلا يراها أهلاً لهذا التكريم الإلهي،ولا يراها موضعاً لهذه الدعوة الإلهية ويخشى إن لبى أن يرد الله تعالى تلبيته.

 

سماحة الشيخ محمد العبيدان

 

——————————————————————————–

[1] سورة الحج الآية رقم 27.

[2] بحار الأنوار ج 99 ص 184.

[3] سورة الأحزاب الآية رقم 72.

[4] سورة فاطر الآية رقم 15.

[5] فروع الكافي ج 1 ص 196.

[6] وسائل الشيعة ج 4 ص 1086.

[7] سورة الأنفال الآية رقم 24.

[8] سورة النساء الآية رقم 65.

[9] سورة الأعراف الآية رقم 54.

[10] سورة النحل الآية رقم 12.

[11] سورة النساء الآية رقم 125.

[12] سورة آل عمران الآية رقم 20.

[13] سورة غافر الآية رقم 66.

[14] سورة آل عمران الآية رقم 32.

[15] سورة آل عمران الآية رقم 132.

[16] سورة الأنفال الآية رقم 20.

[17] بحار الأنوار ج 46 ص 301.

[18] المصدر السابق ج 82 ص 103.

[19] تنبيه الخواطر ص 417.

[20] المحجة البيضاء ج 5 ص 104.

[21] بحار الأنوار ج 32 ص 132.

[22] أصول الكافي ج 2 ص 84.

[23] وسائل الشيعة ج 1 ص 45.

[24] المصدر السابق ص 46.

[25] نهج البلاغة حكمة رقم 237.

[26] جامع السعادات ج 3 ص 117.

[27] وسائل الشيعة ج 4 ص 722.

[28] سورة الأحزاب الآية رقم 4.

[29] وسائل الشيعة ج 9 ص 3.

[30] المحاسن ص 64.

الخميس, 04 كانون2/يناير 2018 05:20

الأهداف الاجتماعيّة للحجّ الإبراهيمي

إنّ الحجّ الذي جعله الله فريضةً من أعظم الفرائض بقوله تعالى : ( ولله على الناس حِجُّ البيت من استطاع إليه سبيلاً ) ، ( آل عمران/97) .

وأوجبها في أيام معدودات معلومات. ترمي في حقيقتها وواقعها إلى أهداف كبيرة، تتصل في جانب أساسي منها باْلأُمة المسلمة كياناً وقياماً وحضارةً . وإذا كان الجانب العبادي الصِرف في هذه الفريضة متجليّاً في المناسك المعروفة، فإنّ هذه المناسك التي تُؤدى في الحج تنبىء أيضاً بالجانب الإِجتماعي وبالأهداف العظيمة المتوخاة منها، ونستطيع أن نتبين هذه الأهداف ونحددها في ضوء ماورد في شأن الحجّ من الآيات المباركة والروايات المتضافرة، وما حُفّ به الحجّ، كما في لسان بعض الروايات، من تأكيدات وصلت إلى الحدّ الذي يقول فيه الإِمام(عليه السلام) : « لو عطل الناسُ الحجَّ لوجب على الإِمام أن يجبرهم على الحج… » ، ( 1 ).

ولعل من أهم تلك الأهداف والوظائف التي يمكن أن يؤديها الحجُّ بالنسبة إلى المسلمين هي :

أولاً : إدخال الأمة المسلمة في تجربة التوحيد والوحدة، أي بصورة فعلية وليس من خلال مجرد الدعوة والحثّ على ذلك.

وفلسفة هذا الأمر، أنّ الشرك الخفي يمكن أن يتسرب إلى النفوس،(2) وأنّ دواعي الفرقة والاختلاف متوافرة دائماً، ولذا فلا بدّ من زرق الأفراد بالمضاد الحيوي، ولا بدّ من نفي لتلك الدواعي. ومناسك الحج من أقوى عناصر الضد والنفي . فالإِحرام حيث الكلُّ بلباس واحد، والتلبية حيث الكلُّ بنداء سماوي واحد « لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك لا شريك لك… » ثم السعي والطواف والأفاضة، كلّ تلك الشعائر والمناسك، تجعل الجميع في حالة عبودية واخلاص، فتلغى بصورة عملية فوارق اللون والجنس والمذهب والانتماء والمنصب، فلا خصوصية ولا شأنية ولا إمتياز إذ الكلُ على صعيد واحد عبيدٌ للهِ الواحد.

وقد نبّه الإِمام علي(عليه السلام) إلى هذا المعنى قائلاً : « ألا ترون أنّ الله سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرُّ ولا تنفف ولا تُبصر ولاتَسمف فجعلها بيته الحرام آ»الذي جعله للناس قياماً » ـ إلى أن قال (عليه السلام) ـ : ثم أمَر آدم(عليه السلام) وَ ولدهَ أن يثنوا أعطافهم نحوه فصار ذُللاً يُهلِّلون للهِ حولَه، ويرملون على أقدامهم شُعثاً غُبراً له قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم…  » ،(4). وقال (عليه السلام) في خطبة أخرى : «وفرضَ عليكم حجّ بيته الحرام الذي جعله قبلةً للأنام… وجعله سبحانه علامةً لتواضعهم لعظمته، واذعانهم لعزته… »، (5). وفي مقطع من خطبةِ الزهراء(عليها السلام) قالت(عليهم السلام) : « وجعلَ الحجّ تشييداً للدين… »،(6).

وقال العلاّمة الطباطبائي في بيانه المنافع الدنيوية والاخروية للحج : «وعمل الحجّ بماله من المناسك يتضمن أنواع العبادات من التوجه إلى الله وترك لذائذ الحياة وشواغل العيش والسعي إليه بتحمل المشاق والطواف حول بيته والصلاة والتضحية والإِنفاق والصيام وغير ذلك… ثم قال : إن عمل الحجّ بماله من الأركان والأجزاء يمثل دورة كاملة مما جرى على إبراهيم(عليه السلام) في مسيرة في مراحل التوحيد ونفي الشريك وإخلاص العبودية لله سبحانه»، (7).

ولعل من المناسب أن نذكر أيضاً مااستظهره الشيخ جوادي آملي من أسرار الحج قائلاً : «إنّ العبادة، أية عبادة كانت يُعتبر فيها الخلوص، قال تعالى (ألا لله الدين الخالص )، إلاّ أنّ تجلي ذلك الخلوص في بعضها أظهر، وطرد الشرك في بعضها أقوى وأجلى، ومن ذلك الحجّ حيث إنّ التوحيد قد تمثّل به، وصارَ هو بأسره من البدوِ إلى الختمِ مثالاً للتوحيد وطرداً للشرك… » ،(8). ثم لا ريب بعد ذلك أن تكون كلمة التوحيد، والإِخلاص للحق تعالى يقودهم إلى وحدة الكلمة، ووحدة الموقف، ووحدة الهدف.

ثانياً : التقريب بين المسلمين والتآلف بينهم

إنّ الشريعة الاسلامية شريعة واقعية، بمعنى انها وإن كانت تهدف إلى غايات سامية ومرامي بعيدة، وتضع الوسائل العملية لبلوغها، إلاّ أنها في عين الوقت تنظر إلى الواقع الحياتي بما هو عليه من تعقيد وبما ينطوي عليه من إشكالات، وبما يموج به من حقائق، ولذلك ونظراً لطبيعة الظروف الموضوعية التي تمرُّ بها الأمة فإنّ هدف الوحدة وإن كان مطلوباً فعلاً، إلاّ أنه تكتنف تحقيقه صعوبات جدية، وإذا كان موسم الحج (الأيام المعلومة والمعدودة) يمكن أن تخلق شعوراً عالياً بالوحدة والتوحّد إلاّ أنّ الناس عند ما يتحلّلون من الاحرام، ويعودون إلى أوطانهم تبدأ العوامل الموضوعية تفعل فعلها ومن هنا كان الحجّ ناظراً إلى تحقيق هدف أقرب واقعية، وأيسر منالاً، ثم هو لا يقلُّ أهميةً وخطراً عن هدف الوحدة، وذلك هو هدف ( التقريب بين المسلمين ) من خلال تحقيق فهم مشترك، وتفهم واطلاع كلّ فريق بما عليه الفريق الآخر من أداءً لنفس المناسك وقيام بنفس الأعمال، وانكشاف لما يدين به الجميع من توحيد الربّ تعالى، ونفي الشرك عنه، والشهادة للنبي الأكرم محمد بن عبدالله(صلى الله عليه وآله) بالنبوة والرسالة وتعظيمه وتبجيله، وحينئذ سيري كلّ فريق الفريق الآخر على حقيقته، وسيجد الجميع أنفسهم أنهم يؤدون مناسك واحدة، ويقومون بتلبية واحدة، ويتوجهون إلى قبلة واحدة ويفيضون إفاضةً واحدة. وسيجد المسلمون أنفسهم أيضاً في صلواتهم وقيامهم وسعيهم وطوافهم أنهم ينطقون بالشهادتين ويهتفون بنداء واحد. وسيكتشف الجميع أنهم أبناء ملة واحدة، وأنهم أمة من دون الناس. وأنّ دماءهم عليهم حرام وأموالهم عليهم حرام وأعراضهم عليهم حرام، كحرمة يومهم وكعبتهم، (9)، « كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه »، (10)، كما صرّح بذلك أمين الله على وحيه خاتم المرسلين نبينا محمد(صلى الله عليه وآله). وعند ذاك سينكشف أمامهم زيفُ دعاوي الخصوم ودعاة التفرقة، والمروجين للأراجيف التي يطلقها الأعداء ضدَ مذاهبهم ومدارسهم الكلامية أوالفقهية. وليس هناك أعظم من الحج مؤتمراً تُعلن فيه الحقائق، وتتبين فيه العقائد، وتتضح فيه أسباب التآلف والتقارب.

وقد أشارَ العلامة الطباطبائي إلى هذا المعنى قائلاً : «فإذا اجتمعت أقوامُ وأممٌ من مختلف مناطق الأرض وأصقاعها، على مالهم من اختلاف الأنساب والألوان والسنن والآداب، ثم تعارفوا بينهم وكلمتهم واحدة هي كلمة الحق، وإلههم واحد وهو الله عزّ اسمهُ، ووجهتهم واحدة هي الكعبة البيت الحرام حملهم اتحاد الأرواح على تقارب الأشباح، ووحدة القول على تشابه الفعل…  »، (11).

ثالثاً  : التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي

لا ريب أنّ التبادل في التجارات مدعاة لنموّ الثروات وزيادة الدخل ورفاه المجتمف وأنّ تبادل الخبرات والتعاون الاقتصادي له أثره الكبير على تقوية الأواصر، والإِسهام في سدّ احتياجات الأمة المعاشية، وربما يقود استمرار التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي إلى تحقيق التكامل الاقتصادي في الأمة والاكتفاء الذاتي، وبذلك يتحقق ما يهدف إليه الشرع الشريف من أن تكون الأمة المسلمة (أمة من دون الناس)، يسود بينها التعاضد والتعاون، وتنفتح على الأمم وفق عهود والتزامات متقابلة.

ولقد وردت في كتب التفسير وفي الروايات ما ينبىء بكون الحجّ يؤدي مثل هذه الوظيفة المهمة، ويحقق تلك الأهداف الكبيرة. فقد ذكر الزمخشري في الكشّاف لمناسبة تفسير قوله تعالى : ( وأذّن في الناس بالحجّ يأتوك رِجالاً وعلى كلّ ضامر يأتين من كل فجّ عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسمَ الله في أيام معلومات… )، ( الحج 27 :28) .

قال : نكّر المنافع أي في الآية لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة، دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات… » ، (12). وإليه ذهب أبو السعود، (13). ونقل ابن كثير روايةً عن ابن عباس فسرّ فيها منافع الدنيا بما يصيبون من التجارات، (14)   ونقل الطبرسي، (15) عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنّ المنافع في الآية التجارات. وأورد هذا المعنى الرازي في تفسيره، قال في المسألة الأولى : « أنه تعالى لما أمرَ بالحج في قوله : ( وأذّن في الناس بالحج ) ذكر حكمة ذلك الأمر في قوله تعالى : ( ليشهدوا منافع لهم ) قال : واختلفوا فيها فبعضهم حملها على منافع الدنيا، وهي أن يتّجروا في أيام الحج… »، (16).

وأوضحُ منهم ما صرّح به العلامة الطباطبائي في الميزان قائلاً : « وقد اطلقت المنافع ولم تتقيد بالدنيوية أوالأخروية، والمنافع نوعان : منافع دنيوية، وهي التي تتقدم بها حياة الأنسان الاجتماعية ويصفو بها العيش، وترفع بها الحوائج المتنوعة وتكمل بها النواقص المختلفة من أنواع التجارة والسياسة والولاية والتدبير وأقسام الرسوم والآداب والسنن والعادات ومختلف التعاونات والتعاضدات الاجتماعية وغيرها » ،(17).

وقد جاءت بعض الروايات عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ولسانها يصرّح بذلك. فعن هشام بن الحكم قال :  «سألت أبا عبدالله(عليه السلام) فقلت له : ما العلة التي من أجلها كلّف الله العباد الحجّ والطواف بالبيت ؟، فقال : إنّ الله خلق الخلقَ… إلى أن قال : وأمرهم بما يكون من أمر الطاعة في الدين ومصلحتهم من أمر دنياهم، فجعل فيه الاجتماع من الشرق والغرب ليتعارفوا ولينزع كل قوم من التجارات من بلد إلى بلد… »، (18).

ونقل في الوسائل عن العلل وعيون الأخبار بأسانيد عن الفضل بن شاذان، عن الرضا(عليه السلام)، في حديث طويل قال : «إنما اُمروا بالحج لعلة الوفادة إلى الله عزّوجل وطلب الزيادة والخروج من كل ما اقترب العبد تائباً مما مضى، مستأنفاً لما يستقبل مع ما فيه من إخراج الأموال وتعب الأبدان والاشتغال عن الأهل والولد، وحظر النفس عن اللذات، شاخصاً في الحر والبرد، ثابتاً على ذلك دائماً، مع الخضوع والاستكانة والتذلل. ـ ثم قال(عليه السلام) ـ : مع ما في ذلك لجميع الخلق من المنافع لجميع من في شرق الأرض وغربها، ومن في البرّ والبحر، ممن يحجّ، من بين تاجر وجالب وبائع ومشتر… »، (19).

رابعاً  : جعل حركة الفرد المسلم لا تنفصل عن الأمة

إنّ الفرد المسلم في الحج يشعر شعوراً قويّاً، ويدرك إدراكاً واضحاً أنه (فردٌ في أمة)، عليه أن يتصرف ويتخذ المواقف انطلاقاً من هذه الصفة. وإذا كان الاسلام قد ربّى الفرد المسلم على مثل هذا الشعور كما هو الأمر في صلاة الجماعة، أوفي الجمعة أوفي العيدين، وغيرها من العبادات ذات الصفة الجماعية، فلأنه ربما لا يتأتي له مثل هذا الأمر بلحاظ أنّ بعض هذه العبادات ليست إلزامية، وبالتالي فهو يستطيع التحلل منها. ولكنّ الأمر في الحج مختلف تماماً فهو يجب أن يؤدي المناسك ضمن (الأمّة) كفرد فيها يتحرك بحركتها، ويقف المواقف معها، ويشهد المشاعر معها، يطوف بطوافها، ويسعى معها، ويفيض معها وينحر معها، ويفعل كل أفعال الحج مع الأمة مجتمعةً.

وبذلك سيدرك الفرد المسلم أنه لا كيانَ له إلاّ بكيان الأمّة ولا هويّة لا إلاّ هويّة الأمّة المسلمة، وأنّ المسلمين ذمتهم واحدة يسعى بها أدناهم. ومن هنا أيضاً يتحرك المسلمون ـ بعد وعي تلك الحقيقة ـ ليعلنوا الموقف الموحد إزاء الشرك والكفر20 وهذا ما كان يهدف إليه الحج الأكبر كما نطقت به الآية المباركة : (وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحجّ الأكبر أنّ اللهَ بريءٌ من المشركين ورسولُهُ… )، ( التوبة/3 ). وفي رواية عن الامام(عليه السلام) قال : «عليكم بحج البيت فأدمنوه، فإنّ في إدمانكم الحج دفع مكاره الدنيا عنكم وأهوال يوم القيامة » ،(21).

ولعل من المناسب أخيراً أن نذكَر فذلكةً في المقام تقوي ما استظهرناه وبيّناه من أهداف الحجّ ووظائفه، بعد أن استندنا في ذلك إلى ظاهر الآيات والروايات وما ذهب إليه العلماء والمفسرون العظام، فنقول :

1ـ لقد فرض الله تعالى الحج في أيام معدودات معلومات، وفيها يلزم أن يكون جميع الحجيج حاضري المسجد الحرام، بدءاً من عرفة بلحاظ أن (الحج عرفة) كما ورد، إلى أيام التشريق، وهي يوم الأضحى، عاشر ذي الحجة وثلاثة أيام بعده كما ورد عن أهل البيت(عليهم السلام)، (22) وهذا ينبئ بأنّ هذه الفريضة المباركة تؤدى مناسكها بحضور الجميع. ولو كانت هذه الفريضة ليس فيها غايات اجتماعية عظيمة لترك تأديتها إلى كلّ فرد في أي وقت يشاء. ولكن لما كان الأمرُ في (الأيام المعلومة)23 فلذلك ليكون الحضور عاماً، ويشهدوا المنافع المطلوبة.

2ـ أنّ المناسك جميعاً يجب أن تؤدى بطريقة واحدة، وبأسلوب واحد وبأوقات واحدة، وهي كلها تصبُّ في هدف صهر الفرد واخضاعه لحركة الأجتماع البشري المتوجه إلى الله تعالى، طوافاً وسعيّاً، وهتافاً (التبية)، وحركةً ومواقف في المشاعر الحرام، وهي بهذه المثابة والصورة تتحقق بها المرامى والغايات المقصودة.

عن محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر ابن اُذينة قال : «كتبت إلى أبي عبدالله(عليه السلام) بمسائل بعضها مع ابن بكير وبعضها مع أبي العباس فجاء الجواب بإملائه : سئلت عن قول الله عزّوجلّ : (ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلاً… )، (آل عمران/97). يعني : به الحجّ والعمرة جميعاً لأنهما مفروضان..، وسئلته عن قول الله عزّوجلّ : (وأتموا الحجَّ والعمرة لله ) ، ( البقرة/196) ، قال : يعني بتمامهما أداءهما، وإتقاء ما يتقي المحرم فيهما، وسئلته عن قوله تعالى : (الحجّ الأكبر )، ( التوبة/3 ) ، ما يعني بالحج الأكبر ؟ قال : الحج الأكبر الوقوف بعرفة ورمي الجمار، والحج الأصغر العُمرة » ، (24) .

وجاء في الوسائل باب أنه يجب الحج على الناس في كل عام وجوباً كفائياً : أورد محمد ين يعقوب أيضاً رواية ينتهي سندها إلى الامام موسى بن جعفر(عليه السلام)أنه قال : «إن الله عزّوجلّ فرضَ الحج على أهل الجدة في كل عام…  » ،(25).

وقد وردت عدّة روايات في الوسائل، تحت باب عدم جواز تعطيل الكعبة عن الحج وفي وجوب إجبار الناس عليه، (26) ومن ذلك يظهر أن الحجّ فريضة مستمرة دائمة تهدف إلى تلك الأهداف العظيمة، وتحقيق المنافع الدنيوية والأخروية جميعاً.

أللّهم ارزقنا حجّ بيتك الحرام في عامنا هذا وفي كلّ عام. والحمد لله ربّ العالم.

—————————————————————————————-

المصادر والهوامش  :

1 ـ الوسائل11 : 24 الفقيه المحدّث الشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملي ت1104 هـ تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام / قم المشرفة / 1411هـ.

2 ـ إشارة إلى قوله تعالى  : ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلاّ وهم مشركون ) يوسف : 106 وراجع التنبيه على هذا المعنى، خمس رسائل/ الشيخ عبدالله جوادي آملي/ وجيزة في أسرار الحج : 129.

3 ـ راجع في التلبية بهذه الصيغة ; الوسائل12 : 382 / الباب 40.

وراجع التجريد الصريح، مختصر صحيح البخاري/ الزبيدي1 :180، الحديث رقم 785.

4 ـ نهج البلاغة / ضبط الدكتور صبحي الصالح : 293، الخطبة رقم 192.

5 ـ نفس المصدر :45 الخطبة (1).

6 ـ راجع كتاب بلاغات النساء لأحمد بن طيفور : 28 نشر انتشارات الشريف الرضي/ قم.

7 ـ الميزان / العلامة الطباطبائي 14 : 370، منشورات حوزة علمية / قم.

8 ـ وجيزة في أسرار الحج، ضمن خمس رسائل : 156 157، منشورات حوزة علمية / قم.

9 ـ إشارة إلى ما ورد عن النبي(صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع الشهيرة، راجع نيل الأوطار/ الشوكاني5 : 355، وعقب على قوله(صلى الله عليه وآله) : آ« ألا إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا آ» قال : مجمع عليه. وراجع مستدرك الوسائل/النوري3 : 149.

10 ـ سنن البيهقي6 : 92، ووفي مجمع الزوائد/ الهيثمي4 : 172.

11 ـ الميزان 14 : 369.

12 ـ الكشاف / جارالله الزمخشري3 : 152 153، طبعة دار الكتاب العربي.

13 ـ تفسير أبي السعود 6 : 104، نشر دار أحياء التراث العربي.

14 ـ تفسير ابن كثير3 : 216 / نشر المكتبة التجارية بمصر.

15 ـ مجمع البيان / الطبرسي 14 : 81 نشر المكتبة العلمية طهران.

16 ـ مفاتيح الغيب / الفخر الرازي 12 : 26، طبعة دار الكتب العلمية / بيروت 1411هـ.

17 ـ الميزان / السابق.

18 ـ الوسائل 11 : 14، كتاب الحج.

19 ـ الوسائل 11 : 12 13، الحديث رقم 14121 15.

20 ـ وجيزة في أسرار الحج / الشيخ جوادي آملي 173 174، ضمن خمس رسائل.

21 ـ ميزان الحكمة / الري شهري / نقله عن البحار 74 : 167.

22 ـ الميزان / الطباطبائي 14 : 371.

23 ـ اختلف المفسرون في الأيام المعلومة على أقوال، ولكنها لا تخرج عمّا ذكره صاحب الميزان في الراجح منها، راجع : التفسير الكبير / الرازي 12 : 26 طبعة دار الكتب العلمية، بيروت. وراجع تفسير ابن كثير 3 : 216. وراجع الكشاف / الزمخشري 3 : 152 153.

24 ـ وسائل الشيعة 11 : 7 8.

25 ـ نفس المصدر 11 : 16.

26 ـ نفس المصدر 11 : 20.

( أَوَ لَم يَرَوا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً ) ،(1).

من مهام الحج تحقيق السلام في العلاقات الاجتماعية، وتوفير فرصة نموذجية للسلام في العلاقات فيما بين الناس، في فترة الإِحرام في الحج، وتوفير رقعة نموذجية من الأرض ; لتمكين السلام في العلاقات الاجتماعية هي رقعة الحرم.   ولكي نعرف موقع السلام في هذه الرحلة، لا بدّ من أن نستعرض المراحل الأساسية فيها بإيجاز شديد، بالقدر الذي نستطيع أن نتعرف فيه على مواقع السلام في هذه الرحلة الإِلهية.الحج رحلة الأنا والذات إلى الله على الطريقة الإِبراهيمية أواختزال لهذه الرحلة الشاقة التي قطعها من قبل أبونا إبراهيم(عليه السلام)، على الطريقة الرمزية التي تعتمدها فريضة الحج بصورة واضحة.

هذه الرحلة تبدأ مهمتها من الميقات، وتنتهي بطواف النساء وطواف الوداع والآن نشير بإجمال إلى الأشواط الرئيسة التي يقطعها الحاج في هذه المرحلة من الأنا إلى الله تعالى.

1ـ التحرر من الأنا :

تبدأ هذه الرحلة في الميقات بتجاوز الذات والأنا، ومحاولة صهر الذات والأنا في المسيرة الإِيمانية إلى الله تعالى ، وهذه هي المرحلة الأولى في هذه الرحلة الإِلهية. وتصبّ هذه الذوات بعد انسلاخها عن الأنا، ومختصات هذا الأناـ في الحشد البشري ـ الكبير، في الطواف حول البيت، كما تصب السواقي والأنهر الصغيرة في البحر الكبير، فلا تستطيع أن تميز ـ بعد ذلك ـ أين هي مياه هذه السواقي من البحر الكبير، وهي رحلة شاقة وذات معاني كبيرة في حياة الإِنسان، تستحق منا الكثير من التأمل والتفكير.

تبدأ هذه الرحلة من الميقات، حيث يتجرّد الإِنسان فيه من ذاته وأهوائه، وخصائصه التي تفرزه عن الآخرين وتفرده، وتحجزه عن الانصهار في المسيرة الإلهية الحاشدة، التي لا يتمايز فيها الأفراد، ولا يحجز بعضهم عن البعض شيءٌ من هذه النوازف والفوارز التي تفصل الناس بعضهم عن بعض. إنّ الميقات حدّ فاصل، بين الأنا وبين الجماعة المؤمنة. فقبل أن يدخل الحاج الميقات يعيش كما يعيش سائرُ الناس الأنا تمييزاً وتشخيصاً. وللأنا تظاهر وبروز في حياتهم ، وللأنا سماته معالمه الواضحة. فإذا دخل الميقات تضاءل الأنا وخف صراخه وصوته وفقد معالمه ومميزاته، وفقد لونه وصبغته الصارخة، وهذا الانقلاب في الشخصية والموقع يتمّ في الميقات . ويرمز إلى هذا الانقلاب (لباس الإِحرام).

وقد قلنا : إن الحج يعبّر عن المعاني والمفاهيم التي تنطوي عليها بلغة الرمز. فعند الميقات يتجرد الحاج عن كل ملابسه وما تحمله من سمات شخصية وطبقية وقومية وإقليمية. إنّ لباس الإِنسان يحمل هويته ويحمل الإِشارة إلى شخصية الانسان وانتمائه القومي والاقليمي والعقدي وطبقته مهنته ودرجته في الثراء والفقر والمستوى الاجتماعي. فإذا بلغ الميقات تجرد عن ملابسه، ولبس ثياب الإِحرام إزاراً ورداءً… وكانا قطعتين من القماش، لم يستعمل فيهما الخيء كالآخرين على نحو سواء في غير بذبح ولا شرف ولا تمييز، وخلع عن نفسه ملابسه التي كانت تحمل هويته وتعبر عن شخصيته. إنّ هذه الخطوة الأولى في الميقات تعبّر عن انسلاخ الانسان عن هويته وشخصيته وأنانيته وتعبر أيضاً عن العبور على الذات وتجاوز الأنا. وكما يجرد الميت عن ملابسه، لأنّ دور الأنا في حياته قد انتهى، ولم يعد للأنا حجم ولا دور ولا شكل في المرحلة الجديدة من حياته، كذلك الميقات مرحلة أخرى من الحيات ضمن هذه الحياة الدنيا، يتجرد فيها الحاج عن هويته وأنانيته، وينسلخ عن ذاته ليدخل الميقات، وكان الميقات مصفاة، وأول شيء تأخذه هذه المرحلة من الإِنسان هو ذاته، فإذا تجرد عن الأنا وانسلخ عن ذاته حق له أن يتجاوز الميقات إلى الحج، وما لم يتخلص الإِنسان عن ذاته فلا يحق له أن يتجاوز الميقات إلى لقاء الله. فإذا خلص في هذه المصفاة من ذاته اجتاز الميقات وتوجه إلى الحج.

وإنّ أكثر ما يثير المتاعب في حياة الناس ويعكّر العلاقة فيما بينهم هو التصادم الذي يحدث بين الذوات والأنانيات، وعندما تذوب الذات عند الانسان وتنصهر، ويخلص الانسان من طغيان الأنا، ينتهي شطر كبير من مشاكل الإِنسان، ولقاءاته السبيلة مع الآخرين، وما يستتبعه من صدام وتردي العلاقة، وحالة الأثرة والأنانية، وحب الذات، فإذا خلصت حياته من الذاتية والأنانية تمكن أن يسلم من هذه المشاكل والمتاعب التي تعجّ بها حياة الناس في المجتمف واستطاع أن يضع حياته وعلاقاته الاجتماعية على أسس سليمة وأن يحكم السلام في علاقاته مع الآخرين.

التجمل و الترف :

وفي الميقات يختص الإنسان مع خصلة أخرى من خصال الأنا، وهي خصلة ممدوحة لو كانت في الحدود المعقولة، التي لا تستأثر باهتمام الانسان كله ولا تملك إرادته ولا تحكمها، فإذا تحولت هذه الخصلة إلى خصلة حاكمة على إرادته كانت صفة ذميمة من صفات الإِنسان، وتلك هي خصلة التجمل، فهي خصلة ممدوحة في الحدود التي تظهر على الانسان نعم الله تعالى وفضله، فإذا تحولت إلى خاصية من خواص الذات، مهمتها إبراز الذات وإظهارها، لا إبراز نعم الله تعالى وفضله، تحولت إلى صفة ذميمة من صفات الذات، وسلبته القدرة على تحمل الشظف والسير على طريق ذات الشوكة.

وفي الميقات يدخل الأنا في هذه التصفية الإِلهية، ويلزم الإِحرام التخلي في فترة الإِحرام عن هذه الخصلة، ويحرم عليه الطيب والتجمل، حتى بالنسبة للنساء، فيما يتجاوز الحد المألوف للمرأة في التجمل، وذلك لتمكين الإِنسان من هذه الخصلة التي تشكل حالة تظاهر للأنا، وحالة ترف تؤثر تأثيراً سلبياً على إرادة الإِنسان، وقدرته في مواجهة متاعب الطريق، إذا لم يعمل على تعديل وتهذيب هذه الخصلة، وإرجاعها إلى نصابها الممدوح، الذي يقره الإِسلام ويأمر به.

سلطان الهوى و الشهوات :

وفي الميقات يمر الأنا بتصفية ثالثة، وهي تخليص الإِنسان من سلطان الهوى والشهوات والغرائز، وهي مسألة في غاية الدقة في الإِسلام فقد قلنا إنّ تخليص الإِنسان من سلطان الهوى والشهوات، ولم نقل من الهوى والشهوات، ذلك لأنّ الإِسلام لا يكافح الأهواء والشهوات في نفس الإنسان، وإنما يعتبرها ضرورة من ضرورات الحياة ومن دونها تختل الحياة، وإنما الذي يكافحه الإسلام هو سلطان الهوى، والشهوات على الإنسان وإرادته، وليست الأهواء والشهوات في حدّ ذاتها مصدراً للانحراف والسقوط في حياة الانسان، وإنما الانحراف والسقوط يأتي من ناحية سلطان الهوى على إرادته، فإذا تمكنت الأهواء منه، وتحكمت الشهوات عليه وخضع واستسلم لها، عند ذلك فقط يتمكن الشيطان منه، ويتعرض الانسان للسقوط والانحراف . ولذلك فإن النهج الإِسلاميّ في التربية يعمل على ترويض الأهواء والشهوات وتطويعها لارادة الإِنسان، وتمكين الإرادة منها، دون أن يكافحها ويحاربها ويستأصلها ويصادرها.

والصوم نموذج واضح لهذا المنهج التربوي. والميقات هو الآخر يقع في هذا الخط التربوي، ففي الميقات يتعرض الانسان لتصفية واسعة في (الأنا) و(الهوى)، ويمتص الميقات من نفس الانسان سلطان هاتين الخصلتين، ويسمح له بالدخول في رحاب ضيافة الله ـ تعالى ـ بعد أن يجرده من هذه النزعة الحيوانية التي تطغى على تصرفاته وتحكم إرادته وفعله.

والهوى عند ما يحكم الإِنسان يتحول إلى مصدر للشرّ في علاقاته وحياته الاجتماعية، ويسلب الأمن والسلام في حياة الناس، فليس ما بين الناس من خلاف وصراع وصدام مصدره الاختلاف في الرأي غالباً وإنما يعود السبب في نسبة كبيرة وواسعة في هذه الخلافات إلى عامل الهوى في العلاقات الاجتماعية.

وللإِمام الخميني (قدس سره) كلمة ذات دلالة عميقة فيما يقول قدس سره : (لو أن مئة وأربعة وعشرين ألف نبيّ عاشوا في مكان واحد لما اختلفوا فيما بينهم، لأنه لا سلطان للهوى في نفوسهم). فالميقات نقطة تحول وانقلاب في حياة الإِنسان، وأهم ما في هذا الانقلاب هو إضعاف الأنا والذات، وخصال وخصائص في حياة الإِنسان . فإذا تجرد عن ذلك كان موءَهلاً للدخول في رحاب ضيافة الله في الحج. ومن عجب أن المذاهب الفكرية المادية تؤكد عكس ذلك تعزيز الأنا وتثبيت واعتماد عنصر الاعتداد بالنفس، وتنمية حالة الغرور والعجب. بخلاف الإِسلام الذي يبني منهجه التربوي على أصل مكافحة الأنا وإضعافها وتحجيمها، وتحويل الإِنسان من محور الأنا، إلى محور حاكمية الله تعالى وسلطانه في حياته، ويدعو الإِنسان إلى التحلل من هذاالمحور و الارتباط بالمحور الرباني والانصهار فيه ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين )، (2).

2ـ الانصهار في الجماعة :

فإذا تجرد الإِنسان عن الأنا وانسلخ عن ذاته وجد نفسه فجأة في وسط حشد بشري كبير، لا يمتاز بعضهم عن بعض، ولا يكاد يفرق بينهم شيء ، يتحرك ضمن موج بشري كبير هادر، ينطلق من الميقات إلى الكعبة، كما تصب الأنهر في البحر من كل ميقات من هذه المواقيت المعروفة، التي وقّتها رسول الله(صلى الله عليه وآله)، تجري أنهر كثيرة من الناس تصبّ في الحرم حول الكعبة، فتتجمع هذه الأنهر حول البيت الذي رفع قواعده إبراهيم ومعه ابنه اسماعيل(عليهما السلام) وفي هذا التيار البشري العظيم يتضاءل عنده الإِحساس بالأنا، حتى لا تكاد تشعر به حواسه ومشاعره، فلا ترى في المطاف أفراداً يتحركون، وإنما ترى كتلة بشرية واحدة من الناس تطوف حول البيت العتيق.

ولو أن الحاج الذي تجرد في الميقات عن الأنا، لم يكن يصب في المطاف في الجماعة المؤمنة، لكان يضيع ويفقد مقومات وجوده وشخصيته، ولكنه لا يكاد يتجرد عن الأنا ومعالمه وحدوده حتى يصبّ في الجماعة الكبيرة، كما تصبّ قطرات الماء في النهر الكبير، ويعود في المطاف إلى لون جديد من الحياة، وإلى حياة جديدة لم يألفها من قبل بهذه القوة والفاعلية، ولم يتذوقها بهذه الصورة تموت فيه الأنا، ويبعث الله في نفسه الإحساس بالجماعة، وينتقل إلى طور جديد من الحياة أهم خصائصه غياب الفردية، وحضور الجماعة ; ويتكرس هذا الإحساس لدى الانسان في المطاف وفي السعي، وفي الموقف في عرفات، وفي الافاضة إلى المزدلفة، وفي المزدلفة، وفي منى، وفي العودة إلى الطواف والسعي يتضاءل لدى الانسان المسلم الإحساس بالأنا، ويتأكد لديه الاحساس بالجماعة المسلمة، وبأنه عضو من جسم واحد، وليس فرداً من مجموعة انسانية، وبأن هذه الأمة كيان واحد ومصير واحد وما يصيبها من خير وشر يصيب الجميف وبأنه وحده لا يستطيع أن يتحرك إلى الله على خطى إبراهيم(عليه السلام)، إلاّ أن يذوب في هذا الحشد البشري الكبير المتجه إلى الله.

إنّ الناس قبل أن يتجاوزوا الميقات إلى الحرم مجموعة من الأفراد، يتمايزون فيما بينهم، ويتزايدون، ويتفاخرون، ويتجادلون، ويضرّ بعضهم بعضاً، ويعتدي بعضهم على بعض، وتجمعهم المجامع من المدن والضواحي والقرى فتتجمع في هذه المجامع النزعات المتضاربة والأهواء المتخالفة والرغبات المتضادة، فتكون الجامع البشرية ساحة للصراع والخلاف. أمّا عند ما يتجاوزون الميقات إلى الحرم، ويصبون من خلال قنوات المواقيت التي وقّتها رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى الحرم، فإنهم يتحولون إلى أمة واحدة، ويتحركون باتجاه واحد ويلبّون دعوة واحدة ويلبسون زيّاً واحداً، ويطوفون حول كعبة واحدة، ويسعون في مسار واحد ويؤدون مناسك واحدة، لا يختلفون ولا يتجادلون، ولا يتفاخرون، ولا يتضاربون، ولا يؤذي بعضهم بعضاً، وكأنّ الحرم يصهرهم في بوتقة واحدة، ويجعل منهم كياناً جديداً يختلف عما كانوا عليه.

الحرم الآمن  :

وأبرز خصائص هذا التركيب الجديد للمجتمع البشري الذي يستحدثه الحرم في حياة الناس هو الأمن، والاحساس بالأمن. إن هذا الأمن من خصائص ونتائج هذا التركيب البشري الجديد الذي يجده الناس في الحرم، وهو في نفس الوقت من أسبابه وموجباته . فإن الناس إذا شعروا بالأمن بعضهم من بعض، التقى بعضهم بعضاً دون حذر، وتعامل بعضهم من بعض، وتلاقوا، وتآلفوا، وتعاونوا. فالأمن يعد الناس ليكونوا أمة واحدة، والأمن يعطي للناس هذه الفرصة، التي تتطلبها عملية الانتقال من الحياة الفردية، التي يعيشها الناس عامة إلى هذا النمط الجديد، الذي يريده الله تعالى لعباده، والذي يرسم الحرم نموذجاً له، كما يصح العكس أيضاً، فانّ الأمن والإحساس بالأمن هو النتيجة الطبيعية لهذا اللون الجديد من الحياة الاجتماعية. فإنّ الناس عند ما يحشرون في الحرم لا يختلفون ولا يتشاجرون ولا يتفاخرون ولا يتزايدون ولا يتضاربون.

الحرم رقعة نموذجية لساحة الحياة  :

والله تعالى يريد أن يكون وجه الأرض كلّه آمنا للناس، يعيش الناس بعضهم مع بعض في أمن ودعة وسلام لا يحنق بعضهم على بعض، ولا ينوى أحد لأحد شرا، يُؤثِر بعضهم بعضاً على نفسه، ويحب بعضهم بعضا.

يقول تعالى في صفة المهاجرين والأنصار في الصدر الأول من هذا الدين… ( والذين تبوّءُوا الدار والايمان من قبلهم يُحبون مَن هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون * والذين جاءُوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم )، (3)، ولكن الناس يرفضون أن يعيشوا كما يريد الله تعالى لهم.

فجعل الله لهم من الحرم (رقعة نموذجية) للحياة الآمنة التي يريدها للناس. بدعاء عبده وخليله إبراهيم(عليه السلام) : ( وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر ) ، (4). هذا هو دعاء العبد الصالح إبراهيم(عليه السلام) : وقد استجاب الله تعالى لدعاء عبده وخليله إبراهيم(عليه السلام) فقال : ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً )،(5).

والمثابة : المحل الذي يرجع إليه الناس، وقد جعل الله تعالى البيت مثابة للناس يجمع الناس ويرجعون إليه، ويقصدونه من كل فجّ عميق، ثمّ جعله آمناً يأمن فيه الناس بعضهم من بعض ولا يحذر فيه أحد الآخرين على نفسه; يقول تعالى : ( أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً )، (6). وجعل رقعة الحرم رقعة نموذجية لساحة الحياة كلها، كما جعل الشهر الذي يتم فيه الحج (ذوالحجة) من الأشهر الحرم. يقول الله تعالى : ( ومن دخله كان آمناً )، (7). وحتى (الجدال )الذي ينطوي على نوع من العدوان على الآخرين يحرمه الله تعالى على الحجاج، ( فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج )، (8).فإن الجدال منفذ للعدوان بين الناس، وكثير من العدوان يبدأ بين الناس من الجدال الذي يسعى فيه كل من الطرفين المتجادلين إلى إثبات الذات وتجاوز الطرف الآخر.

والأمن في الحرم أمن شامل، يشمل حتى الحيوان والنبات، فلا يجوز الصيد في الحرم، ولا يجوز قطع النباتات والأشجار في منطقة الحرم إلاّ في حالات خاصة يذكرها الفقهاء، وحرمة الصيد وقطع النباتات لا تخص حالة الاحرام، فإنهما تحرمان على المُحرم والمُحل معاً في منطقة الاحرام، والحرم في الاسلام عينة صغيرة لساحة الحياة كلها، والذي يجب أن يعرف رأي الاسلام في الحياة ; فإنّ هذه العينة الصغيرة والرقعة المحدودة من الأرض تجسد تخطيط الاسلام لساحة الحياة الواسعة، فإنّ العلاقة فيما بين الناس والارتباط والتلاقي هو الافراز الطبيعي للحياة الاجتماعية، فمن أجل هذه العلاقة واللقاء والتلاقي خلق الله تعالى الانسان اجتماعياً وأعدّه للحياة الاجتماعية، ولا يبلغ الانسان الكمال والنضج الذي أعده الله تعالى له إلاّ في وسط هذه العلاقات واللقاءات والتلاقي في الحياة الاجتماعية، فلو أنّ انساناً اعتزل الحياة وعاش وحده في جزيرة قاصية لم يبلغ بالتأكيد النضج والكمال الذي أعدّه الله تعالى له، وهذه اللقاءات والعلاقات إنما تثمر وتعطي وتنتج في حياة الانسان، فيما إذا توفر له الجوّ السليم، الأمن والسلام، أما عند ما تكون هذه العلاقة في جوّ من الريبة والحذر، والخوف والقلق والعدوان والكيد والمكر، فإنّ هذه العلاقة والارتباط فيما بين الناس لا تكاد تثمر هذه الثمرة، ولا تكاد تبلغ بالانسان النضج والكمال، الذي يطلبه الانسان في الحياة الاجتماعية، من خلال هذه العلاقات واللقاءات والارتباطات، بل قد تعود العلاقة في مثل هذا الجوّ إلى نتائج سلبية في حياة الانسان.

 فالاسلام يخطط بناءً على هذا الفهم لضرورة العلاقة وحدودها في حياة الانسان، ليجعل العلاقة فيما بين الناس في الحياة الاجتماعية في جوّ آمن وسليم، فيأمن الانسان الآخرين على نفسه في حضوره وغيبته، وفي نفسه، وعرضه، وماله، ويأمن على نفسه من ألسنة الآخرين وأيديهم، ومن مكرهم وكيدهم وعدوانهم، فيعيش في جوّ من الأمن الشامل، ويبني علاقاته كلها مع الآخرين في هذا الجوّ الآمن، في السراء والضراء، وفي التجارة والبيف وفي الزواج والعلاقات الاجتماعية، وفي علاقاته مع أصدقائه وزملائه، وفي علاقاته مع أعضاء أسرته، وفي ارتباطه بمن هو فوقه ومن هو دونه، وحينما يأخذ وحينما يعطي، وحينما يحتاج إلى الآخرين وحينما يحتاج إليه الآخرون…

الاسلام يخطّط ويعمل ; ليجعل العلاقة فيما بين الناس في الحياة الاجتماعية على كل الأصعدة في جوّ من الأمن والسلام، لتعطي هذه العلاقة الثمرات المطلوبة منها في الحياة الاجتماعية، ويخطط الاسلام ويعمل ليجعل الحياة الاجتماعية حياة آمنة مطمئنة ليتعايش الناس فيها بسلام.

والحرم عينة صغيرة نموذجية في الحياة الآمنة والمطمئنة التي يطلبها الاسلام، والاحرام عينة أخرى نموذجية للحالة التي يطلبها الاسلام للناس في الحياة الاجتماعية، في علاقة الناس بعضهم ببعض، ويعود الحجاج من الاحرام والحرم إلى واقع حياتهم ليأخذوا معهم النموذج الإلهي للحياة وللعلاقات الاجتماعية، ويعيشوا حياتهم بها.

3ـ الانتقال إلى المحور الإِلهي :

وهذه هي المرحلة الثالثة، من رحلة الحج الابراهيمي.

– في المرحلة الأولى : يتخلص الانسان من فرديته وأنانيته وأعراض هذه الأنانية.

– وفي المرحلة الثانية : يصبّ في الحرم في الجماعة المسلمة، وينصهر في هذه الجماعة (الأمّة).

– وفي المرحلة الثالثة : وهي الغاية الأخيرة في هذه الرحلة تصبّ هذه الجماعة في المطاف حول الكعبة.

والكعبة في لغة الحج الرمزية رمز للمحورية الالهية في حياة الانسان . وإذا استطاع الانسان في المرحلة الأولى من هذه الرحلة، أن يتخلص من جاذبية محور الأنانية في حياته، فإنّ المحور الالهي يجذبه جذباً قوياً بطبيعة الحال.وانجذاب الانسان إلى هذا المحور، أمر طبيعي كامن في عمق فطرة الإِنسان، والأنا هو الذي يحجز الإِنسان عن هذه الجاذبية، فإذا تحرر عن حاجز الأنا فانّ الجاذبية الإِلهية تجذبه. والطواف بعد الإِحرام رمز لذلك، فإنّ الاحرام من الميقات يرمز للتحرر من الأنا، والطواف حول البيت يرمز إلى الانجذاب إلى الله تعالى، والحركة حول المحور الالهي في الحياة.

وعليه فإنّ حركة الطواف نقلة في حياة الانسان من الأنا إلى الله تعالى، إنه تعبير رمزي عن التوحيد في حياة الانسان المسلم، إلاّ أنّ هذا التوحيد ليس هو التوحيد النظري، الذي يعرفه الناس، وإنما هو توحيد العبودية لله، وتوحيد الحبّ والولاء والاهتمام، كما ترسمه الآية المباركة من سورة الأنعام :( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )، (9).

إنّ الطواف يرمز إلى الحركة الانسانية الدائمة والمستمرة حول هذا المحور الالهي في التاريخ، وإننا لننظر من بعيد إلى حركة التاريخ، فنرى أنّ حركة التاريخ تجسد (التوحيد) في حياة الانسان، وأنّ الأنبياء (عليهم السلام) وأممهم ـ إلاّ في فترات قصيرة جدّاً ـ يجسدون هذه الحركة البشرية الدائمة حول محور الألوهية، ولكن عندما ندخل نحن ضمن هذه الحركة فسوف نواجه ألواناً من المضايقات والأذى والمشاكسات من الهوى في داخل أنفسنا، ومن الطاغوت في المجتمف ومن شياطين الجنّ والإِنس الذين يضايقون الناس في حركتهم إلى الله.

وحركة الطواف حول الكعبة تجسّد هذا الواقع بالدقة ; فإذا نظرت من الأعلى إلى المطاف ترى حركة دائرة لجماهير الطائفين بصورة مستمرة، وكأنّ أرض المسجد الحرام تطوف بهم حول البيت في حركة منظمة وهادئة، أما إذا دخلت بنفسك في المطاف التقيت بالوجه الآخر لهذه الحركة الانسانية حول المحور الالهي، من المعاناة ومواجهة العقبات والمضايقات، وهو يختلف اختلافاً كبيراً عن الوجه الأول الهادئ والمريح.

– لماذا عبر الانصهار في الجماعة ؟

في هذه المرحلة نحن نفهم المنطلق والغاية في حركة الانسان بصورة دقيقة، فالمنطلق الذي ينطلق منه الانسان هو تجاوز الأنا والذات ويعبر الاحرام في الميقات عن هذا المنطلق، والغاية هي الحركة إلى الله وتوحيده تعالى ، ويرمز الطواف إلى هذه الغاية، ولكن الانسان في الحج يصل إلى هذه الغاية عبر الانصهار في الجماعة المسلمة، ومن دون الانصار في الأمة المسلمة لا يمكن الوصول إلى هذه الغاية.

إنّ التخطيط الاسلامي للحج يؤكد على حضور الأمة المسلمة وتواجدها في موسم الحج من كل فج عميق، ( وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق )، (10). إنّ هذا الأذان والإعلان والدعوة الإِلهية العامة للحج، من قبل الله ورسوله، والاستجابة من قبل الناس من كل فج عميق، يشكل بالتأكيد بعداً هاماً من أبعاد الحج.

وعند ما نستعرض آيات الحج ، والكعبة والبيت، في القرآن منذ أن رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، نجد اهتماماً كبيراً بحضور الناس في هذا البيت، وفي هذا الموسم، وأبلغ ما في ذلك تعبير القرآن عن بيت الله بأنه بيت الناس ( إن أولَ بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين . فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً )، (11).

ومن عجب أنّ الله تعالى يخص الناس ـ عباده ـ بأول بيت وأشرف بيت ويعلن عن أنه بيت للناس ثم يدعو الناس إليه ( ولله على الناس حج البيت ). وفي دعاء إبراهيم(عليه السلام) نجد أنّ إبراهيم خليل الرحمن، عند ما أودع أهله وذريته بهذا الوادي القاحل غير ذي زرف دعا الله تعالى أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ( فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون )، (12). وأيضاً نجد في سورة البقرة ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً )، (13). فالبيت مثابة للناس يجتمع الناس حوله، ويثوب إليه الناس، ويجتمع الناس من كل حدب وصوب، ثم إننا في سورة المائدة نقرأ (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس )، (14) . فالكعبة تقوم حياة الناس، وتقوم حياة الناس بها، وعند الإفاضة يأمر الله تعالى عباده أن لا ينفرد بعضهم عن بعض في الإِفاضة، وإنما يفيض كلُّ منهم حيث أفاض الناس ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله ) ،(15). إذن حضور الناس حول البيت وتواجدهم في الموسم، وانصهار الفرد داخل البيت والحرم في الناس شييء أساس في الحج، في طريق حركة الانسان إلى الله تعالى.

– ونتساءل بعد ذلك، لماذا ؟

وهو سؤال مهم يرتبط بسر من أسرار هذا الدين، فإن هذا الدين يحرك الانسان إلى الله تعالى ولكن من خلال الحضور في وسط الناس فالحج حركة إلى الله، ولكن من خلال الانصهار في الناس، والصلاة معراج كل مؤمن، ولكن من خلال الجماعة، وحتى الاعتكاف الذي هو نحو من الاعتزال عن الناس يتم في المسجد الحرام ومسجد النبي(صلى الله عليه وآله) والمسجد الجامع في الكوفة، والمسجد الجامع في أي بلد، وليس في أي مسجد معزول متروك، فنتساءل مرة أخرى لماذا لا تتم حركة الانسان إلى الله في الحج إلاّ من خلال الانصهار في الناس ومن خلال الحضور في وسط الناس ؟.

والجواب :

إنّ من غير الممكن أن يتجاوز الإِنسان الأنا في عزلة من الناس، وهو شرط أساس في الحركة إلى الله تعالى. والانسان قد يتصور إذا اعتزل الناس، وابتعد عن الحياة الاجتماعية، يتحرر من الأنا والهوى والشهوات والرغبات، ولكنه يخطىء كثيراً، فإنّ نزعات الأنانية تبقى مطوية في خبايا نفسه، وهو غير شاعر بها، فإذا دخل الحياة الاجتماعية واحتكَّ بالناس، برزت هذه النزعات المخبوءة، على السطح الظاهر من شخصيته، ولكن يمكن اجتثاث هذه النزعات والقضاء عليها إلاّ في وسط الحياة الاجتماعية.

إنّ هذه النزعات لا يمكن استئصالها إلاّ من خلال صراع مرير مع النفس في وسط الحياة الاجتماعية، ولا شك أن هذه النزعات، تختفي في حياة العزلة والرهبانية، إلاّ أنّها تبقى كامنة ومختفية في النفس، فإذا صادفت فرصة مناسبة وجوّاً مناسباً تبرز مرة واحدة.  ولذلك لا بدّ من هذا الوسط الاجتماعي والحياة الاجتماعية، والحضور في وسط المغريات والمثيرات ليستطيع الإِنسان أن يتجاوز الأنا بصورة كاملة. وحقيقة أخرى لا تقل أهمية عن الأولى : أنّ حركة الانسان إلى الله تعالى حركة شاقة عسيرة وصبعة، ولا يستطيع الإِنسان أن يطوي هذا الطريق وحده، فإذا حضر نفسه في الجماعة المؤمنة، وانصهر في وسط الأمة هان عليه السير، واستطاع أن يطوي معهم هذا الطريق بكفاءة وجدارة ويسر.

لذلك نقول في الصلاة ، ونكرر في كل يوم عشر مرات (إياك نعبد وإياك نستعين ) بصيغة الجمف وليس بصيغة المتكلم الوحده، فإنّ الطريق إلى الله طريق صعب، وليس من شك أن سلوك هذا الطريق، وطي هذه المسافة مع الجماعة المؤمنة آمن وأسلم وأيسر. ولذلك نجد أنّ الطريق إلى الله ـ تعالى ـ يتمّ في الاسلام، عبر الحضور في الجماعة المسلمة والانصهار فيها، وليس بمعزل عنها.

الأبعاد الثلاثة للحج  :

 تلك هي المراحل الثلاث التي يرسمها الحج بلغته الرمزية الخاصة :

1ـ مرحلة تجاوز الذات.

2ـ مرحلة الانصهار في الجماعة.

3ـ مرحلة الحركة إلى الله.

وهذه المراحل الثلاث هي الأطراف الثلاثة في علاقات الانسان ; فإنّ للانسان علاقة بالله تعالى، وعلاقة بالمجتمع والكون، وعلاقة بنفسه. وهذه العلاقات منظورة جميعاً في الحج، ومن عجب أن تكون علاقة الانسان بالجماعة وانصهاره فيها، هو الجسر الذي يربط الانسان بالله تعالى، وليس هو الحاجز والحاجب والعقبة كما في التصورات الرهبانية.

 بقلم الشيخ: محمّد مهدي الآصفي 

 

الهوامش  :

1 ـ العنكبوت : 67.

2 ـ الانعام : 162.

3 ـ الحشر : 9 10.

4 ـ البقرة : 126.

5 ـ البقرة : 125.

6 ـ العنكبوت : 67.

7 ـ آل عمران : 97.

8 ـ البقرة : 197.

9 ـ الأنعام : 162 163.

10 ـ الحج : 27.

11 ـ آل عمران : 96 97.

12 ـ إبراهيم : 37.

13 ـ البقرة : 125.

14 ـ المائدة : 97.

15 ـ البقرة : 199.

الخميس, 04 كانون2/يناير 2018 05:17

خصائص الحج الاجتماعية

لو نظـرنا الى الحجـاج وهم يطوفون حول البيت الحرام ، وسألناهم من أي البلاد هم ، لوجدنا انهم قد اجتمعوا من كل بلد ، قرب او بعد. ولو اخذنا مثلا الف حاج كعينة ، لوجدنا ان كل واحد من هؤلاء ربما هو من منطقة تختلف عن مناطق الاخرين. وهذا يزيد ايمان الامة بنفسها وبقيمها وبكتابها وبرسولها ، وبالتالي بالله سبحانه وتعالى.

لذلك جاء في الحديث الشريف عن الامام الصادق عليه السلام انه اذا الكعبة اهملت ، فلا يُنظرون. أي ان الامة الاسلامية كلها ستدمر وتزول. فبقاء الامة ببقاء الناس حول الكعبة.

لقد جعل الله سبحانه الكعبة هـدى ورحمـة وبركـة للامة الاسلامية جميعاً وفي كل منطقة من المناطق ، حتى البعيدة منها. فالامة انما تعيش بالكعبة. لذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ﴾ أي قلنا لابراهيـم.. يا ابراهيـم هنا مكان البيـت﴿ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً ﴾ من هذا نستفيد؛ ان هناك علاقة بين بيت الله الحرام، وبين التوحيد في المجتمعات.

ثم قال ربنا عز وجل: ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ وَالرُّكّـَعِ السُّجُـودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ (الحج/26-27)

لقد جاء ابراهيم عليه السلام بزوجته هاجر وطفلـه الصغير اسماعيـل ، وتركهم في تلك الارض القاحلة بين الجبال بأمر الله سبحانه وتعالى، والذي امره ايضاً بأن يذهب الى اعلى جبل قُبيس ويدعو الناس للحج..

وحينما قال ابراهيم: يا رب؛ لمن ادعو، فليس هنـاك احد في هذا الوادي ، وبين هذه الجبال التي ليس فيها ماء ولا كلاء. جاءه الجواب: ان يا ابراهيم عليك الاداء وعلينا البلاع.

وهكذا صعد ابراهيم ذلك الصديق الى اعلى جبل قُبيس ونادى: ايها الناس؛ هلموا للحج.. وكما جاء فـي الحديـث عن أبي عبد الله الامام الصادق عليه السلام قال: " لمّا أمر الله عز وجل ابراهيم واسماعيل عليهما السلام ببنيان البيت وتـمّ بناؤه أمره أن يصعد ركناً ثم ينادي في الناس: ألا هلمّ الحج، فلو نادى هلمّوا الى الحج لم يحجّ إلاّ من كان يومئذ إنسياً مخلوقاً، ولكن نادى هلمّ الحج، فلبّى الناس في اصلاب الرجال: لبيك داعي الله لبيك داعي الله، فمن لبّى عشراً حج عشراً، ومن لبّى خمساً حجّ خمساً، ومن لبّى أكثر فبعدد ذلك، ومن لبّى واحداً حج واحداً، ومن لم يلبّ لم يحج ".

لذلك ترى الناس حين يأتي موسم الحج ترى قلوبهم تتلهف للحج ، واذا بالامور تتهيأ لبعضهم فيوفقون للحج ، ولا تتهيأ للبعض الاخر فلا يتوفقون. وهذا التوفيق، انما جاء منذ ذلك اليوم.

بعد ذلك قال الله تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ

ان الحج ليس مجرد عبادة فردية ، وانما اضافة الى ذلك هي عبادة تتصل بالحياة وبتطوير الامم. فقد جعل الله سبحانه ارض مكة منطقة حرة اعطاها حرمة كاملة ، هو سماها البيت الحرام الذي لا يحق للانسان فيه ان يتجاوز ويعتدي على أي شيء ، حتى النملة اذا كانت على بدنه فلا يحق له ان يأخذها ويرميها على الارض ، وانما عليه ان يضعها في مكان أمين ، وحتى الطير لا يحق للحاج ان يكشه. لذلك تجد ان كل شيء هناك آمن.

وكما يقول الشاعر العربي قبل الاسلام النابغة الذبياني:
والمؤمن العائذات الطير يمسحها ركبـان مكـة بين العـين والسلــم أي قسما برب الذي اعطى اماناً لهذه الطيور العائدة ، التي يمسح على ظهرها المسافرون الى مكة ، وهي بين تلك الاحطاب وتلك الشجيرات البرية التي تسمى بالعين والسلم.

البيت الحرام ، والمسجد الحرام ، المشعر الحرام ، ماذا يعني ذلك ؟ انه يعني الحرية ، بل اقصى انواع الحرية. فهناك يجوز للانسان ان يتحدث بكل صراحة ، ولا يحق لاحد ان يعتدي على احد.

وبالرغم من ان هذه الآيات الكريمة لم تطبق بالصورة الكاملة، الا ان ما طبـق منها حتى الان في المسجد الحرام افادت الامة الاسلامية فائـدة كبـيرة.

ان الحج ينضح كل عام في الامة الاسلامية تياراً من الامل والايمان والتحدي للمشاكل الى ابعد الحدود. وهذا التيـار عليـنا ان نسزيد منه عبر تطهير انفسنا والذهاب الى الحج وقد ادينا كل الحقوق والواجبات التي علينا من قبل الله والناس ، وخصوصاً حقوق الارحام. وبذلك نزداد في الحج طهراً ونقاءاً وايماناً بـإذن الله.

ثم ان علينـا ان نبرمج لحجنـا ، فخـلال الايـام التي يقضيهـا الحـاج في ضيافة الرحمن عز وجل ، علينا ان نستفيد من تلك الساعات بأقصى قدر ممكن من الاستفادة بذكر الله عز وجل، وبتلاوة القرآن. ففي الحديث الشريف: " من ختم القرآن في مكـة لم يمت حتى يرى رسول الله صلى الله عليه وآله ويرى منزله من الجنة ".

ثم الدعاء والتبتل لرب العزة، والدعاء لاخواننا المؤمنين، ولذرياتنا، ولقضاء حوائجنا لدنيا والآخرة، انه سميع مجيب وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين

الخميس, 04 كانون2/يناير 2018 05:14

التجديد وأسرار الحياة الزوجية

بعد أعوام قليلة من الزواج ، وربما قبل انتهاء العام الأول ، تصبح الحياة رتيبة ومليئة بالروتين ، مما يدفع الزوج للبحث عن علاقات نسائية متعددة لإشباع حاجته العاطفية ، أما الزوجة فتعيش حبيسة جدران أحزانها .

ابدأي بالحل

=======

إلى كل زوجة تشعر بجفاء زوجها أو ببعده عنها ، ابدأي أنت بالحل أولاً فخيركما من يبدأ بالسلام ، ولا تعتقدي أن هذا يقلل من شأنك وكرامتك ، بل يزيدك معزة داخل قلبه ، فالرجال يحبون أن يكونوا مرغوبين وأن تظهر لهم زوجاتهم مدى تمسكهن بهم .

* محور اهتمامك : اجعلي زوج يشعر بأنه محور اهتمامك ، فحاولي الاستيقاظ دائماً معه صباحاً، وأعدي له الحمام والإفطار، وساعديه على ارتداء ملابسه، وأيقظي أطفالك لمشاركته طعام الإفطار، وعند عودته من العمل احرصي على أن تتناولوا جميعاً الطعام سوياً ولا تنامي قبل أو بعد ذهابه للفراش . في الوقت نفسه لا تجعليه يشعر بأنه محور حياتك وأن حياتك ستتوقف بدونه، أظهري له أن لديكِ اهتمامات أخرى ولكنه تجعلينه في المقدمة لأنه يستحق حبك واهتمامك .

* كوني وفية بأهله : إذا لاحظت تقصيره في السؤال عن أحد أقربائه بادري أنت، وحاولي أن تنخرطي في عائلته، اعرضي المساعدة معهم في أعمال المنزل ، وإياكِ أن تخبري أحد منهم تفاصيل حياتكما .

* تذكري أنك زوجة : بمجرد دوخلك منزل الزوجية لقبتِ بلقب الزوجة ، وأنت تعلمين أن الزوج من الشيء يطلق على اثنين لا يمكن أن ينفصلا ، لذا تذكري أنك لستِ بمفرد ولديكِ شريك استشريه في أدق التفاصيل ، كعزمك مثلاً على إتباع نظام غذائي ، تغيير أثاث في المنزل ، أطباقه المفضلة على الغداء .. إلخ .

* ابعدي حبة تزيدين محبة: كيف؟ بالابتعاد عن بعضكما بعضا يومين. هذا الابتعاد يتلخص بالانفصال الروحي والجسدي داخل البيت. فلينم كل منكما في غرفة منفصلة وينصرف إلى تصريف أموره الشخصية باستقلالية تامة عن الطرف الآخر. ثم تواعدا على لقاء رومانسي حول مائدة عشاء خفيف تحت ضوء الشموع أو في الحديقة وربما على البلكونة تحت ضوء القمر. التزما بالكلام القليل والنظر الكثير والتعابير الحبية المكثفة. هكذا ستعيدان اكتشاف مشاعركما وتجديد علاقتكما العاطفية بأقل تكلفة وخسائر ممكنة.

* الحب يدعم شباب القلب: لا تعتبري أبداً انك كبرت على الحب مع زوجك. فالقلب يبقى شاباً مهما كبر السن. انسي الأولاد وهمومهم بين وقت وآخر، ودلعّيه ليدلعّك ومازحيه ليمازحك وشجعيه على الخروج إلى المقاهي والمطاعم والأمكنة الخاصة بالشباب، وليس فقط العائلات. شاهدي معه مسرحية كوميدية أو حفلاً غنائياً أو فيلماً جديداً أثار جدل النقاد. فذلك سيرد الحيوية والنشاط لعلاقتكما ومشاعركما.

* عطلة نهاية الأسبوع : خذي لنفسك وزوجك عطلة "ويك إند" بين فينة وأخرى تنعزلان فيها عن كل ما حولكما من أرق وضجيج. لا تلفونات ولا موبايلات ولا علاقات عامة. فقط أنت وهو في مكان هادئ بعيد عن الضجيج ولا يعكر الصفاء حولكما سوى ضحككما ومزاجكما "الرايق" جداً. أعلنيه ويك أند عالميا للكسل.. ناما كثيراً وكلا لتنتعش الصحة واضحكا لشد بشرة الوجه. قد يبدو الأمر غريباً لك، لكنه فعّال ويقوي مناعتكما بعد العودة إلى جو الأسرة وروتينها.

* اظهري احتياجك له: غالباً ما تربط النساء حاجتهن للرجال بضعف في شخصيتهن وهذا خطأ. فمن الضروري جداً أن تشعر المرأة زوجها بحاجتها له في بعض الأحيان، والحاجة هنا معنوية أكثر مما هي مادية، كما يقول الخبراء. إذن أخبري شريكك أين ومتى تحتاجين وجوده بقربك وكيف يمكن له أن يقوم بذلك، حتى لو كنت تحتاجين لمسة يد أو تربيت على الكتف. فهذا سيشعره بالأهمية وبميولك الأنثوية تجاهه وقدرته على تطييب خاطرك وإشباع احتياجاتك. لا تنسي طبعاً أن تعامليه بالمثل.

* توقفي عن لوم زوجك على التعاسة التي تشعرين بها: تذكري دائما انه إذا كنت تشعرين بالتعاسة بسبب تصرفات زوجك فان ذلك لا يعني بالضرورة أن هناك أمر خاطئ بتصرفاته بل انه رد فعلك أنت.

أبعدي الملل الجنسي

===========

الدكتورة هبة قطب ، متخصصة الطب الجنسي والعلاقات الزوجية ، أكدت أن التعاسة تبدأ من الفراش .

لذا عليكِ يا عزيزتي أن تهتمي بالجانب الآخر من علاقتك بزوجك ، إليكِ بعض نصائح الأطباء التي تساعدك على تحقيق علاقة حميمة ناجحة بعيداً عن الملل :

ـ الثياب لها دور أساسي ومهم في هذه العملية فجدديها كلما استطعتِ واحرصي على التنوع في الأشكال والألوان .

ـ نوعي في اختيار عطوركِ لا تثبتي على نوع واحد مع ملاحظة أن العطور الهادئة تهيئ جواً رومنسياً ، ولا تنسي أن للعطر دور هام في إثارة الرجل جنسياً لذا ينصحك الأطباء باستقبال زوجك بالعطور لا بروائح البصل والثوم التي تشع من ملابسك بعد تحضير الطعام .

ـ جددي في أوضاع الممارسة وأماكنها حتى لاتشعرين بروتين يومي قاتل ، فغرفة النوم ليست المكان الوحيد لممارسة الجنس ، لا تتقيدي بمكان معين ، اجعلي ذكرياتك أنت وزوجك تلاحقكِ في المنزل بأكمله .

ـ غيري أثاث غرفة النوم وإذا لم تستطيعي انقلي الأثاث من مكان إلى أخر لتشعري دائماًُ بالتجديد .

ـ اختاري أنواع الورود التى يحبها زوجك وضعيها في أماكن مختلفة مع تشغيل إضاءة مختلفة عن الإضاءة المعتادة .

للرجال فقط

=======

أما أنت عزيزي الزوج ، فيقع على عاتقك دور كبير في إبعاد الممل عن حياتك الزوجية لا يقل أهمية دور زوجتك في ذلك ، لذا ينصحك علماء النفس بأن تحاول دائماً أن توفر لها الراحة في كل الظروف الحياتية.

* لا تظهر لها عيوبها بشكل مباشر.

* اشتر لها هدية بين حين وآخر، وابتكر في تسليم الهدية لها كأن تخفيها في مكان ثم تدعوها إليه مثلاً.

* لا تكن عنيفاً في التعامل معها!.

* إذا كانت لديها هواية فشجعها عليها.

* اعمل على رعايتها في بعض حالاتها النفسية، خصوصاً في وقت (الحمل).

* عند عودتك إلى المنزل، فلا تفكر بعملك، وتحدث معها باهتماماتها وأحوالها اليومية.

* نادها باسم مميز إليها.

* قبّل رأسها إذا بذلت مجهوداً من أجلك، أو عند دخولك المنزل.

* حاول أن تفاجئها ببعض الطلبات التي كنت ترفضها وأحضرها لها.

* لا تعاملها كما يعامل الرئيس مرؤوسه بالأوامر فقط.

* تغزل بها بين حين وآخر.

* امتدح رائحة المنشفة وطريقة ترتيب الفراش ووضع الملابس وتطييبها وتنسيق الزهور، وكل ما لامسته يدها.

* بين مزايا الوجبة ومدى رغبتك فيها، وأنها كانت في خاطرك منذ يوم أو يومين.

* علّم الأبناء ألاّ يتقدموا على والدتهم بالطعام.

* ساعدها على تجهيز المنزل إن كان لديكما ضيوف.

* اعمل على حُسن استقبال أهلها عند زيارتهم.

* أحضر لهم هدية بين حين وآخر.

* أمدحها أمام أهلها في حُسن ترتيبها المنزل وتربية أولادها.

* إذا مرضت اهتم بها واسهر على راحتها ورعايتها.

* اتفق معها على أسلوب لتربية الأبناء حتى لا تختلفا في ذلك.

* حاول أن تجعل يوماً واحداً في الأسبوع للأسرة للخروج والزيارة للترفيه عن النفس والابتعاد عن الروتين المنزلي.

* اجتمع معها لعبادة الله، كقيام الليل أو قراءة القرآن أو غيرهما .

* إذا سافرت فحاول أن تأخذها معك إن استطعت.

* إذا سافرت دونها فأخبرها بمشاعرك تجاهها ومكانتها.

الخميس, 04 كانون2/يناير 2018 05:13

أغذية للسعادة الزوجية

أكدت دراسة حديثة أهمية تناول أغذية معينة لتنشيط عواطف العلاقات الزوجية بتأثير رائحتها او مذاقها او حتى شكلها بما يكون دافعا قويا للحب والعاطفة ويجعل الجسم في افضل حالة مزاجية للسعادة الزوجية .

 وأوضح الدكتور مصطفى عبدالرازق نوفل أستاذ علوم التغذية بجامعة الازهر انه تم وضع قائمة جمعت بعض المواد الغذائية والمشروبات والروائح العطرية ومكسبات الطعم الطبيعية التي يعتقد انها تعطي للجسم تأثيرات مختلفة تحقق له مشاعر الحب والسعادة ومتعة الحياة ونشرت هذه القائمة حديثا تحت اسم قائمة "افروديت" لاغذية وعطور الحب، وذكرت انها كانت معروفة عند الاغريق ومستخدمة من اجل تحقيق السعادة الزوجية.

وتضم هذه القائمة الخضراوات مثل الخرشوف والفجل واللفت والجزر وعيش الغراب وشوربة البصل و الطماطم التي تعرف باسم تفاحة الحب، وذلك لاحتوائها على البوتاسيوم والفوسفور والكالسيوم وفيتامين "هـ" الذي قد يساعد في الانتاج الهرموني للجسم ورفع مستويات طاقته .

 وتضم أيضا المكسرات مثل الصنوبر وعين الجمل واللوز والبندق على اساس انها غنية بالمكون الاميني "ارجينية" الذي يدعم من انسياب الدم خلال الاجزاء المختلفة للجسم لانتاج اوكسيد النيتريك الذي يعمل على انبساط الاوعية الدموية فيزداد تدفق الدم بها ويخفض من الضغط والتوتر .

وأغذية بحرية مثل المحار وسمك الثعبان والكامبار والجمبري وجراد البحر "لويستر" لكثرة محتواها من الزنك الذي يساعد على تحسين الحالة المزاجية والصحة العامة للجسم .

 وتضم الفواكه مثل الفراولة والعنب والتين على صورتها الطبيعية كفواكه او عصائر او مشروبات او آيس كريم بالاضافة إلى التفاح والموز، لاحتوائه على مركبات تؤثر في المخ وترفع من الحالة المزاجية للجسم وتزيد من الثقة بالنفس .

 وتحتوى على عسل النحل، لانه غنى بفيتامين "ب" المركب وعدة معادن تساعد على تنشيط المشاعر العاطفية في الرجل والمرأة، وكمكا أن الشيكولاته تعمل بعض مكوناتها على افراز كيميائيات في المخ تنشط من مشاعر الحب .

 مشروبات مثل شاي الجينسنج ومكسبات الطعم والرائحة الطبيعية مثل الفانيليا والياسمين الطبيعي وهي التي ارتبطت منذ زمن بعيد بتأثيراتها المحسنة للحالة المزاجية وبخاصة عند الرجال وكذلك زهور اللافندر فهو محفز قوي لعاطفة المرأة .

الخميس, 04 كانون2/يناير 2018 05:11

شهر العسل والمرحلة "قبل النقدية"

بعد تعارف الشريكين وتقريرهما الزواج، تبدأ مرحلة جديدة من العلاقة إذ يحاول كل شريك تنظيم علاقة وثيقة ومميزة مع الآخر. كل شريك يشعر أن شيئاً جديداً سوف يحدث: نظرة جديدة نحو العالم ونحو الشريك ونحو ذاته.

أكثر ما يُميّز هذه المرحلة هو أن كل شريك يعمل على طرد ونفي كل عنصر عدواني تجاه الشريك الآخر كما أنه يتجاهل أخطاءه وعيوبه وهو بالتالي غير قادر على تصور أية رؤية متعارضة مع الرؤية المؤمثلة المكونة عن الآخر. تحصل (المثلنة) إلى حد إنكار الواقع وتغيير الوجه الحقيقي للشريك الآخر.

في إطار هذه العلاقة، يحس كل شريك أنه منصهر مع الآخر كأنه يشكل جزءاً من ذاته. هذا الانصهار يُمثل درجة متقدمة من زوال حدود الأنا والحدود بين الأنا والآخر، هذه الحدود المشتركة للشريكين تفصلهما عن بقية العالم وتجعلهما يشعران أنهما لوحدهما في هذا العالم.

هذا الانصهار أو الاتحاد الوثيق يساهم في تنظيم وتوطيد العلاقة المستقبلية للشريكين، لكن الخطورة في هذا الانصار (تكمن أحياناً في ضياع الأنا الفردية ضمن اطار التواطؤ النرجسي، إذ يسعى الشريكان إلى تحديد الحدود المشتركة في ما بينهما خشية أن يفقد كل شريك أناه الفردية). يجني الشريكان في هذه المرحلة فوائد كثيرة على مستوى (التوكيد النرجسي) الفردي وعلى مستوى (الإشباع الليبيدي).

ويطرأ في هذه المرحلة تغييرات خارجية تفرض نفسها من جديد كالواجبات الاجتماعية والمتطلبات الاقتصادية وغيرها. وهنا يصبح الشريكان مضطرين للتركيز على مواضيع أخرى غير أنفسهما.

وهكذا تبدأ مرحلة طويلة نوعاً ما إذ تظهر (ردات فعل) يمكن أن نسميها (قبل نقدية)، (ردات الفعل) هذه يمكن أن يكون لها نتائج خطرة على صعيد العلاقة الزوجية وذلك بمقدار ما تحول دون التحضير لتنظيم روابط جديدة، فالتعلق بالماضي وذكرياته المذهلة يمكن أن يعيق تكيف الشريكين مع المراحل الجديدة لوجوده. الظاهرة البارزة في هذه المرحلة هي أن الشريكين يحاولان ـ بشكل لا شعوري ـ تنظيم سيرورات دفاعية مهمة كي يتجنبا الصدع الذي يهدد علاقتهما: فيحاول كل شريك أن يبعد عن حقل وعيه كل رؤية مسيئة يمكن أن تؤثر على طبيعة العلاقة المؤمثلة.

يحدث في هذه المرحلة أيضاً، أن يعمل كل شريك على إنكار الصدع وخيبة الأ/ل وتجاهلهما وذلك بالتواطؤ مع شريكه الآخر. فبعض الأشخاص يعملون للمحافظة على الطابع الانصهاري لعلاقاتهم وذلك بدمج الآخر مع ذاتهم والغاء الحدود بين بعضهما بعضاً مع احتمال رفض أي وجود خاص أو مستقل للشريك واستبعاد أي آخر. هذه العملية لا يمكن أن تتحقق إلا بمقدار ما تتطابق مع تواطؤ الشريكين في ما بينهما.

يحدث أحياناً أن تبرز سيرورات الإتنشطار بأشكال أكثر تنظيماً ويطلق عليها، في هذه الحال، (التقسيم الثنائي). يسمح هذا (التقسيم الثنائي) ـ عبرا لسيرورات الإسقاطية ـ بفصل مظهرين عند الشريك: مظهر ملائم وسار ومطمئن ويسند إلى الشريك نفسه، ومظهر آخر مُخيّب وناقص وعدواني ويُسند إلى الأشخاص الذينك ان يخضع لهم هذا الشريك ـ عائلته وعمله وأصله وأصدقائه ـ . وهكذا فإن (المثلنة) لا تقوم إلا على قسم أو مظهر جيد مسنود إلى الشريك، أما القسم السيئ فيسند إلى الأشخاص الآخرين.

في موضع آخر، نلاحظ أن المظهر الوهمي والثنائي للعلاقة يتخذ أشكالاً مختلفة: يحدث، في هذه الحال، تكوين نوع من الأمانة الحقيقية لا للشخص المحبوب بحد ذاته، وإنما (لصورة مدموجة) ومؤمثلة من تلقاء نفسها، الموضوع المدموج هنا ليس سوى (تمثل) يحدث نتيجة سيرورة عامة. وغالباً ما نلاحظ ـ عند بعض الأشخاص ـ أن هذا التمثل يختلط مع الواقع الخارجي مؤدياً بالتالي إلى تجاهل حقيقي للآخر. وهكذا تقوم علاقة من (التملك المطلق) بالنسبة للصورة المدموجة والملائمة مع العالم الاستيهامي الداخلي. الشيء المهم بالنسبة للأشخاص الضعفاء ـ الذين يعانون من عدم الأمان والاكتئاب ـ هو التملك الأكيد والنهائي لهذه الصورة المدموجة مع احتمال استبعاد الشخص الذي كان في مرحلة معينة ركيزة أو دعامة هذه الصورة والذي أصبح حالياً، يُنظر إليه بذاته كخائن لهذه الصورة. نلاحظ، في هذا السياق، أن الشخص الضعيف يمكن أن يُعرِّض نفسه لخطر الموت إذا شعر أن شريكه يحرمه من العطف المتوقع منه أو أصبح خائناً للصورة التي كونها عنه.

  • د. عبدالحليم سمعان
الخميس, 04 كانون2/يناير 2018 05:08

اسس الحياة الزوجية

إن عدم تفهم مسألة الزواج والتغافل عن الحقوق الزوجية وإهمال الممارسات التي كان ينبغي العمل بها تؤدي إلى زيجات فاشلة .

وانطلاقاً مما ورد في القرآن الكريم من إشارات وما ورد في الأحاديث والروايات ، فإن مقومات الحياة الزوجية هي كما يلي :

1 ـ المودّة والصفاء :

ينبغي أن تسود الحياة الزوجية علاقات المودّة والمحبة والصفاء ، فإن الحياة الخالية من الحب لا معنى لها ، كما أن ارتباط الزوجين الذي يؤدي إلى ظهور جيل جديد يجعلهما في موضع المسؤولية المشتركة .

والمودة من وجهة قرآنية هي الحب الخالص لا ذلك الحب الذي يطفو على السطح كالزبد . الحب المنشود هو الحب الذي يضرب بجذوره في الأعماق . وعلى هذا فإن الأسرة التي تتوفر فيها هكذا مواصفات سوف يشملها الله بعطفه ورضوانه .

ينبغي أن يكون الزوجان صديقين حميمين يتقاسمان حلاوة الحياة ومرارتها وأن يحلاّ مشكلاتها في جو هادىء، يبث أحدهما همه للآخر ويودعه أسراره . وإن الحياة الزوجية التي تفتقد هذا المستوى من الثقة المتبادلة هي في الواقع محرومة من رحمة الله .

2 ـ التعاون :

إن أساس الحياة الزوجية يقوم على التعاون ومساعدة كل من الزوجين للآخر في جوٍّ من الدعم المتبادل وبذل أقصى الجهود في حل المشاكل وتقديم الخدمات المطلوبة . صحيح أن للزوج وظيفته المحددة ، وللزوجة هي الآخرى وظيفتها المحددة ، ولكن الصداقة والمحبة يلغي هذا التقسيم ويجعل كلاً منهما نصيراً للآخر وعوناً ، وهذا ما يضفي على الحياة جمالاً وحلاوة ، إذ ليس من الإنسانية أبداً أن تجلس المرأة قرب الموقد وتنعم بالدفء في حين يكافح زوجها وسط الثلوج أو بالعكس ، بذريعة أن لكل منهما وظيفته !.

3 ـ التفاهم :

تحتاج الحياة المشتركة إلى التفاهم والتوافق ، فبالرغم من رغبة أحد الطرفين في الآخر ، إلا إن ذلك لا يلغي وجود أذواق مختلفة وسلوك متباين ، وليس من المنطق أبداً أن يحاول أحدهما إلغاء الآخر في هذا المضمار ، بل إن الطبيعي إرساء نوع من التوافق والتفاهم حيث تقتضي الضرورة أن يتنازل كل طرف عن بعض آرائه ونظرياته لصالح الطرف الآخر في محاولة لردم الهوّة التي تفصل بينهما ومدّ الجسور المشتركة على أساس من الحب الذي يقضي بإجراء كهذا ، وأن لا يبدي أي طرف تعصباً في ذلك ما دام الأمر في دائرة الشرعية التي يحددها الدين .

4 ـ السعي نحو الاتحاد :

الحياة تشبه إلى حد بعيد مرآة صافية ، فوجود أقل غبار يشوّه الرؤية فيها ، ولذا ينبغي السعي دائماً لحفظها جلية صافية .

إنّ الحياة المشتركة تحتاج إلى التآلف والاتحاد ، ولذا فإن على الزوجين أن يتحدّا فكرياً وأن ينعدم ضمير الأنا تماماً في الجو الأسري و يجب أن يكون القرار مشتركاً وأن يدعم كل منهما رأي الآخر .

أما المسائل التي تبرز فيها وجهات النظر المختلفة فإن أفضل حل لها هو السكوت والمداراة إلى أن يتوصل الطرفان إلى حل مشترك آخذين بنظر الاعتبار أن النزاع سيوجه ضربة عنيفة لهما ولأطفالهما .

5 ـ رعاية الحقوق :

وأخيراً ، فإن الحد الأدنى في الحياة الزوجية هو رعاية كل طرف لحقوق الطرف الآخر واحترامها . ومن المؤكد أن أقصى ما وصلت إليه مختلف المذاهب والعقائد في حقوق الزوجية موجود في النظام الإسلامي .