Super User

Super User

نشرت القوات البرية الأمريكية، الثلاثاء، تقريرا أعدته حول احتلال الولايات المتحدة للعراق، أعلنت فيه أن إيران هي الرابح الوحيد في العراق.

وأعدت القوات البرية التقرير البالغ 1300 صفحة حول الأنشطة والعمليات الأمريكية في العراق ما بين عامي 2003 و2018.

وتضمن التقرير حوالي 1000 وثيقة رفعت السرية عنها حول الاحتلال الأمريكي للعراق، وحركات المقاومة التي ظهرت إبان الاحتلال، والانسحاب الأمريكي من العراق.

وفي ختام التقرير ترد عبارة: "مع إتمام هذا المشروع في 2018، تبدو إيران الجريئة وصاحبة السياسات التوسعية الرابح الوحيد (في العراق)".

وأشار التقرير أن حرب العراق ألحقت أضرارا كبيرة بعلاقات الجيش والسياسة في الولايات المتحدة، وبالشعب الأمريكي.

ولفت إلى أن الدرس الذي استخلصه الجيش الأمريكي من العراق هو أنه لن يبادر إلى احتلال أي بلد من الآن فصاعدا من خلال قوة برية كبيرة.

وادعى التقرير أن الولايات المتحدة لم ترسل أبدا قوة كافية من أجل مكافحة "المتمردين السنة" و"الميليشيات الشيعية" في العراق.

وأضاف: "بينما وفرت إيران وسوريا المكان والدعم للمقاتلين السنة والشيعة، لم تضع الولايات المتحدة أبدا أي استراتيجية شاملة للحيلولة دون ذلك".

وحول عمليات التحالف الدولي في العراق، أوضح التقرير أن عدم إرسال البلدان الأعضاء في التحالف قوات كافية أدى لفشل عملياته في البلاد.

وبيّن أن جهود تدريب الجيش العراقي بقيادة الولايات المتحدة كانت غير كافية، واستلم الجيش العراقي الملف الأمني في وقت مبكر.

وقال إن الولايات المتحدة لم تعامل معتقلي الحرب "معاملة الأسرى"، وأنها لم تضع استراتيجية بشأن كيفية محاكمة المعتقلين، ما أدى إلى عودة الكثير من المقاتلين إلى ساحة الحرب.

وأضاف: "لا تجلب الديمقراطية الاستقرار دائما. كان القادة الأمريكيون يعتقدون أن انتخابات 2005 سيكون لها مفعولا مهدئا، لكن على العكس، زادت التوتر العرقي والطائفي".

يذكر أن القوات البرية الأمريكية بدأت بإعداد التقرير عام 2013، ولم ينشر رغم إتمامه في 2016.

دفع قرار الرئيس الأمريكي إسرائيل لإعادة رسم إستراتيجياتها العسكرية لمنع إيران والقوات الحليفة لها من تعزيز تموضعها على الأراضي السورية بما تعتقد إسرائيل أنه يشكل تهديدا وخطرا على أمنها الوطني

من بين أبرز المتغيرات ذات التداعيات غير المحسوبة، قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 19 كانون الأول/ديسمبر 2018 سحب قوات بلاده من سوريا على الرغم من "التراجع" والضبابية في الموقف النهائي من القرار الذي "قد" لا يطبق حتى مع سحب أعداد كبيرة من الآليات والمعدات القتالية إلى العراق.

دفع قرار الرئيس الأمريكي إسرائيل لإعادة رسم إستراتيجياتها العسكرية لمنع إيران والقوات الحليفة لها من تعزيز تموضعها على الأراضي السورية بما تعتقد إسرائيل أنه يشكل تهديدا وخطرا على أمنها الوطني.

تعتمد إيران في نشاطاتها العسكرية خارج الحدود على قوة فيلق القدس، المسؤول عن العمليات الخاصة للحرس الثوري الإيراني خارج الحدود، ومجموعات شيعية مسلحة عراقية وأفغانية وسورية وباكستانية ومن دول أخرى، إضافة إلى ذراعها الأقوى في المنطقة، حزب الله اللبناني، لإنشاء موطئ قدم في هضبة الجولان السورية وجنوب لبنان على الحدود مع إسرائيل.

وتعتقد إيران أن تحالفها العميق مع سوريا والذي يمتد إلى حرب الخليج الأولى (1980 ـــــ 1988) ووقوف سوريا إلى جانبها في حربها على العراق، هو التحالف الأعمق والأكثر خدمة لمشروعها في الهيمنة على المنطقة والحصول على موطئ قدم "مضمون" على شواطئ البحر الأبيض المتوسط على الساحلين السوري واللبناني.

كما أن إيران التي ترى أنها تقود "محور المقاومة" ضد إسرائيل والهيمنة الأمريكية في المنطقة، تجد من مصلحتها الإستراتيجية إدامة التحالف مع سوريا والوقوف إلى جانب نظامها ضد المعارضة التي تحاول الإطاحة به منذ آذار/مارس 2011.

ولإيران تواجد عسكري ونفوذ تقليدي في جنوب لبنان على الحدود مع إسرائيل، وهي خاضعة لسيطرة ونفوذ حزب الله اللبناني، وفي سوريا على خطوط وقف إطلاق النار في هضبة الجولان حيث تنتشر مجموعات شيعية مسلحة حليفة لإيران، وأيضا في قطاع غزة الخاضع لسيطرة حركة حماس؛ وهي جبهات ثلاث يتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي عن ضرورة مواجهتها للحفاظ على أمن إسرائيل ووجودها الذي حذّر أكثر من مرة بقدرة إسرائيل على الوصول إلى "كل من يسعى لإلحاق الضرر بها".

أما الإستراتيجيات الإسرائيلية فتركز، وفق ما يتحدث عنها مسؤولون إسرائيليون، على منع "أي" تواجد عسكري إيراني على الأراضي السورية، سواء العسكري أو شبه العسكري التابع للحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك المنشآت العسكرية التي أقامتها إيران على الأراضي السورية بعد تدخلها المباشر إلى جانب قوات النظام منذ عام 2012، بالإضافة إلى انتشار القوات الحليفة لإيران من المجموعات الشيعية المسلحة أو من حزب الله اللبناني على الأراضي السورية، أو بالقرب من الحدود مع إسرائيل كأولوية.

وتعتقد إسرائيل أن العدو الرئيسي لها في المنطقة، هي إيران التي تعمل على تطوير أسلحة نووية وكثيرا ما هدد مسؤولون إيرانيون كبار بتدمير إسرائيل وإزالتها من الوجود.

لم تهتم إسرائيل بمعالجة الوجود الإيراني عسكريا في سوريا إلا بدءا من العام 2017، حين باشرت باستهداف مواقع تابعة للحرس الثوري أو القوات الحليفة، بما فيها مواقع مشتركة مع قوات النظام السوري.

تركز إسرائيل على منع تواجد عسكري إيراني دائم في سوريا والحد من بناء مصانع تطوير الأسلحة والصواريخ متوسطة المدى التي ترى فيها إسرائيل تهديدا جديا لأمنها ووجودها.

وتحاول إسرائيل من خلال مواصلة الضربات الجوية والصاروخية منع تطوير أو نقل الأسلحة والذخيرة الإيرانية إلى حليفها في لبنان، حزب الله اللبناني، كما تواجه إسرائيل منذ عدة أسابيع تحدي القضاء على أنفاق لحزب الله على جبهتها الشمالية مع لبنان.

وفق معطيات واقع تعامل إيران مع مئات الضربات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مواقع تواجدها هي والقوات الحليفة لها على الأراضي السورية، فإن احتمالات المواجهة الإيرانية الإسرائيلية على الأراضي السورية تبدو مستبعدة تماما في المدى المنظور.

اقتصرت الردود الإيرانية على المزيد من التحذيرات والتهديدات لإسرائيل في أعقاب كل ضربة يتلقاها الحرس الثوري والقوات الحليفة له على الأراضي السورية، وآخرها الضربات الجوية والصاروخية يوم 20 كانون الثاني/يناير التي قتل فيها 12 إيرانيا وأكثر من 26 شخصا آخرين من القوات الحليفة لها والقوات السورية.

وليس بعيدا عن الردود الإيرانية المعتادة، فإن مسؤولي النظام السوري يكتفون أيضا بإطلاق التهديدات ضد إسرائيل بعد أي ضربات تتعرض لها مواقع قوات النظام أو القوات الإيرانية والقوات الحليفة لها.

وفي أحدث التصريحات السورية، تحدث مندوب سوريا في الأمم المتحدة متسائلا عما إذا كان على سوريا أن ترد على الضربات الإسرائيلية باستهداف مطار بن غوريون الإسرائيلي في تل أبيب.

ثمة احتمالات "متواضعة" لاضطرار إيران للرد على الضربات الإسرائيلية في العمق الإسرائيلي والاكتفاء بتوجيه القوات الحليفة لها "لإزعاج" الإسرائيليين في المستوطنات القريبة من خطوط التماس سواء في الجولان السوري أو جنوب لبنان أو في قطاع غزة.

وتعلن إيران مرارا أنها مستعدة لمواجهة إسرائيل والرد عليها مهددة بإزالتها من الخريطة.

وأعلن قائد القوات الجوية الإيرانية في رده على الضربات الإسرائيلية على مواقع إيرانية في 20 كانون الثاني/يناير، أن بلاده مستعدة لحرب حاسمة للقضاء على إسرائيل.

في 24 كانون الثاني/يناير، فتحت "قوات" تتمركز على خط وقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل في هضبة الجولان، نيران أسلحتها على دورية إسرائيلية ردت عليها بالمثل دون وقوع إصابات بين الطرفين.

سبق ذلك، إطلاق صاروخ إيراني في 20 كانون الثاني/يناير ردت عليه إسرائيل بسلسلة من الضربات الجوية على مواقع إيرانية وسورية جنوب العاصمة دمشق ومطارها الذي أصابته سبعة صواريخ إسرائيلية من أربع طائرات كانت تحلق فوق البحر الأبيض المتوسط قبالة السواحل اللبنانية.

استهدفت الضربات الإسرائيلية في موجتها الأخيرة، أهدافا عسكرية إيرانية سورية مشتركة جنوب العاصمة دمشق وبطاريات الدفاع الجوي ومواقع خاصة بفيلق القدس في أنحاء متفرقة من سوريا جاوزت 37 موقعا مستهدفا، من بينها مواقع تابعة للاستخبارات الإيرانية ومعسكرات تدريب للمجموعات الشيعية المسلحة.

جاءت الضربات الإسرائيلية ردا على إطلاق صاروخ إيراني أرض أرض متوسط المدى على الأراضي الإسرائيلية فشل في الوصول إلى هدفه بعد اعتراضه من منظومة الدفاع الصاروخية (القبة الحديدية) قبل يوم واحد فقط من الرد الإسرائيلي.

وفي غياب أي رد عسكري سواء إيراني مباشر أو عبر القوات الحليفة، هدد قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني بشن هجوم واسع داخل الأراضي الإسرائيلية قبل انتخابات 9 نيسان/أبريل القادم لإسقاط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الانتخابات.

في خريف عام 2017، كشفت إسرائيل أنها نفذت أكثر من 100 ضربة على مواقع إيرانية في سورية وأرتال نقل الأسلحة والمعدات لحليفها في لبنان، وبلغت وفقا لتقارير إسرائيلية، أكثر من 200 ضربة خلال عام 2018.

لكل من إيران وإسرائيل وسائل ردع متبادل تميل كفتها لصالح إسرائيل القادرة على شن ضربات جوية وصاروخية مكثفة دون الدخول ضمن مدى الدفاعات الجوية المحتملة في سوريا، في ذات الوقت الذي تمتلك إسرائيل درعا صاروخيا (القبة الحديدية) يحول دون وصول الصواريخ الإيرانية إلى المدن الإسرائيلية بينما لا يعتقد أن القوات الجوية الإيرانية تمتلك ما يكفي من الطائرات الحديثة والتقنيات المتطورة التي تجنبها وسائط الدفاع الإسرائيلي المضادة للجو.

إلا أن امتلاك إيران لأكثر من 150 ألف صاروخ في مخازن تابعة لحزب الله، وفق تقارير إسرائيلية، يمكن لها إذا استخدمت بكثافة إطلاق عالية أن تربك الدفاعات الجوية الإسرائيلية واحتمالات سقوط أعداد منها على المدن والمنشآت الإسرائيلية، وهو ما تعتقد إيران أن إسرائيل سترد عليه بقوة في العمق الإيراني، ما يجعل الوضع ثابتا على ما هو عليه حتى إشعار آخر.

الثلاثاء, 29 كانون2/يناير 2019 12:08

شُبهات و تساؤلات حول المرأة(23)

رفع أعداء الإسلام شعار المطالبة بحرية المرأة، وعدم تقييدها بقيد، فتمارس رغباتها وشؤونها، وأهواءها كيف تشاء وقد سعوا جاهدين بغزوهم الثقافي - تحت شعار الديمقراطية - لبلادنا وفتياتنا في إقناع المجتمعات بأنّ الدين الإسلامي يسلب الحرية، ويقيد المرأة في ممارسة ما تشاء، ومع الأسف فقد اقتنع الكثيرون بهذه النظرية، وانطلت عليهم الحيلة.

* * * * *

وللجواب عن ذلك نقول:

من الطبيعي وقبل كل شيء أن نسأل ما هي الحرية؟ فإن تحديد المفهوم بشكل واضح سيقطع الطريق على رفع الشعارات البراقة بظاهرها، والفارغة أو المتناقضة في مضامينها.

الحرية هي فتح الخيارات أمام الإنسان وتعريفه بها، وكشف حقائقها أمامه ليختار بعد ذلك ما رأى فيه مصلحة، هذه هي الحرية.

فليست الحرية هي (اللا أبالية) التي قد يشتبه على الكثيرين من الشباب ، ويوهمون أنفسهم أنهم أحرار، فاللاأبالية هي في الحقيقة التيه والضياع، وليست من الحرية في شيء.

إن التحرر الحقيقي والذي يجب أن تسلط عليه الأضواء هو خلع كل قيود الفساد والجهل والضلال، فإن الفساد هو الذي يمنع المرأة من التحرر، وكذلك الانسياق وراء الشهوات هو الذي يجعل المرأة أسيرة، ويسجنها في قفص الهوى والشيطان في أعواد أسموها الحرية والديمقراطية، أما إذا حرّرت نفسها من هذا  الضلال والفساد، وفكت أسرها من هيمنة الهوى وحبائل الشيطان، ورجعت إلى عقلها، والتجأت إلى ربها وإقامة حكمه على نفسها فهذه هي الحرية، لذا فالسفور هو استعباد الهوى وتأله الفتن فتصبح المرأة أسيرة هواها، لا أنها عند ذلك تتحرر، وأما الحجاب فهو قمع للهوى وتخلٍ عن الفتن والالتجاء إلى الله تعالى وكسر قيود الدنيا، فهذه الحرية التي لابد وأن تتنعم بها المرأة، وبعد هذا فلها مزاولة نشاطها وممارسة أعمالها، وتقرر مصيرها دون أن يضغط عليها أحدٌ، ودون أن تراجع أحداً، وفي هذا الصدد يقول الإمام الراحل الخميني: Sفيما يخص المرأة، لم يعارض الإسلام حريتها أبداً، بل على العكس عارض الإسلام تحول المرأة إلى سلعة، وأعاد إليها عزها وشرفها ومكانتها.. هي حرة في اختيار مصيرها ونشاطها، بيد أن نظام الشاه كان يسعى دون حريتها من خلال إغراقها في أمور مخالفة للأخلاق. والإسلام يرفض ذلك بشدة، لقد صادر النظام البائد حرية المرأة مثلما صادر حرية الرجل، ونحن نحاول تحرير المرأة من الفساد الذي أوقوعها فيه([1])R.

وهذا المعنى أكدته روايات أهل البيت (عليه السلام) ، قال علي (عليه السلام): «من ترك الشهوات كان حرَّاً([2])».

وقال الصادق (عليه السلام): «إن صاحب الدين رفض الشهوات فصار حرّاًً»([3])، وفي تعبير عظيم، لمولى الموحدين الإمام علي (عليه السلام) قال:« من قام بشرائط العبودية أهل للعتق، ومن قصّر عن أحكام الحرية أعيد إلى الرق» ([4]).

هذا، ولو كان مقصود أولئك من المطالبة بحرية المرأة، أن تحصل على حقوقها، فلا يوجد نظام من قريب أو بعيد ضمِنَ حقوقها، ورعاها كالإسلام، كما بيّنا ذلك فيما تقدم في بعض العناوين السابقة، فراجع.

 

 

[1] ـ المرأة في فكر الإمام الخميني: 57.

[2] ـ من لا يحضره الفقيه 3: 5، باب اتقاء الحكومة.

[3] ـ أمالي المفيد 52: 14.

[4] ـ غرر الحكم: ح8529.

الثلاثاء, 29 كانون2/يناير 2019 12:06

شُبهات وتساؤلات حول المرأة(22)

لقد خطّ الغرب ومن تبعهم طريقاً لإخراج المرأة من حجابها وعفتها وحيائها، فدعاها إلى السفور والتبرج تحت شعار الانفتاح والحرية، والتطور والحضارة، ولم يكن ذلك منهم إلا لدحض الإسلام والعبودية، عن ساحة المجتمع.

وفيما يلي توضيح عام لهذه المفردات والمفاهيم الإسلامية التي تتعلق بعفة المرأة، من الحجاب والتزين والحياء والأسئلة والشبهات الواردة حولها:

* * * * *

1- المرأة والحجاب

لا يشك أحد من المسلمين بأنَّ الحجاب فرض على المرأة، ويعتبر ذلك من الأحكام البديهية التي توارثها المسلمون جيلاً بعد جيل، وقد استدل على وجوبه بالأدلة الثلاثة من الكتاب الكريم والسنة الشريفة والإجماع.

أما الكتاب، فقد استدل على وجوب الحجاب بآيتين: الآية الأولى، قوله تعالى: (يَا أَيّهَا النّبِيّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِن جَلاَبِيبِهِنّ ذَلِكَ أَدْنَىَ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رّحِيماً)([1]).

وهي واضحة الدلالة على وجوب الحجاب، لأن الله تعالى يأمر نبيّه أن يأمر النساء به، فإن معنى (يدنين) يبالغن في التستر بالجلباب، فلا تظهر جيوبهن ولا صدورهن ولا شيء من مفاتنهن للناظرين.([2])

الآية الثانية قوله تعالى: (وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ...)([3]).

ففي هذه الآية الكريمة موقعان للاستدلال على وجوب التستر:

الموقع الأول: قوله تعالى (وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، فإن الزينة في المرأة منها ما هو موضوع ومجعول على البدن، أعني زينة إضافية، ومنها ما هو ذاتي في المرأة، وفي أصل خلقتها، والآية نهت عن إبداء الزينة بقول مطلق، أي سواء أذاتية كانت أم عرضية، خَلقية أم إضافية، وواضح ـ لا أقل على مستوى الفهم العرفي ـ  أن الشعر من الزينة، والمفاتن البدنية من الزينة.

ثم استثنت الآية الزينة الظاهرية، وهي جزء من الجسد يرتبط كشفه وإبداؤه بالحياة العملية في المجتمع، كالوجه والكفّان كما جاء في الروايات وأيضاً الزينة الظاهرية التي تتزين بها المرأة كالحناءة والخاتم والثياب كالعباءة والجلباب والخُمُر، وهذان النوعان من الزينة في المرأة قد عبر عنهما في الآية ما ظهر منهما بما جرت العادة على ظهوره، أو الأصل فيه الظهور ولذا جوَّز الشارع إبداءه أمام الناظر الأجنبي. ([4])

الموقع الثاني: قوله تبارك وتعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ)([5])، فهي تدل على لزوم الستر والحجاب، فإن الخُمُر ما تتخمر به المرأة وتجعله على رأسها، فأمر المولى تعالى إسداله على الصدر، لكي لا ينكشف ملتقى الثديين للرجال؛ مثلما كانت تفعله المرأة في بداية الدعوة في الإسلام ([6]).

وأما السنة، فهناك روايات كثيرة، نذكر بعضها:

ما رواه عبد الله بن جعفر عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد قال: سمعت جعفراً وقد سئل عمّا تظهر المرأة من زينتها؟ قال: (الوجه والكفين)([7])، وهي تكشف عن أن الجائز للمرأة إظهار الوجه والكفين من جسدها، ومنها ما رواه الكليني بسنده عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا إبراهيم(عليه السلام) عن الجارية التي لم تدرك، متى ينبغي لها أن تغطي رأسها ممن ليس بينها وبينه محرم؟ ومتى يجب عليها أن تقنِّع رأسها للصلاة؟ قال(عليه السلام): «تغطي رأسها حتى تحرم عليها الصلاة»([8])، والمعنى أن وجوب ستر رأسها عن الناظر الأجنبي في الزمن الذي تحرم عليها الصلاة مكشوفة الرأس، وقد أفتى الفقهاء بأنه يحرم عليها ذلك إذا أكملت تسع سنين، ومنها ما رواه علي بن جعفر أيضاً بإسناد إلى الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل ما يصلح أن ينظر عليه من المرأة التي لا تحل له؟ قال: الوجه والكف وموضع السوار»([9])، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: كنت قاعداً في البقيع مع رسول الله(ص)  في يوم دجن([10]) ومطر، إذ مرّت امرأة على حمار، فهوت يد الحمار في رهدة، فسقطت المرأة، فأعرض النبي(ص)  بوجهه، قالوا: يا رسول الله، إنها متسرولة، قال(ص): اللهم اغفر للمتسرولات ـ ثلاثاً ـ، يا أيّها النساء، اتخذوا السراويلات فإنّها من أستر ثيابكم، وحصّنوا بها نساءكم إذا خرجن»([11]) إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الكاشفة بجلاء عن وجوب التستر على المرأة.

وأما إجماع علماء الإسلام بالنسبة لوجوب الحجاب، فواضح للعيان، حيث اتفق المسلمون بمختلف مشاربهم ومآربهم، وعلى مر العصور على وجوب الستر على المرأة، وإن اختلفوا في شيء فإنّما هو في لزوم ستر الوجه والكفين وإلى نصف الذراع، أما سواهما فلا شك في لزوم ستره عندهم.

هذا كله من حيث الحكم الشرعي، وأما من حيث الأسباب والعلل الداعية للحجاب، والصورة الحقيقية له، فهي ترجع إلى عوامل متعددة، بعضها ذو جانب نفسي، والآخر ذو جانب أسري، وبعضها ذو بعد اجتماعي، وآخر يرتبط برفع مستوى المرأة واحترامها، والحيلولة دون ابتذالها، كما عبّر الشهيد مرتضى مطهري (رض)؛ فإنّه قد ذكر هذه العلل والأسباب للحجاب، ونحن سنذكرها باختصار فنقول:

أـ التوازن النفسي

من الواضح أن الغريزة الجنسية من أشد الغرائز التهاباً وأنشطها في الإنسان، فروحه مؤهلة للإثارة بشكل كبير، قد تصل في بعض الأحيان إلى درجة الطغيان، ويفقد بعدها الإنسان توازنه، ويدخل في أمراض نفسية واضطرابات روحية كبيرة، ومن هنا قال علماء النفس: إنّ الغريزة الجنسية غير قابلة للإشباع، وإن الإنسان كلما استجاب لها ازداد هيجانها وثورانها كالنار، بل المخفف لها والموجب لاعتدالها وتوازنها هو الحد من نشاطها، وعدم تلبية جميع رغباتها لتصل إلى حالة الاعتدال.

وفي هذه الحالة كان من المهم عدم إثارة دفائن هذه الغريزة وثورانها، ففرض الحجاب للمرأة حالة وقاية عن الاستثارة بها، وإثارتها وإيقادها للغريزة الخامدة.

ب ـ إحكام الرابطة الأسرية

لا شك في أن كل أمر يؤدي إلى إحكام العلاقة الأسرية، ويفضي إلى خلق روح المودة الصميمية بين الزوجين هو أمر نافع للأسرة، ويجب بذل أكبر ما يمكن من جهد لتحقيقه، وعلى العكس تماماً، كل أمر يؤدي إلى إضعاف العلاقة بين الزوجين وإخماد جذوة الحب بينهما، أمر مضر بالحياة الأسرية، وتجب محاربته والإسلام دائماً يدعو إلى تعميق الروابط الأسرية وتدعيمها، والمنع من حلّها وتفكيكها في نصوص وأحاديث كثيرة، ومن الواضح أن اختصاص المتع واللذات الجنسية في محيط الأسرة، وتحت ظل الزواج المشروع يعمّق العلاقة بين الزوجين، ويؤدي إلى تلاحمهما بشكل كبير، وعلى العكس تماماً لو جاز للمرأة أن تخرج من دون ستر وحجاب لاستطاع الرجل إشباع غرائزه، والمتع الجنسية من حالات التكشف المبذولة أمام ناظريه، وقد يصادف متعاً غير متوفرة في زوجته فيؤدي ذلك إلى الشقاق، والخلاف وتفكك الرابطة الأسرية.

جـ ـ التماسك الاجتماعي

يقولون: إن الحجاب يؤدي إلى تعطيل نصف الطاقات الاجتماعية، وإن الحجاب يؤدي إلى تعطيل قوى المرأة وحبس استعداداتها.

ولكن نقول: إن الحجاب ليس سجناً للمرأة، وحرمانها من الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وليس هناك في الإسلام شيء من هذا القبيل، فالإسلام لا يقول: على المرأة ألاّ تخرج من دارها، ولا يمنع حقها في العمل والتعليم، فالإسلام لا يريد إطلاقاً أن تكون المرأة عضواً عاطلاً وكلاً، فستر البدن ـ باستثناء الوجه والكفين ـ لا يحول دون أي نشاط ثقافي أو اجتماعي أو اقتصادي، بل على العكس تماماً إن خروج المرأة لممارسة أعمالها ونشاطاتها مع الحجاب يوجب تماسك المجتمع وتنظيمه، لأنه بذلك يحفظ المرأة من الإثارة، ومن أن يتعرض لها بأذى، ومن أن تشيع الغريزة الشهوانية والابتذال والميوعة في المجتمع.

دـ رفعة المرأة واحترامها

إن وضع حاجز وحدّ بين المرأة نفسها والرجل من جملة الوسائل التي تستفيد منها المرأة لحفظ مقامها أمام الرجل، لقد حث الإسلام المرأة على الاستفادة من هذه الوسيلة، خصوصاً تأكيده أنه كلما تحركت المرأة بشكل أكثر وقاراً وعفةً، وامتنعت من عرض نفسها أمام الرجل، ازداد احترامها لديه.

وقد أشار تعالى إلى أن الحجاب علامة على عفاف المرأة وعزتها على الرجال، وبالتالي لا يقعن مورداً لأذى الطائشين، قال تعالى ـ بعد توصيته المرأة بالستر ـ: (ذَلِكَ أَدْنَىَ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ)([12]). حيث إن الحجاب يستر محاسن المرأة ومفاتنها، ويحيطها بهالة من الحصانة والمنعة، تقيها تلصص الغواة والداعرين وتحرشاتهم الإجرامية العابثة، لصون النساء وكرامتهن، فالحجاب جعل لحفظ وصيانة المرأة، وهو يضمن بقاء الأسرة والمجتمع وسلامتهما من جهات متعددة، فكرية وخلقية وأمنية، وهذه الفوائد العديدة المذكورة وغيرها جعلت الحجاب ضرورة من ضروريات الإسلام.

وعلى المرأة أن تعلم أن الحجاب لا يرتبط بها وبحقوقها فقط، حتى تتخلى عنه، وهو لا يرتبط أيضاً بالرجل والزوج كي يقول إني أسمح لزوجتي وابنتي ألاّ تتحجب، بل الحجاب حق اجتماعي، لأن حرمة المرأة تُعتبر من حقوق المجتمع، لذا يجب على الكل، وبالأخص المرأة أن تحافظ على هذا الحق في نفسها، وعلى هذا الأساس، أوجب الإسلام الحجاب عليها وأصبح حكماً إلهياً وقانوناً شرعياً، وليس لأحد التنازل عنه.

هذا، وإنَّ الحجاب ليس مانعاً من طلب العلم والعمل الاجتماعي والسياسي وغير ذلك، ولا ينافي حرية المرأة أيضاً، لأنَّ المرأة إنما التزمت بالحجاب، لأنها عرفت فوائده واقتنعت به، واعتقدت بأنه من أحكام الله وتجب المحافظة عليه والعمل به، وتعرفت إلى المضرّات الخلقية، والاجتماعية للسفور والتبرّج فتجنبته.

2ـ المرأة والتزين

اهتم الإسلام بأمر التجمل والتزين، ونادى به بين المؤمنين، قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللهِ الّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ)([13])، وقال تعالى: (يَابَنِيَ آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ)([14])، بل ورد تأكيده بالنسبة للمرأة، إلى الزوجة لزوجها، ولكن لا يعني ذلك أن يباح التزين للمرأة، فللمرأة أن تتزين وتتجمل بالمقدار الذي لا تثير معه دفائن الغريزة عند الرجل، بإبداء مفاتنها وإظهار محاسنها، فإن هذا من شأنه إشاعة الفساد والفاحشة في المجتمع، وهذا ما يسعى الإسلام كنظام متكامل إلى تجنّب المجتمع منه، قال تعالى: (وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا).([15]).

إنّ خروج المرأة بزينتها الطاغية إلى الشارع يوجب إثارة غريزة الرجل، ويوجب اضطرابات نفسية في أفراد المجتمع.

والعقل السليم يعتبر صيانة المجتمع من الفساد والانحطاط، وسعادة ورفاه أفراده والحفاظ على التوازن النفسي الغريزي بينهم أمر مهم وخروج المرأة متبرجةً بحجة الحرية ينافي كل ذلك، ويحطم القيم الإنسانية والدينية في المجتمع.

هذا والإسلام يعطي معنىً أعمق للتزين، ويا حبذا لو تطلع كل فرد لتحقيقه، وهو التزين بالإيمان والعمل الصالح، قال تعالى: (وَلَـَكِنّ اللهَ حَبّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)([16])، وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «الزينة بحسن الصواب لا بحسن الثياب»([17])، وقال(عليه السلام): «زينة البواطن أجمل من زينة الظواهر»([18]).

3- المرأة والحياء

الحياء والعفة كمال للإنسان يصونه من التبذل والحقارة والخفة، للرجل والمرأة، وهما من أهم فضائل المرأة، ومن كياستها أن تتجلبب بثوب العفة والحياء، ذلك الذي خلقه الله فيها وجعله في طبيعتها، وأضفاه على شخصيتها، قال رسول الله(ص): «الحياء عشرة أجزاء فتسعة في المرأة وواحد في الرجال»([19])، ولا يشك أحد في أن جمال المرأة في حيائها، وزينتها في تسترها به، ولذا أبرز المولى تبارك وتعالى هذه الصفة كأجمل ما ظهر في بنت شعيب(عليه السلام) عندما جاءت إلى موسى(عليه السلام) تدعوه ليجزيه شعيب(عليه السلام) أجر السقاية، (فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَآءٍ)([20])، لقد تجلببت بجلباب الحياء إلى أن طفى الحياء على مشيتها، وبدا على ملامح شخصيتها.

وللحياء آثار عظيمة، ومآثر بليغة، وثمار طيبة، وإليك بعضها:

1ـ إن الحياء مانع من فعل القبيح، ومانع من الوقوع في المعاصي والآثام، فقد قال علي(عليه السلام): «الحياء يصدّ عن فعل القبيح»([21]).

2- إن الحياء مولد للعفة، فبمقدار ما تتمتع المرأة بالحياء تزداد عفتها، فقد جاء عن علي(عليه السلام)  أنه قال: «سبب العفة الحياء»([22])، وقال(عليه السلام): «على قدر الحياء تكون العفة»([23]).

3ـ قد أولى النبي(ص)  الحياء اهتماماً، حتى أكثر من تعديد آثاره وبواعثه، ففي حديث جامع عن آثاره يقول(ص): «أما الحياء فيتشعب منه اللين والرأفة والمراقبة لله في السر والعلانية، والسلامة واجتناب الشر، والبشاشة والسماحة والظفر، وحسن الثناء على المرء في الناس، فهذا ما أصاب العاقل بالحياء، فطوبى لمن قبل نصيحة الله وخاف فضيحته»([24]).

 

 

[1] ـ الأحزاب: 59.

[2] ـ الميزان 16: 338.

[3] ـ النور: 31.

[4] ـ الكشاف 3: 61، النسفي 3: 1131.

[5]ـ النور: 31.

[6]ـ الكشاف 3: 62 – 63.

[7]ـ قرب الإسناد: 40.

[8]ـ الكافي 5: 533 ح2.

[9] ـ قرب الإسناد: 227.

[10] ـ دجِن: مظلم.

[11] ـ تنبيه الخواطر 2: 78.

[12] ـ الأحزاب: 59.

[13] ـ   الأعراف: 32.

[14] ـ  الأعراف: 31.

[15] ـ النور: 31.

[16] ـ الحجرات: 7.

[17] ـ  غرر الحكم: ح9965

[18] ـ  غرر الحكم: ح5338

[19] ـ  كنزل العمال: 5769.

[20] ـ القصص: 25.

[21] ـ  غرر الحكم: ح5454.

[22] ـ  غرر الحكم: ح5444.

[23] ـ  غرر الحكم: ح5414

[24] ـ  تحف العقول: 15.

الثلاثاء, 29 كانون2/يناير 2019 11:41

شُبهات وتساؤلات حول المرأة(21)

لماذا لا يجب على الابن الكبير قضاء الصلاة والصوم عن الأم كما وجب عن الأب، أليس هذا تمييزاً بين الرجل والمرأة؟!.

* * * * *

يمكن الجواب عن السؤال بعدة أمور:

أولاً: أن هذه المسألة وإن أفتى المشهور بها ولكن لم يتفق فيها الفقهاء على رأي واحد، فبعضهم لم يوجب القضاء عن الأبوين كليةً، وبعضهم حكم بوجوب القضاء عليه للأبوين معاً، وهذا الحكم ليس من مسلمات فقه الإسلام فهو يدور بين النفي والإثبات لدى العلماء.

ثانياً: على فرض ثبوت القضاء للأب فقط، إنّما شرّع الإسلام هذا الحكم على أكبر الأولاد من الذكور عوضاً عن الحبوة([1]) لأسباب اجتماعية ولم يشرّعه على البنت، وهذا تخفيف عن المرأة، فلماذا تلاحظ هذه المسألة على أنها تمييز للرجل على المرأة، ولا تلاحظ نفس المسألة على أنها امتياز للمرأة على الرجل، في أن الشارع لم يكلفها بهذا القضاء لا عن أمها ولا عن أبيها، وأسقطه عنها رحمة ورأفة بها ولعله أسقطه لعلل أخرى أخفيت علينا.

ثالثاً: لا يشك أحد في أن الأولاد سواءٌ أذكوراً كانوا أم إناثاً يميلون إلى الأم أكثر من ميلهم إلى الأب، لأنهم يرونها مصدر اطمئنانهم واستقرارهم، وأنها نبع العطف والحنان، وهذا واضح للعيان، ولذا نرى الأولاد يحققون رغبة أمهم في الأعم الأغلب من دون حاجة إلى وصية من الأم أو وجوب من الشارع، وكم رأينا في المجتمع اهتمام الأولاد الدؤوب في القضاء عن أمهاتهم بغض النظر عن التكليف وغيره.

رابعاً: أن أصل مشروعية التبرّع والنيابة وإهداء الثواب إلى الأموات لا فرق فيه بين الأب والأم، كما أن الإسلام حث على وصلهما بعد وفاتهما كوصلهما في حال حياتهما على حد سواء دون تقدم الأب على الأم، فعن الصادق (عليه السلام) قال: «ما يمنع الرجل منكم أن يبرَّّ والديه حيّين أو ميتين، يصلّي عنهما ويتصدّق عنهما، ويحج عنهما ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك، فيزيده الله عزّوجلّ ببرِّه وصلته خيراً كثيراً»([2]).

 

 

[1]ـ الحبوة: وهي مختصات الميت كثيابه وخاتمه وسيفه ومصحفه، والأحوط التصالح في غيرها مثل الساعة والبندقية وما إلى ذلك، وهذه تتعلق للولد الأكبر من الذكور خارج تقسيم الإرث.

[2] ـ الكافي 5: 509.

الثلاثاء, 29 كانون2/يناير 2019 11:38

شُبهات و تساؤلات حول المرأة(20)

لماذا اشترط الإسلام في إمامة الجمعة والجماعة الرجولة، ولم يجوّز إمامة المرأة للرجال، هل يُعتبر هذا امتيازاً  للرجل وتفضيلاً عليها؟.

لا إشكال ولا خلاف بين الفقهاء في اشتراط الرجولة في إمامة الجمعة، كما لا خلاف بينهم في اشتراط الرجولة في إمامة الجماعة للرجال، وإنما الخلاف في جواز إمامة المرأة لجماعة النساء؟ فذهب جمع إلى الجواز وآخرون إلى اشتراط الرجولة في الجماعة سواء أللنساء فقط كانت أم للرجال فقط أم لهما معاً.

والروايات المعتبرة في هذا الموضوع كثيرة، نكتفي بذكر واحدة منها: قال رسول الله(ص): «لا تؤم المرأة الرجال وتصلي بالنساء([1])».

وعلى أي حال، فاشتراط الرجولة في إمامة الجمعة والجماعة لا يعني امتيازاً للرجل على المرأة، ولا يكشف عن تفوقه عليها في ذلك، وإنما هو مجرد مسؤولية من المسؤوليات التي تحتاج إلى مؤهلات معينة متحققة في الرجل دون المرأة، كما في سائر المسؤوليات الأخرى كالقضاء والرئاسة والمرجعية.. وربما اختصاص الرجل في هذا الأمر دون المرأة للنقاط التالية وغيرها:

الأولى: أن الصلاة بما هي عبادة، تعتبر رمزاً لمعارف الإسلام وأحكامه وآدابه من الطهارة والقيام والجهة والإخلاص و... وإذا تأملنا نراها شاملة لجل القيم لو لم نقل الكل ومما يؤكد في الإسلام العفة والتستر للنساء، فكون المرأة إماماً في الصلاة بحيث ينظر الرجال وراءها لمتابعتها لا يلائم كونها رمزاً للعفة والحياء، وأيضاً هذا يستلزم اختلاط النساء بالرجال الذي منع وحذَّر منه الإسلام.

الثانية: للمرأة أوقات تسقط عنها الصلاة، كما في الحيض والنفاس، فلو فرض وعينت امرأة في مسجد كإمام راتب لصلاة الجمعة والجماعة، فيلزم أن تعطل الصلاة عندما يطرأ عليها عذرها، وقد يقول قائل: يمكن دفع ذلك باستنابة امرأة أو رجل مكانها في هذه الحالات، قلنا: هذا ممكن ولكنه موجب لإشكالية أخرى، وهي أنه يلزم كلما جاء النائب ليؤم الناس اطلع المأمومون على حال المرأة وعذرها، وهذا تعريف للرجال بحال المرأة، وهو مما يتحسس منه الإسلام، كما هو موجب لوقوعها في الحياء والخجل أيضاً.

الثالثة: أن كون الرجل قواماً على المرأة وله مسؤوليات خاصة به في المجتمع وفي النظام السياسي للإسلام يوجب أن يكون الرجل أيضاً إماماً في الصلاة ولا يصح أن يكون مأموماً للمرأة، وأما إمامتها للنساء، فكما قلنا: هناك خلاف بين الفقهاء في جوازها، والميل إلى الجواز بمكان من الإمكان. فيظهر بجلاء أنه لا يوجد مانع ذاتي من إمامتها للرجال، وإنما المانع ظرفي وعرضي .

 

[1]ـ مستدرك الوسائل 4: باب18 من أبواب صلاة الجماعة، ح1.

الثلاثاء, 29 كانون2/يناير 2019 06:58

المعاد

تعريف المعاد:

المعاد في اللغة يقال للعود وللزمان الذي يعود فيه([1]).

وإصطلاحاً الوجود الثاني للأجسام وإعادتها بعد موتها وتفرقها([2]).

 

طبيعة المعاد:

هناك حالتان للمعاد:

الأولى: إعادة الجسم والروح وتكون في موضعين:

الأول: القبر: فقد ورد في الحديث عن الصادق (عليه السلام): ويدخل عليه في قبره ملكا القبر وهما قعيدا القبر منكر ونكير فيلقيان فيه الروح إلى حقويه فيقعدانه ويسألانه فيقولان له: من ربك و... إلخ([3]).

ويقول الإمام علي (عليه السلام): حتى إذا إنصرف المشيع ورجع المتفجع أقعد في حفرته نجياً لنهبة السؤال وعثرة الإمتحان([4]).

الثاني: البعث العام: قال تعالى: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون). يس / 15

الثانية: إعادة الروح دون الجسم في البرزخ:

عن الصادق (عليه السلام): إن الأرواح في صفة الأجسام في شجر من الجنّة تتعارف وتتساءل الروح فإذا أقدمت الروح على الأرواح تقول: فإنها قد أقبلت من هول عظيم ثم يسألونها ما فعل فلان؟ فإن قالت لهم: تركته حياً إرتجوه، وإن قالت لهم: قد هلك، قالوا: قد هوى هوى([5]).

 

الإنسان جسم وروح:

يحسن بنا أن نتعرف على طبيعة الإنسان وعلى ما يتركب منه لإرتباط هذا الموضوع ببحثنا، ان الإنسان مخلوق مركب من عنصرين وهما: الجسم والذي يضم الأعضاء المادية الظاهرة والباطنة، والروح التي تمثل الجانب غير المرئي والذي به حياة الإنسان وهو الفارق بين الحي والميت وقد إستدل على إزدواجية الإنسان من الجسم والروح بجملة من الأدلة، نذكر منها:

1 ـ الدليل العقلي: إن جميع الحالات النفسية كالتفكير والإرادة والحب والكره وغيرها لا تملك الخاصة الأصلية للمادة أي الطول والعرض والقابلية على الإنقسام، لذلك لا يمكن إعتبار هذه الأمور غير المادية من أعراض المادة البدن، فلابد أن يكون موضوع هذه الأعراض جوهراً غير مادي وهو الروح([6]).

2 ـ الدليل الشرعي: والنصوص الشرعية تؤكد على أن الروح أو النفس غير البدن وأنها تنفصل عنه عند الوفاة وتعود إليه عند البعث يوم القيامة.

قال تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها). الزمر / 42، وقال: (ونفخ في صور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون). يس / 51

 

الأدلة على إمكان المعاد:

أ ـ الدليل العقلي([7]): وملخصه أن أجزاء الميت قابلة للجمع وإفاضة الحياة عليها وإلاّ لما إتصف بها من قبلُ والله تعالى عالم بأجزاء الميت لأنه عالم بكل المعلومات وقادر على كل الممكنات فثبت أن إحياء الأجسام ممكن.

2 ـ الدليل النقلي: قال تعالى: (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم). يس / 78 ـ 79

ويقول الإمام علي (عليه السلام): وعجبت لمن أنكر النشأة الأخرى، وهو يرى النشأة الأولى([8]).

 

ضرورة المعاد([9]):

إن إحياء الناس بعد موتهم من الأمور الضرورية وذلك:

أ ـ لأن الله كلفهم في هذه الحياة الدنيا، وكانوا أمام التكاليف بين مطيع وعاصى ولم ينالوا العوض في هذه الدنيا، فيقتضي بموجب العدل الإلهي وجود حياة ثانية تكون محلاً للعوض والجزاء، وبخلافه تكون التكاليف عبثاً وهو ما يتنزه عن الله عقلاً.

ب ـ إن الله وعد المطيعين بالجنّة كما أوعد العاصين بالنار في حياة ثانية ولابد أن يفي بوعده ووعيده، قال تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم). لقمان / 8، وقال: (ومن يعصِ الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها). النساء / 14

 

بين الدنيا والآخرة:

أ ـ مفهوم الدنيا في الإسلام: وتطلق على هذه الحياة وما تحفل به من خيرات وزينة بسمائها وأرضها وأهلها، وقد خلقها الله تعالى من أجل الإمتحان عن طريق التكاليف الشرعية التي عرضها بواسطة أنبيائه وأوصيائهم، وعلى الإنسان أن يستثمر فرص هذه الحياة بما فيه معرفة الله وعبادته حتى يحقق الكمال المنشود، وأن يحذر من عبودية هذه الحياة وجعلها هي الغاية كما عليه أن يحذر من الإهتمام بالدنيا على حساب الآخرة، قال تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً). الملك / 2، وقال: (وابتغِ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا). القصص / 77، ويقول الإمام علي (عليه السلام)إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن إتعظ بها، مسجد أحباء الله ومهبط وحي الله ومتجر أولياء الله إكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنّة([10]).

ب ـ مفهوم الآخرة في الإسلام: والآخرة هي الحياة الثانية وتمثل مكان الجزاء والإثابة على نتائج الإمتحان الإلهي في الدنيا، والناس فيها فريقان: فريق يحظى بالنعيم الدائم لأنه فاز بالعمل الصالح في الدنيا وذلك بطاعته لله تعالى، وفريق يبوء بالنار وعذابها الشديد لأنه إتبع الشهوات وجعل من الدنيا همّه ومعبوده، وقد آثرها على الآخرة، قال تعالى: (فأمّا من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى). النازعات / 38

ج ـ مقارنة بين عالم الدنيا وعالم الآخرة([11]):

وتتلخص بالنقاط الآتية:

1 ـ الثبات والتغير: في هذا العالم توجد الحركة والتغيير، فالطفل يصبح شاباً ويكمل ثم يصل إلى الشيخوخة ثم يضمه الموت ويصبح الجديد قديماً والقديم يفنى، أمّا العالم الآخر فلا شيخوخة فيه ولا قدم ولا موت، ذلك عالم البقاء وهذا عالم الفناء، ذلك هو منزل الثبات والإستقرار وهذا منزل الزوال والإضطراب، قال تعالى: (بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها). الحديد / 12، وقال: (قيل إدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها). الزمر ./ 72

2 ـ النعيم والعذاب: إن مسرات الدنيا ونعمها مشوبة ومختلطة بالمتاعب والمشاق فلا توجد جماعة تتمتع دائماً بالراحة والإستقرار بينما جماعة تعاني دائماً العذاب والهموم والأحزان أمّا عالم الآخرة فالناس فيه صنفان يتميز أحدهما عن الآخر أهل الجنّة وأهل النار، في أحدهما ليس إلاّ النعيم والراحة والملذات والقسم الآخر ليس فيه إلاّ العذاب والحسرات والآلام، قال تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم). الإنفطار / 13

3 ـ البذر والحصاد: فالدنيا دار للبذر والزراعة، أمّا الآخرة فهي دار للحصاد والإستفادة فلا يوجد في الآخرة عمل ومقدمة بل كل ما هناك هو محصول ونتيجة، تماماً مثل اليوم الذي تعلن فيه نتيجة الإمتحان للطلاب، يقول الإمام علي (عليه السلام): وإن اليوم عمل بلا حساب وغداً حساب بلا عمل([12]).

4 ـ المصير الخاص والمشترك: المصير في الدنيا مشترك إلى حد ما ولكن في الآخرة لكل مصيره المتميز، والمقصود من هذا كون الحياة في الدنيا إجتماعية، وفي الحياة الإجتماعية يكون الإرتباط والوحدة هو المتحكم، والأعمال الصالحة للأخيار تؤثر في سعادة الآخرين، وكذلك الأعمال الفاسدة لها تأثيرها في المجتمع.

وفي الدنيا اليابس والرطب كلاهما يحترقان أو كلاهما يصانان من الإحتراق، قال تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة). الأنفال / 25، أمّا العالم الآخر فليس كذلك لأنه يستحيل أن يكون لشخص سهم في عمل آخر، وليس هناك شخص لم تكن له يد في عمل ثم يستطيع أن يكسب منه فائدة فلا يوجد إنسان يتعذب بسبب ذنوب لم يشارك في إضرام نارها، قال تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى). الأنعام / 164

  

تأثير الإيمان بالمعاد على سلوك الإنسان([13]):

لا شك أن الإيمان بالمعاد فرع الإيمان بالله تعالى وعدله وأن هذا الإنسان بعد أن خلقه الله تعالى وكلّفه ثم وعده بمقابلة الطاعة بالنعيم وأوعده بمقابلة المعصية بالعذاب في حياة ثانية هذا الإنسان المعتقد بالمعاد سوف يؤثر على سلوكه من عدّة نواحي:

فعلى مستوى حياة الإنسان الفردية يهتم بالأعمال الفردية الصالحة ويتجنب الأعمال السيئة، ومن ناحية أخرى فإن المتاعب والخسائر التي يواجهها في حياته الدنيوية لا تمنعه من مواصلة جهوده في سبيل بلوغ السعادة الأبدية المتمثلة بنعيم الآخرة.

وعلى مستوى الحياة الإجتماعية يهتم الإنسان في رعاية حقوق الآخرين والإيثار من أجل المحتاجين والمحرومين وإذا سادت مثل هذه الروح في المجتمع أو المجتمعات تقل بشكل واضح الكثير من المشاكل.

 

مراحل ما بعد الحياة([14]):

والمراحل التي يمر بها الناس بعد هذه الحياة الدنيا هي:

 

مرحلة الموت:

والحديث هنا في عدّة نقاط:

الأولى: معنى الموت([15]): هو فقد الحياة وآثارها من الشعور والإرادة عما من شأنه أن يتصف بها، والموت بهذا المعنى إنما يتصف به الإنسان المركب من الروح والبدن.

الثانية: مراتب الموت: للموت مرتبتان:

أ ـ الموت في طاعة الله تعالى: سواء أكان الموت حتف الأنف وبشكل إعتيادي أو بسبب قاهر كالقتل دفاعاً عن الإسلام، وأكرم هذا الموت هو القتل في سبيل الله المسمى بالشهادة، يقول الإمام علي (عليه السلام): إن أكرم الموت القتل والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون عليَّ من ميتة على الفراش في غير طاعة الله([16]).

ب ـ الموت في معصية الله تعالى: وهو أسوء الموت ويسمى بالموت على الجاهلية أو ميتة السوء، فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): من مات  ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية([17]).

الثالثة: بين الحياة والموت: يقول الإمام علي (عليه السلام): لا تمنوا الموت فإن هون المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد، ويرزقه الله الإنابة([18])، وورد في الدعاء عن الإمام السجاد (عليه السلام): واجعل الحياة زيادة لي في كل خير والوفاة راحة لي من كل شر([19])، كما ورد في الدعاء: وقتلاً في سبيلك فوفق لنا([20])، وعلى ضوء هذه النصوص وغيرها يمكن القول:

أ ـ طلب المزيد من العمر وعدم تمنى الموت في حالتين:

الأولى: الإستزادة من العمل الصالح.

الثانية: التوبة من المعاصي.

ب ـ طلب الموت وكراهية الحياة في حالتين:

الأولى: لنيل درجة الشهادة.

الثانية: إذا كانت حياته مرتعاً للشيطان بسبب الإنحراف وحكومة الطاغوت ولم يكن له متسع في التخلص من هذه الحياة بالهجرة وغيرها.

الرابعة: من يتوفى الإنسان؟

الله سبحانه وتعالى يتوفى الأنفس بواسطة ملك الموت ومن معه من الملائكة وقد ورد ذلك في القرآن الكريم، قال تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها). الزمر / 42، وقال: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكّل بكم). التنزيل / 11، وقال: (الذين تتوفاهم الملائكة). النحل / 28

الخامسة: الوصية:

ورد في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله): ما ينبغي لإمرىء مسلم أن يبيت ليلة إلاّ ووصيته تحت رأسه([21])، ولهذا يحسن بالإنسان أن يكتب وصيته لا سيما في الحالات التي يتوقع فيها الموت كما في كبر السن وفي السفر أو حالة الجهاد وكتابة الوصية مستحبة إلاّ في الحالات التالية فإنها واجبة:

أ ـ إذا كانت عليه حقوق لله تعالى مالية كالخمس أو غير مالية كالصلاة.

ب ـ إذا كانت عليه حقوق للناس.

ج ـ إذا ترك ما يحتاج إلى الرعاية كالأطفال.

وينبغي أن ندخل عنصراً آخر في وصايانا وهو النصح والتوجيه للأهل والأقارب والطلب من عامة المسلمين بضرورة العمل والتفاني من أجل الرسالة، كما كان يصنع الأنبياء والأوصياء والصالحين على طول التاريخ.

السادسة: حالة الإنسان عند الموت:

أ ـ موت المؤمن: ولندع النصوص تتحدث لنا عن ذلك، قال تعالى: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم إدخلوا الجنّة بما كنتم تعملون). النحل / 32، وعن النبي (صلى الله عليه وآله): أول ما يبشر به المؤمن روح وريحان وجنّة نعيم، وأول ما يبشر به المؤمن أن يقال له: أبشر ولي الله برضاه والجنة: قدمت خير مقدم، قد غفر الله لمن شيعك وإستجاب لمن إستغفر لك وقبل من شهد لك([22]).

ب ـ موت الكافر: ولنستمع إلى النصوص أيضاً، قال تعالى: (فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم). محمد / 27، قيل الإمام الصادق (عليه السلام)صف لنا الموت، قال: للمؤمن كأطيب ريح يشمه فينعش بطيبه وينقطع التعب والألم كله عنده، وللكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارب أو أشد([23]).

السابعة: كيفية الإستعداد للموت([24]):

قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): ما الإستعداد للموت؟ قال: أداء الفرائض وإجتناب المحارم والإشتمال على المكارم، ثم لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه، والله لا يبالي ابن أبي طالب أوقع على الموت أم وقع الموت عليه.

الثامنة: لماذا الخوف من الموت([25])؟

هناك عدّة صور للخوف من الموت:

1 ـ الخوف من الموت لأن الإنسان يتصور الموت فناء وصيرورة ذاته عدماً، وهذا باطل لعلمنا بأن الموت إنتقال الروح من عالم إلى آخر.

2 ـ الخوف من الموت لتصور الألم الذي يرافقه ساعات الإحتضار، وهذا صحيح ولا يدفع إلاّ بالعمل الصالح.

3 ـ الخوف من الموت لصعوبة قطع علاقة الإنسان من الأولاد والأموال والمناصب والأحباب وهذه الأمور معرضة للفناء حتى لو خلد الإنسان.

4 ـ الخوف من الموت لتصور الإنسان تضييع أولاده وعياله أو مشاريعه المهمة وليس على الإنسان إلاّ أن يبذل ما يستطيع.

5 ـ الخوف من الموت لتصور ما يواجهه الإنسان بعده من الأهوال والحساب وهذا صحيح، ومنشؤه التعلق بالدنيا وإرتكاب الذنوب ولا يمكن دفعه إلاّ بالإستعداد لما بعد الموت، فقد سئل الإمام الحسن (عليه السلام) ما بالنا نكره الموت ولا نحبه؟ فقال: إنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب([26]).

التاسعة: لقاء الله تعالى([27]):

عن الصادق (عليه السلام) عن أحد أصحابه، قال: قلت له: أصلحك الله من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن أبغض لقاء الله أبغض الله لقاءه، قال: نعم، قلت: فوالله إنا لنكره الموت، فقال: ليس ذاك حيث تذهب، إنما ذلك عند المعاينة إذا رأى ما يحب فليس شيء أحب إليه من أن يتقدم، والله يحب لقاءه وهو يحب لقاء الله حينئذ، وإذا رأى ما يكره فليس شيء أبغض إليه من لقاء الله عزوجل والله عزوجل يبغض لقاءه.

العاشرة: لماذا شرع الله الموت([28])؟

إن لتشريع الموت مجموعة من الأسرار منها:

1 ـ إذا لم تمت الموجودات الحية، فسوف لن تتوفر الأرضية لوجود الموجودات اللاحقة وبذلك يحرم الآخرون من نعمة الوجود والحياة.

2 ـ إذا إفترضنا إستمرارية الحياة للبشر جميعاً فحسب، فسوف لن يمضي زمان طويل إلاّ ونرى الأرض كلها قد إمتلأت بالناس، وتضيق عليهم الأرض برحبها، ليتمنى كل واحد منهم الموت لما يشعر به من عذاب وألم وجوع.

3 ـ إن الهدف الأصلي من خلق الإنسان هو الوصول إلى السعادة الأبدية، وإذا لم ينتفل الناس من هذا العالم بالموت إلى الحياة الأخرى، فسوف لن يمكنهم الوصول لذلك الهدف النهائي.

الحادية عشرة: عقبات الموت:

من هذه العقبات:

أ ـ سكرات الموت وشدة نزع الروح([29]): قال تعالى: (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت عنه تحيد). ق / 19، حيث تتوالى على المحتضر الشدائد والصعوبات منها زوال القوى من الجسد وإنعقاد اللسان وبكاء الأهل ويتم الأطفال وفراق الأملاك والمتملكات التي صرف عمره العزيز من أجلها، وفوات الأوان عن أداء الحقوق وعدم القدرة على إصلاح ما أفسده، ثم الإحساس بهول الورود إلى النشأة الأخرى وهول المطلع وعينه ترى أموراً لم تكن تراها قبل، قال تعالى: (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد). ق / 22

ب ـ العديلة عند الموت: ومعنى العديلة عند الموت هو العدول عن الباطل عن الحق وهو بأن يحضر الشيطان عند المحتضر ويوسوس له ويجعله يشك في دينه ليخرجه من الإيمان.

 

مرحلة القبر([30]):

والبحث هنا يشمل:

أ ـ التعريف بالقبر: عن الإمام الصادق (عليه السلام): إن للقبر كلاماً في كل يوم يقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود، أنا روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النار([31]).

ب ـ حساب القبر: بعد دفن الإنسان يوسع في قبره وتلتحق روحه بجسده وتنزل الملائكة لمحاسبته، وفي بعض الأخبار أن إسمي الملكين اللذين ينزلان على الكافر منكر ونكير وإسمي الملكين اللذين ينزلان على المؤمن مبشر وبشير، وتكون المساءلة في القبر لمن محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، ومن سوى هذين فيلهى عنه كما جاء في الحديث عن الإمام الباقر (عليه السلام): لا يسأل في الفبر إلاّ من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، فقلت: فسائر الناس؟ فقال: يلهى عنهم([32]).

عن الإمام السجاد (عليه السلام): إبن آدم أجلك أسرع شيء إليك قد أقبل نحوك حثيثاً يطلبك ويوشك أن يدركك كأن قد أوفيت أجلك وقبض الملك روحك وصرت إلى منزل وحيد، فردَّ إليك روحك وإقتحم عليك فيه ملكان منكر ونكير لمسألتك وشديد إمتحانك ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده وعن نبيك الذي أرسل إليك وعن دينك الذي كنت تدين به وعن كتابك الذي كنت تتلوه وعن إمامك الذي كنت تتولاه، وثم عن عمرك فيم أفنيته ومالك من أين إكتسبته وفيما أنفقته، فإن تك مؤمناً تقياً عارفاً بدينك متبعاً للصادقين موالياً لأولياء الله لقاك الله حجته وأنطق لسانك بالصواب فأحسنت الجواب فبشرت بالجنّة والرضوان من الله والخيرات الحسان وإستقبلت بالروح والريحان، وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك ودحضت حجتك وعميت عن الجواب وبشرت بالنار وإستقبلتك ملائكة العذاب بنزل من حميم وتصلية جحيم([33]).

ج ـ عذاب القبر: عن الإمام علي (عليه السلام): يا عباد الله، ما بعد الموت لمن لا يغفر له أشد من الموت، القبر، فاحذروا ضيقه وضنكه وظلمته وغربته([34]).

د ـ محصلة حساب القبر: ونتائج حساب القبر هي البشارة بالجنّة أو النار، ثم السوق إليه من قبل الملائكة، والجنّة والنار هنا إشارة إلى عالم البرزخ.

هـ ـ ما يرافق الإنسان إلى قبره([35]): عن الإمام علي (عليه السلام): إن إبن آدم إذا كان في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة، مَثُل ماله وولده وعمله، فيلتفت إلى ماله فيقول: والله إنّي كنت عليك لحريصاً شحيحاً، فما لي عندك؟ فيقول: خذ مني كفنك، ثم يلتفت إلى ولده وأهله فيقول: والله إنّي كنت لكم محباً، وإنّي كنت عليكم لحامياً، فما لي عندكم؟ فيقولون: نؤديك إلى حفرتك ونواريك فيها، ثم يلتفت إلى عمله فيقول: والله إنّي كنت فيك لزاهداً وإنّك كنت عليَّ ثقيلاً، فماذا لي عندك؟ فيقول: أنا قرينك في قبرك، ويوم حشرك، حتى أعرض أنا وأنت على ربك، فإن كان لله ولياً أتاه أطيب الناس ريحا وأحسنهم منظراً وأزينهم ريشاً، فيقول: أبشر بروح من الله وريحان وجنّة نعيم، قد قدمت خير مقدم، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح، وإذا كان لربه عدواً يأتيه أقبح خلق الله رياشاً وأنتنهم ريحاً، فيقول له: أبشر بنزل من حميم، وتصلية جحيم.

و ـ أشد ساعة على الميت([36]): روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: لا يأتي على الميت أشد من أول ليلة فإرحموا موتاكم بالصدقة فإن لم تجدوا فليصلّ أحدكم ركعتين له يقرأ فى الأولى بعد الحمد آية الكرسي، وفي الثانية بعد الحمد سورة القدر عشر مرات وبعد السلام يقول: اللهم صل على محمد وآل محمد، وإبعث ثوابها إلى قبر فلان، ويسمي الميت، وهذه الصلاة هي صلاة الهدية للميت صلاة الوحشة.

 

مرحلة البرزخ:

والحديث فيها يتم من خلال:

أ ـ معنى البرزخ: والبرزخ هو الحاجز بين الشيئين، وسميت هذه المرحلة بالبرزخ لأنها تفصل بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة([37])، قال تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربِّ إرجعون * لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلاّ إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون). المؤمنون / 99 ـ 100

ب ـ أصناف الناس في البرزخ: الناس في هذه المرحلة ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: من محض الإيمان وهم يتنعمون في جنّة تمهيدية في وادي السلام، فعن الصادق (عليه السلام): أمّا أنه لا يبقى مؤمن في شرق الأرض وغربها إلاّ حشر الله روحه إلى وادي السلام فقلت له ـ السائل ـ وأين وادي السلام؟ قال: ظهر الكوفة([38]).

الصنف الثاني: من محض الكفر وهم في نار تمهيدية في وادي برهوت، عن النبي (صلى الله عليه وآله): إن شر ما على وجه الأرض برهوت وهو الذي بحضر موت الذي فيه أرواح الكفار([39]).

الصنف الثالث: المرجون لأمر الله تعالى إلى وقت القيامة الكبرى الذين يلهى عنهم كما مرَّ في الحديث.

ج ـ ما يلحق الإنسان بعد موته: جاء في النصوص بأن الإنسان يلحقه بعد موته ما كان إمتداداً له سواء من عمل الخير أو الشر من هذه النصوص، قوله تعالى: (ونكتب ما قدموا وآثارهم). يس / 12، عن النبي (صلى الله عليه وآله): من سنَّ سنة حسنة عمل بها من بعده كان له أجره ومثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سنَّ سنة سيئة فعل بها بعده كان عليه وزره ومثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً([40])، وعن الصادق (عليه السلام): لا يتبع الرجل بعد موته إلاّ ثلاث خصال: صدقة أجراها الله له في حياته فهي تجري له بعد موته، وسنة هدىً يعمل بها، وولد صالح يدعو له([41]).

د ـ أرواح الموتى وعالم الدنيا: عن الإمام الصادق (عليه السلام): إن المؤمن ليزور أهله فيرى ما يحب ويستر عنه ما يكره، وإن الكافر ليزور أهله فيرى ما يكره ويستر عنه ما يحب، ومنهم من يزور كل جمعة ومنهم من يزور على قدر عمله([42]).

هـ ـ زيارة القبور: وقد حثت الشريعة الإسلامية على زيارة قبور الموتى لا سيما عشية الخميس وإهداء ثواب الأعمال الصالحة لهم كالدعاء، وقراءة القرآن والصدقة، وفي ذلك الفوائد الكثيرة على الزائر والمزور منها إتعاظ الزائر بهذا المصير ومنها الثواب للزائر والمزور، يقول الإمام علي (عليه السلام): زوروا موتاكم فإنهم يفرحون بزيارتكم وليطلب أحدكم حاجته عند قبر أبيه وعند قبر أمّه بما يدعو لهما([43])، وعن الإمام الرضا (عليه السلام): من أتى قبر أخيه ثم وضع يده على القبر وقرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر سبع مرات أمن يوم الفزع الأكبر أو يوم الفزع([44]).

 

 مرحلة البعث([45]):

تعريف البعث: والبعث هو عملية إحياء الموتى بإلتحاق الأجساد بالأرواح، قال تعالى: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث ينسلون). يس / 51

وهذه العملية تشمل كل الناس، قال تعالى: (ونفخ في الصور وجمعناهم جمعاً). الكهف / 99

أشراط الساعة: ويكون البعث مسبوقاً بـ أشرط الساعة أي العلامات الدالة على شروع يوم القيامة، وتشمل:

1 ـ الإماتة الشاملة إلاّ الأرواح، قال تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في في السماوات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون). الزمر / 68

2 ـ الفزع والإضطراب الذي سوف يحل بمكونات هذا العالم، قال تعالى: (إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها). الزلزلة / 1 ـ 2

وقال: (إذا السماء انفطرت * وإذا الكواكب انتشرت * وإذا البحار فجرت). الإنفطار / 1 ـ 3

وقال: (وتكون الجبال كالعهن المنفوش). القارعة / 5

وهذا هو الوضع الرهيب الذي هو إيذان وإعلام بقيام القيامة لا يسلم من هوله إلاّ المتقون الذين قال فيهم القرآن: (من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يؤمئذ آمنون). النحل / 89

الصور: والملاحظ هنا أن الإماتة والاحياء تتمان بواسطة النفخ بالصور، والصور هو آلة يتم من خلالها الإعلام في كلتا الحالتين، وللصور طرفان أحدهما في السماء والآخر في الأرض، والموكل بالصور هو إسرافيل (عليه السلام).

 

مرحلة الحشر:

تعريف الحشر: والحشر هو عبارة عن الجمع للمخلوقات بقصد الحساب، قال تعالى: (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً). الكهف / 47

وهنا عدّة نقاط:

الأولى: مكان الحشر: حيث صرح قرآننا الكريم بأنه على أرض غير أرضنا وتحت سماء جديدة، قال تعالى: (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار). إبراهيم / 48

الثانية: الأصناف التي تحشر: وتشمل:

أ ـ الجن والإنس، قال تعالى: (ويوم نحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد إستكثرتم من الإنس). الأنعام / 128

ب ـ الحيوانات، قال تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلاّ أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون). الأنعام / 38

ج ـ ما يعبد من دون الله تعالى، قال تعالى: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله). الفرقان / 17

الثالثة: حالة الحشر:

أ ـ المؤمنون، قال تعالى: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً). مريم / 5

وقال: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم). الحديد / 12

ب ـ الكفار، قال تعالى: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً). الإسراء / 97، (ويوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون). المعراج / 43

 

مرحلة الحساب:

والحديث منها يتم من خلال النقاط الآتية:

الأولى: معنى الحساب([46]): هو المقابلة بين الأعمال والجزاء عليها، والمواقفة للعبد على ما فرط منه والتوبيخ له على سيئاته، والحمد على حسناته ومعاملته في ذلك بإستحقاقه.

الثانية: فترة الحساب([47]): عن الإمام الصادق (عليه السلام): إن في القيامة خمسين موقفاً، كل موقف مثل ألف سنة مما تعدون، ثم تلا قوله تعالى: (في يوم كان مقدراه ألف سنة مما تعدون). السجدة / 5.

الثالثة: أصناف الناس في مرحلة الحساب: والأصناف هي:

الصنف الأول: الذين لا يحاسبون وهم:

* من يدخل الجنة بغير حساب، قال تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب). الزمر / 10

* من يدخل النار بغير حساب، عن الرسول (صلى الله عليه وآله): ستة يدخلون النار بغير حساب: الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والتجار بالكذب، والعلماء بالحسد، والأغنياء بالبخل([48]).

الصنف الثاني: الذين يحاسبون حساباً يسيراً، وهم أصحاب اليمين، قال تعالى: (فأمّا من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً). الإنشقاق / 8

الصنف الثالث: الذين يحاسبون حساباً عسيراً، فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله)إنَّ أمّتي ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنّة بغير حساب وعذاب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً ثم يدخلون الجنّة، وثلث يمحصون ويكشفون([49]).

الرابعة: من أساليب الحساب يوم القيامة:

أ ـ دعوة كل أناس بإمامهم، قال تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم). الإسراء / 71

ب ـ المساءلة:

* مساءلة الرسل عن الناس، قال تعالى: (يوم يجمع الله الرسول فيقول ماذا أجبتم). المائدة / 109

* مساءلة المظلومين عن ظلامتهم، قال تعالى: (وإذا الموؤدة سئلت بأيِّ ذنب قتلت). التكوير / 9

* مساءلة الجميع، قال تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين). الحجر / 92

ج ـ إراءة الناس أعمالهم بعدّة طرق:

* بواسطة الكتاب أو الطائر، قال تعالى: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامد كتاباً يلقاه منشوراً * إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً). الإسراء / 13 ـ 14

* بواسطة شهادة الجوارح، قال تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون). النور / 24

*بواسطة أخبار الأماكن، قال تعالى: (يومئذٌ تحدث أخبارها). الزلزلة / 3

د ـ الموازين وزن الأعمال([50]) والموازين، هي ما يقاس ويوزن بها الأشياء وهي تختلف حسب إختلاف الأشياء الموزونة، فللصلاة مثلاً ميزان توزن به وهي الصلاة التامة التي هي حق الصلاة وللزكاة والإنفاق نظير ذلك، وللكلام والقول حق القول الذي لا يشتمل على باطل وهكذا.

قال تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين). الأنبياء / 47

الخامسة: من مواقف الحساب:

أ ـ فرار الناس بعضهم من بعض([51]): ومن مواطن يوم الحساب هذا الموطن الذي يقول عنه القرآن: (فإذا جاءت الصاخة * يوم يفر المرء من أخيه وأمّه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل إمرىء منهم يومئذ شأن يغنيه).

عبس / 33 ـ 37

وقد فسر هذا الفرار بعدّة تفاسير منها: إن رهبة ووحشة يوم القيامة تنسي الجميع وتقطع العلاقات فلا يهتم المرء إلاّ بنفسه، وفسر بأنه فرار من الحقوق التي لهم عليه وهو عاجز عن أدائها.

ب ـ رد المظالم([52]): ومن المواقف هذا الموقف حيث يقتص للمظلوم من الظالم، فقد سأل رجل الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): يابن رسول الله إذا كان للرجل المؤمن عند الرجل الكافر مظلمة أي شيء يأخذ من الكافر وهو من أهل النار؟ فقال له: يطرح عن المسلم من سيئاته بقدر ماله على الكافر فيعذب الكافر بها مع عذابه بكفره عذاباً بقدر ما للمسلم قبله من مظلمة، فقال له: فإذا كانت المظلمة لمسلم عند مسلم كيف تؤخذ مظلمته من المسلم؟ قال: يؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر حق المظلوم فيزاد على حسنات المظلوم، فقال: فإن لم يكن للظالم حسنات؟ قال: إن لم يكن للظالم حسنات فإن للمظلوم سيئات تؤخذ من سيئات المظلوم وتزاد على سيئات الظالم.

ج ـ إستلام الكتب: وذلك بعد المرور بمواقف الحساب المختلفة حيث يكون إستلام الكتب بمثابة إستلام نتائج الإمتحان، والناس هنا على طائفتين:

الأولى: السعداء وهم من يتناول كتابه بيمينه وهو فرحان مسرور، قال تعالى: (فأمّا من أوتيَ كتابه بيمينه فيقول هاؤم إقرؤا كتابيه). الحاقة / 19

الثانية: الأشقياء وهم من يتناول كتابه بشماله ومن وراء ظهره، قال تعالى: (وأمّا من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوتَ كتابية). الحاقة / 25، وقال: (وأمّا من أوتي كتابه من وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً). الإنشقاق / 10

د ـ الصراط([53]): وهو جسر يربط بين النار والجنّة ولابد لكل الناس من المرور عليه، قال تعالى: (وإن منكم إلاّ واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً). مريم / 71، والصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف وأحمى من النار.

عن الصادق (عليه السلام): الناس يمرون على الصراط طبقات، والصراط أدق من الشعر ومن حد السيف، فمنهم من يمر مثل البرق ومنهم من يمر مثل عدو الفرس، ومنهم من يمر حبواً، ومنهم من يمر مشياً، ومنهم من يمر متعلقاً قد تأخذ النار منه شيئاً وتترك شيئاً([54]).

وعن الرسول (صلى الله عليه وآله): يا علي إذا كان يوم القيامة أقعدنا أنا وأنت وجبرائيل على الصراط فلا يجوز على الصراط إلاّ من كانت معه براءة بولايتك([55]).

وعلى الصراط عقبات كل عقبة عليها إسم فرض فمتى إنتهى الإنسان الى عقبة إسمها فرض أمر ديني، وكان قد قصر في ذلك الفرض حبس عندها وطولب بحق الله فيها فإن خرج منه بعمل صالح قدمه أو برحمة تدركه نجا منها إلى عقبة أخرى، فإن سلم من جميعها انتهى إلى دار البقاء والجنّة، وإن حبس على عقبة فطولب بحق قصر فيه فلم ينجه عمل صالح قدمه ولا أدركته من الله عزوجل رحمة زلت به قدمه فهوى في جهنم، ومن هذه العقبات عقبة الولاية حيث يوقف عندها جميع الخلائق فيسألون عن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)والأئمة (عليهم السلام) من بعده وذلك قول الله تعالى: (وقفوهم إنهم مسؤولون). ومما ينفع على الصراط: التقوى، ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، صلة الرحم وبر الوالدين.

هـ ـ تجسيم الأعمال([56]): وأعمال الناس في يوم القيامة تجسم بما يقابلها فللحسنات ما يقابلها من النعم وللسيئات ما يقابلها من العذاب، قال تعالى: (يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم). الزلزلة / 6

وقال تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً). النساء / 10

عن الرسول (صلى الله عليه وآله): من قال لا إله إلاّ الله غرس الله له بها شجرة في الجنة([57]).

و ـ الشفاعة([58]): وهي أن تصل رحمة الله تعالى ومغفرته إلى عباده من طريق أوليائه، وفي مقدمتهم النبي محمد (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومون (عليهم السلام) ثم العلماء والشهداء، فقد ورد عن الرسول (صلى الله عليه وآله): إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي([59])، ومحل وقوع الشفاعة آخر موقف من مواقف يوم القيامة بإستيهاب المغفرة بالمنع من دخول النار، أو إخراج بعض من كان داخلاً فيها بإتساع الرحمة أو ظهور الكرامة([60]).

 

طريق الخلاص من أهوال يوم القيامة:

ويتلخص بالنقاط الآتية:

1 ـ معرفة الله تعالى والإستقامة التامة على أحكامه، والتي يُعبر عنها بالتقوى أو التمسك بالقرآن أو الولاية لأهل البيت (عليهم السلام)، قال تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم إستقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون). الأحقاف / 46، وقال: (من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون). النمل / 89، ويقول النبي (صلى الله عليه وآله): مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق([61]).

2 ـ وفي حالة حصول التقصير بتحقق الإستقامة تتم المعالجة كما يأتي:

* التوبة الصادقة، وذلك بالندم على ما فعل وعدم العودة إليه والقيام بأداء ما قصر فيه، قال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً). الزمر / 53

* التوفيق للشهادة في سبيل الله تعالى، فإن الشهادة حسنة لا تضر معها سيئة، قال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشروون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألاّ خوف عليهم ولا هم يحزنون). آل عمران / 170

* المودة للنبي (صلى الله عليه وآله) وآله، فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): حبي وحب أهل بيتي نافع في سبعة مواطن أهوالهن عظيمة: عند الوفاة، وفي القبر، وعند النشور، وعند الكتاب، وعند الحساب، وعند الميزان، وعند الصراط([62]).

* الشفاعة، وهي توسط الصالحين من عباد الله تعالى للمذنبين وفي مقدمتهم النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) والمؤمنون فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): ثلاثة يشفعون إلى الله عزوجل فيشفعون: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء([63]).

شواهد للأعمال الصالحة ودورها في إنقاذ الإنسان من أهوال

يوم القيامة:

1 ـ روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): إذا دخل المؤمن قبره كانت الصلاة عن يمينه والزكاة عن يساره والبر مطل عليه، قال: فيتنحى الصبر ناحية فإذا دخل عليه الملكان يليان مساءلته، قال: الصبر للصلاة والزكاة دونكما صاحبكم فإنه عجز عما عنه فأنا دونه([64]).

2 ـ عن الرسول (صلى الله عليه وآله): ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق([65]).

3 ـ وعنه (صلى الله عليه وآله): من زارني أو زار أحداً من ذريتي زرته يوم القيامة فأنقذته من أهوالها([66]).

4 ـ عن الإمام الصادق (عليه السلام): لا يتبع الرجل بعد موته إلاّ ثلاث خصال: صدقة أجراها الله له في حياته فهي تجري له بعد موته، وسنة هدىً يعمل بها، وولد صالح يدعو له([67]).

5 ـ ما ورد في خطبة الرسول (صلى الله عليه وآله) عن ثواب بعض الأعمال فى شهر رمضان المبارك: أيها الناس من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جواز على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، ومن أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه، ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار، ومن أكثر فيه من الصلاة عليَّ ثقل الله ميزانه يوم تخف الموازين([68]).

6 ـ قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فكُّ رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيماً ذا مقربة * أو مسكيناً ذا متربة * ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة * أولئك أصحاب الميمنة). البلد / 11 ـ 18

 

مرحلة الجزاء:

وهي آخر مرحلة من مراحل الحياة الآخرة حيث يفترق الناس إلى فريقين، فريق إلى الجنة، وفريق إلى النار، قال تعالى: (فأمّا من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى * وأمّا من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنّة هي المأوى). النازعات / 4

وفيما يلي نتحدث عن الجنّة والنار كما ورد في النصوص الشرعية:

 

الجنّة وما يرتبط بها:

والحديث عنها من خلال:

1 ـ التعريف بها: ورد فى الحديث القدسي عن النبي (صلى الله عليه وآله): قال تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر([69]).

2 ـ ثمن الجنّة: قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم). الصف / 60

وعن النبي (صلى الله عليه وآله): من قال لا إله إلاّ الله مخلصاً دخل الجنّة، وإخلاصه أن تحجزه لا إله إلاّ الله عما حرّم الله عزوجل([70]).

3 ـ أبواب الجنّة ودرجاتها وأسماؤها: وللجنة عدّة أبواب لكل باب إسم خاص، قال تعالى: (جنات عدن مفتحة لهم الأبواب). ص / 50، ويقول الإمام علي (عليه السلام) فى وصف الجنّة: درجات متفاضلات ومنازل متفاوتات([71]).

وفيها درجات ومراتب تتناسب مع أعمال المؤمنين، قال الله تعالى: (وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً). الإسراء / 21

وعن الإمام علي (عليه السلام): إن للجنة ثمانية أبواب: باب يدخل منه النبيون والصديقون وباب يدخل منه الشهداء والصالحون، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبونا، وباب يدخل منه سائر المسلمين من شهد ألاّ إله إلاّ الله، ولم يكن في قلبه مقدار ذرة من بغضنا أهل البيت([72]).

من هذه الأبواب باب يقال له: الرّيان لا يدخله إلاّ الصائمون، وباب يقال له: المعروف لا يدخله إلاّ أهل المعروف.

أمّا أسماء الجنّة فهي: الفردوس، دار الخلد، دار السلام، دار المقام، العالية، دار النعيم، عدن، المأوى.

4 ـ خلق الجنّة ومدّة الحياة فيها([73]):

والجنة مخلوقة وقد دل على خلقها ما ورد من آيات في القرآن ودخول النبي (صلى الله عليه وآله) لها في معراجه، وما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) من نصوص، فمن الآيات قوله تعالى: (وأزلفت الجنّة للمتقين). الشعراء / 90، ومن الروايات ما عن الهروي قال: قلت للامام الرضا (عليه السلام): يابن رسول الله أخبرني عن الجنّة والنار أهيَ اليوم مخلوقتان؟ فقال: نعم، وإن رسول الله قد دخل الجنّة ورأى النار لما عرج إلى السماء([74]).

وأمّا الحياة فيها فهي البقاء والخلود.

قال تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنّة هم فيها خالدون). البقرة / 82

وقال: (ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود). ق / 34

5 ـ نعيم الجنّة: ونعيمها على نوعين:

الأول: النعيم الروحي: ومن مصاديقه:

* رضوان الله تعالى، قال تعالى: (ورضوان من الله أكبر). التوبة / 72

وقال: (رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك هو الفوز العظيم). المائدة / 199

وعن الإمام علي (عليه السلام): إن أطيب شيء في الجنّة وألذه حب الله والحب لله والحمد لله.

قال عزوجل: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين). يونس / 10

وذلك أنهم إذا عاينوا ما في الجنّة من النعيم هاجت المحبة في قلوبهم فينادون عند ذلك: أن الحمد لله رب العالمين([75]).

* الصفاء بين المؤمنين وأحاديث السمر، قال تعالى: (ونزعنا ما في قلوبهم من غل إخواناً على سرر متقابلين). الحجر / 47

وقال تعالى: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين). الطور / 26

* إلحاق الذرية، قال تعالى: (جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم). الرعد / 23

* المعاملة الطيبة، قال تعالى: (يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون). النحل / 32، وقال: (ونادوا أصحاب الجنّة أن سلام عليكم). الأعراف / 46

وقال: (ويوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً). مريم / 85

* التشفي من الظالمين وذلك بالإطلاع على ما يتعرضون له من العقوبات، قال تعالى: (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون). المطففين / 34

* الخدمة لهم من قبل الولدان، قال تعالى: (ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً). الإنسان / 19، وهؤلاء الولدان هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، وقيل هم من خدم الجنّة على صورة الولدان خلقوا لخدمة أهل الجنّة([76]).

الثاني: النعيم المادي: ومن مصاديقه:

* أرض الجنّة، سئل النبي (صلى الله عليه وآله) عن الجنة: ما بناؤها؟ فقال: لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك الأذفر، وترابها الزعفران، وحصاؤها اللؤلؤ والياقوت([77]).

* السكن، وهو على ثلاثة أنواع: القصور، الغرف، الخيام، قال تعالى: (تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً). الفرقان / 10

وقال تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبؤنهم من الجنّة غرفاً). العنكبوت / 58

وقال: (حور مقصورات في الخيام). الرحمن / 72

* الملابس، وهي من الحرير والإستبرق والسندس، وعلى رؤوسهم التيجان المحلاة بالحلي، قال تعالى: (عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلو أساور من فضة). الإنسان / 21

* الفرش، حيث الأسرة والزرابى المبثوثة والنمارق المصفوفة، قال تعالى: (فيها سرور مرفوعة). الغاشية / 13

وقال تعالى: (وزرابي مبثوثة). الغاشية / 16، (ونمارق مصفوفة). الغاشية / 16

وقال: (متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان). الرحمن / 76

* الجنس، وهو على نوعين: الحور العين، والخيرات الحسان:

قال تعالى: (وحور عين كأمثال اللؤلوء المكنون). الواقعة / 22

حور: شدة بياض العين، وعين: شدة سواد العين([78]).

قال تعالى: (إنا أنشأناهن إنشاءً فجعلناهن أبكاراً عرباً أتراباً). الواقعة / 35

وقال: (فيهن خيرات حسان). الرحمن / 70

وهن نساء الدنيا خيرات الأخلاق حسان الوجوه أجل من الحور العين.

* الطعام، وهو من الفواكه واللحوم المختلفة، قال تعالى: (وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة). الواقعة / 32

وقال: (ولحم طير مما يشتهون). الواقعة / 21

* الشراب، حيث الأنهار والعيون وعلى ضفافها الأباريق والأكواب والكؤس وبمختلف الأشربة الخالصة العذبة.

قال تعالى: (يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين). الواقعة / 17

وقال: (ومثل الجنّة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم). الرعد / 35

وقال تعالى: (عيناً فيها تسمى سلسبيلاً). الإنسان / 18

* الأعمار، وأهل الجنّة في سن واحدة وهي سن الشباب، عن الباقر (عليه السلام): إن الرب تبارك وتعالى يقول: إدخلوا الجنّة برحمتي وأنجوا من النار بعفوي وتقسموا الجنّة بأعمالكم، فوعزتي لأنزلنكم دار الخلود ودار الكرامة فإذا دخلوها صاروا على طول آدم (عليه السلام) ستين ذراعاً وعلى ملد عيسى (عليه السلام) أي شبابه ثلاث وثلاثين سنة وعلى لسان محمد (صلى الله عليه وآله) بالعربية وعلى صورة يوسف (عليه السلام)في الحسن ثم يعلو وجوههم النور وعلى قلب أيوب في السلامة من الغل([79]).

* الوقت، وهو كما عبر عنه القرآن الكريم: (لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً). الإنسان / 13، لا يرون الشمس حتى يتأذوا بحرها ولا زمهريراً حتى يتأذوا ببرده.

* الراحة النفسية، فلا متاعب ولا هموم ولا لغو، إنما هي حياة السلام والراحة النفسية، قال تعالى: (لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب).

فاطر / 35

وقال: (لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً * إلاّ قيلاً سلاماً سلاماً).

الواقعة / 26

وقال: (وجوه يومئذ ناظرة * إلى ربها ناظرة). القيامة / 22

وقال: (وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة). عبس / 38

* من هم أهل الجنة؟ وهم الأنبياء والأوصياء والعلماء والشهداء وكل الصالحين والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان.

قال تعالى: (تلك الجنّة التي نورث من عبادنا من كان تقياً). مريم / 63

6 ـ اللواء والحوض:

أ ـ اللواء: عن السجاد (عليه السلام) عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: قال لى رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت أول من يدخل الجنّة، فقلت: يا رسول الله أدخلها قبلك؟ قال: نعم، لأنك صاحب لوائي في الآخرة، كما أنك صاحب لوائي في الدنيا وصاحب اللواء هو المتقدم، ثم قال: يا علي كأني بك وقد دخلت الجنّة بيدك لوائي وهو لواء الحمد تحته آدم فمن دونه، وفي رواية مكتوب عليه: المفلحون هم الفائزون بالجنّة([80]).

ب ـ الحوض نهر الكوثر: عن أنس قال: دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: قد أعطيت الكوثر، فقلت: يا رسول الله وما الكوثر؟ قال: نهر في الجنّة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب، لا يشرب أحد منه ويتوضأ أحد منه فيشعث، لا يشربه إنسان أخفر ذمتي وقتل أهل بيتي، يذود علي (عليه السلام) عنه يوم القيامة من ليس من شيعته ومن شرب منه لم يظمأ أبداً([81]).

 

النار وما يرتبط بها:

الحديث عنها من خلال:

1 ـ التعريف بها: عن الإمام علي (عليه السلام): إنها نار لا يهدأ زفيرها ولا يفك أسيرها ولا يجبر كسيرها، حرها شديد وقعرها بعيد وماؤها صديد([82]).

2 ـ أبواب النار ودركاتها وأسماؤها:

قال تعالى: (وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزءٌ مقسوم). الحجر / 43

وعن الباقر (عليه السلام) في شرح الآية المتقدمة: فبلغني أن الله جعلها سبع دركات: أعلاها: الجحيم، يقوم أهلها على الصفا منها تغلي أدمغتهم فيها كغلي القدور بما فيها، والثانية لظى، نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى، وجمع فأوعى، والثالثة: سقر، لا تبقي ولا تذر، لواحة للبشر، عليها تسعة عشر، والرابعة: الحطمة، ومنها يثور شرر كالقصر، كأنها جمالة صفر، والخامسة: الهاوية، فيها ملاً يدعون: يا مالك أغثنا، فإذا أغاثهم جعل لهم آنية من صفر من نار فيه صديد ماء يسيل من جلودهم كأنه مهل، والسادسة: هي السعير، فيها ثلاثمائة سرادق من نار، والسابعة: جهنم، وفيها الفلق وهو جب في جهنم إذا فتح أسعر النار وهو أشد النار عذاباً([83]).

3 ـ خلق النار ومدّة العذاب: والنار مخلوقة والدليل عليها هو نصوص القرآن ومعراج النبي (صلى الله عليه وآله) وما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام)، أمّا القرآن فمن ذلك قوله تعالى: (وبرزت الجحيم للغاوين). الشعراء / 91، وأمّا من الروايات وقد بينا ذلك في الحديث عن خلق الجنّة، وأهل النار محكومون على الدوام والإستمرار يستثنى منهم طوائف لهم عقوبات محدودة يخرجون بعد إنهائها أو بعد حصول الشفاعة، قال تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). البقرة / 82

4 ـ من هم أهل النار؟ وأهل النار هم من المستكبرين والطواغيت والشياطين ومن العصاة والمنحرفين والمنافقين الذي تنكروا للحق وعاثوا في الأرض فساداً، قال تعالى: (لا يصلاها إلاّ الأشقى * الذي كذب وتولى). الليل / 25، وقال: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار). البقرة / 81، وقال: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار). النساء / 145

5 ـ عذاب النار: والعذاب فيها على نوعين:

الأول: العذاب النفسي: ومن مصاديقه:

* غضب الله تعالى، قال تعالى: (وغضب الله عليهم ولعنهم وأعدَّ لهم جهنم). الفتح / 6

* سوء المعاملة، قال تعالى: (عليها ملائكة غلاظ شداد). التحريم / 6

وقال: (قال اخسؤا فيها ولا تكلمون). المؤمنون / 108

وقال: (يوم يدّعون إلى نار جهنم دعّا). الطور / 13

* التخاصم فيما بينهم، قال تعالى: (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار). ص / 64

وقال: (وإذ تبرأ الذين إتبعوا من الذين أتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب). البقرة / 166

* الندم على ضلالهم وتقصيرهم في جنب الله تعالى، قال تعالى: (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب). يونس / 6

* شماتة أهل الجنّة بهم، قال تعالى: (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون). الغاشية / 16

الثاني: العذاب الجسمي: ومن مصاديقه:

* الطعام، هو من الضريع والزقوم والغسلين، قال تعالى: (ليس لهم طعام إلاّ من ضريع لا يُسمن ولا يغني من جوع). الغاشية / 6

وقال: (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم). الدخان / 44

وقال: (فليس له ها هنا حميم ولا طعام إلاّ من غسلين). الحاقة / 36

* الشراب، وهو من الحميم الماء الحار والغساق والصديد:

قال تعالى: (والذين كفروا لهم شراب من حميم). يونس / 4

وقال: (لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً * إلاّ حميماً وغساقاً). النبأ / 25

وقال: (ويسقى من ماء صديد). إبراهيم / 16

* الثياب، وثيابهم من ماء القطران والنار:

قال تعالى: (سرابيلهم من قطران). إبراهيم / 50

وقال: (فالذين كفروا قطّعت لهم ثياب من نار). الحج / 19

* السلاسل والأغلال والعمد ومقامع الحديد:

قال تعالى: (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاس يسحبون). غافر / 71

وقال: (في عمد ممددة). الهمزة / 9،

وقال: (ولهم مقامع من حديد). الحج / 21

* نضج الجلود وشوي الوجوه وصهر ما في البطون، وحرق القلوب:

قال تعالى: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا عذاب الحريق). النساء / 5، وقال: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه). الكهف / 29، وقال: (يغلي في البطون). الدخان / 47

وقال: (نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة). الهمزة / 7

* الأخذ بالنواصي والأقدام وسائر الأطراف:

قال تعالى: (يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام). الرحمن / 41، وقال: (كلا إنها لظى * نزاعة للشوى). المعارج / 16

* الرعب والفزع:

قال تعالى: (وجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة). القيامة / 24

وقال: (وجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة). عبس / 40

* مسخ الخلقة:

قال تعالى: (فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين). البقرة / 65

وقال: (من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت). النساء / 47

 

بين الجنّة والنار:

أ ـ الأعراف([84]): وهو حجاب مرتفع بين الجنّة والنار يشرف عليهما وعليه رجال يعرفون أهل الحنّة وأهل النار معرفة تامة، قال تعالى: (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم). الأعراف / 46

وقال: (ونادى أصحاب الأعراف رجلاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون). الأعراف / 48، وقد تظافرت الأخبار على أن المراد بالرجال هنا هم النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، يعرفون أهل الجنّة وأهل النار، ولهم أن يتكلموا بالحق يوم القيامة ولهم أن يشهدوا أو يشفعوا أو يأمروا كل ذلك بإذن الله تعالى.

ب ـ نداء أهل النار لأهل الجنة: قال تعالى: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنّة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمها على الكافرين * والذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون). الأعراف / 49

ج ـ نداء أهل الجنّة لأهل النار: قال تعالى: (ونادى أصحاب الجنّة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً * قالوا نعم فأذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة كافرون). الأعراف / 44

د ـ ما قاله الشيطان إبليس بعد الإنتهاء من الحساب: قال تعالى: (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلاّ أن دعوتكم فإستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم ولا أنتم بمصرخي إنّي كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم). إبراهيم / 22

 

ذبح الموت:

عن الصادق (عليه السلام) وقد سئل عن قوله تعالى: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة لا يؤمنون). مريم / 39

قال: ينادي منادي من عند الله وذلك بعد ما صار أهل الجنّة في الجنّة وأهل النار في النار: يا أهل الجنّة ويا أهل النار هل تعرفون الموت في صورة من الصور؟ فيقولون: لا، فيؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيقف بين الجنّة والنار ثم ينادون جميعاً: أشرفوا وأنظروا إلى الموت، فيشرفون ثم يأمر الله به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنّة خلود فلا موت أبداً، ويا أهل النار خلود فلا موت أبداً([85]).

 

-------------------------------------------------------------------------

([1]) الراغب الأصفهاني، معجم مفردات ألفاظ القرآن: 364.

([2]) شرح الباب الحادي عشر: 86.

([3]) شبر، حق اليقين في معرفة أصول الدين: 2 / 77.

([4]) نهج البلاغة، الخطبة: 83.

([5]) الطباطبائي، الميزان: 15 / 75.

([6]) اليزدي، دروس في العقيدة الإسلامية: 3 / 27.

([7]) شرح الباب الحادي عشر: 87.

([8]) د. صبحي الصالح، نهج البلاغة: 1.

([9]) شرح الباب الحادي عشر: 88.

([10]) نهج البلاغة، الحكمة: 131.

([11]) مطهري، العدل الإلهي: 245 ـ 251.

اليزدي، دروس في العقيدة الإسلامية: 3 / 88.

([12]) نهج البلاغة، الخطبة: 42.

([13]) اليزدي، دروس في العقيدة الإسلامية: 3 / 10، بتصرف.

([14]) الفضلي، التربية الدينية: 117 ـ 118.

([15]) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن: ج 2.

([16]) ابن أبي الحديد، شرح النهج: 7 / 300.

([17]) المجلسي، البحار: 23 / 76.

([18]) الري شهري، ميزان الحكمة: 4 / 2970.

([19])، (4) القمي، عباس، مفاتيح لجنان: 25، 182 ـ 183.

 

([21])، (2) الري شهري، ميزان الحكمة: 4 / 3551، 2961.

 

([23]) شبر، عبدالله، حق اليقين: 2 / 56.

([24]) الري شهري، ميزان الحكمة: 4 / 2969.

([25]) النراقي، جامع السعادات: 1 / 214 ـ 217.

([26]) الري شهري، ميزان الحكمة: 4 / 2973.

([27]) الكليني، الكافي: 3 / 134.

([28]) اليزدي، دروس في العقيدة الإسلامية: 3 / 195.

([29]) القمي، منازل الآخرة: 17 / 29.

([30]) القمي، منازل الآخرة: 31 ـ 33.

([31]) الكليني، الكافي: 3 / 242.

([32]) البحار: 6 / 235.

([33]) البحار: 78 / 143.

([34]) ميزان الحكمة: 3 / 2481.

([35]) الكافي، الكليني: 3 / 221.

([36]) الخوئي، المسائل المنتخبة: 50.

([37]) الطباطبائي، الميزان: 15 / 68.

([38]) المجلسي، البحار: 6 / 268.

([39]) شبر، حق اليقين: 2 / 86.

([40]) الري شهري، ميزان الحكمة: 2 / 1371.

([41]) الحراني، تحف العقول: 363.

([42]) الكليني، الكافي: 3 / 194.

([43]) ميزان الحكمة: 2 / 1200.

([44]) الكليني، الكافي: 3 / 220.

([45]) الطباطبائي، الميزان: 17 / 98، 15 / 68، 17 / 293 ـ 294.

([46]) المفيد، تصحيح الإعتقاد: 93.

([47]) الشيرازي، الأمثل: 13 / 91.

([48]) الري شهري، ميزان الحكمة: 1 / 625.

([49]) ميزان الحكمة: 1 / 622 ـ 623.

([50]) الميزان: 8 / 10 ـ 12.

([51]) الشيرازي، الأمثل: 19 / 385.

([52]) شبر، تسلية الفؤاد: 173.

([53]) القمي، عباس، منازل الآخرة: 149 ـ 151.

([54]) الري شهري، ميزان الحكمة: 2 / 1610.

([55]) القمي، عباس، سفينة البحار: 5 / 97.

([56]) مطهري، العدل الإلهي: 262 ـ 263.

([57]) الري شهري، ميزان لاحكمة: 1 / 434.

([58]) محاضرات في الإلهيات: 646.

([59]) الفقيه: 3 / 376.

([60]) الميزان: 1 / 174.

([61]) كنز العمال: 6 / 216.

([62]) ميزان الحكمة: 1 / 518.

([63]) ميزان الحكمة: 2 / 1474.

([64]) الكافي: 6 / 235.

([65]) ميزان الحكمة: 1 / 800.

([66]) الوسائل: 1 / 259.

([67]) تحف العقول: 363.

([68]) مفاتيح الجنان: 175.

([69])، (2)، (3) الري شهري، ميزان الحكمة: 1 / 425، 431.

([72]) الري شهري، ميزان الحكمة: 1 / 432.

([73]) سبحاني، الإلهيات: 2 / 918 ـ 919.

([74]) السيد شبر، حق اليقين: 2 / 204.

([75]) المجلسي، البحار: 69 / 25.

([76]) مجمع البيان: 9 / 327.

([77]) شبر، عبدالله، حق اليقين: 2 / 166.

([78])، (2) مجمع البيان: 9 / 319.

([79]) شبر، عبدالله، حق اليقين: 21 / 166.

([80]) شبر، عبدالله، حق اليقين: 2 / 128 ـ 129.

([81]) شبر، عبدالله، تسلية الفؤاد: 191.

([82]) الري شهري، ميزان الحكمة: 1 / 468 ـ 471.

([83]) الري شهري، ميزان الحكمة: 1 / 468 ـ 471.

([84]) سبحاني، الإلهيات: 2 / 770 ـ 771.

([85]) شبر، عبدالله، تسلية الفؤاد: 257.

الثلاثاء, 29 كانون2/يناير 2019 06:56

سوريا 2018؛ تطورات وتطلعات

لا ينقطع ارتباط نهايات الأعوام مع بداياتها بل ربما يكون استمراراً لما جاء فيها وما وقع، فليس من الضروري حدوث القطيعة، مع أننا نتمنى لهذه القطيعة أن تحدث في بعض النقاط من هذا العالم الموحش، ففي كل ركن من أركان المعمورة، وبالأخص في الديار المعمورة، تقع أحداث لا يمكن لنا أن نتخطّاها ونتجاوز عمّا يحدث فيها من دمارٍ وحروبٍ وويلات،  فرحى الحروب تدور وتدور ولا يعلم إلا الله بساعةِ نهايتها، ولكن، ما هو مؤكّد أّنه لا يمكن لها الاستمرار في صيرورة أبدية، وإنما الزمان والمكان مستمران بلا توقف، فقد اعتدنا على التوقف عند مفاصل زمنية كبداياتِ ونهاياتِ الأعوام لرصد ما حدث خلال عام رحل. ولنستشرف ما سيحدث في عام 2019 محاولين إظهار الرسوم المخفية لكي يستطيع القارئ عن طريق قراءة هذه المقالة فهم الواقع أكثر وقراءة العام الجديد بلكنة سياسية سلسلة.
 وعطفاً على ما تقدم تستهدف المقالة التالية أربع محاور:
المحور الأول:  الحصاد السياسي للعام ،2017 يتناول ذكر أهم الأحداث على الساحة السياسية والتي يمكن من خلالها استشفاف الواقع الميداني في العام ما قبل المنصرم كلمحة سريعة للدخول في تطورات العام 2018 حتى تتضح الصورة ويسهل على القارئ تحليل المجريات.
المحور الثاني: التحولات الميدانية يتناول أهم الأحداث الدولية والإقليمية والداخلية المؤثرة على التغييرات الميدانية والتي بدورها تضغط لتغيير دفة العجلة السياسية، وتأثيراتها المحتملة على مستقبل موازين القوى في العالم.
المحور الثالث: التحولات السياسية، يتناول أهم التفاعلات البينية والمحلية والعالمية، وفيه نولي عناية خاصة بسرد أهم النقاط المفصلية في هذا العام.
المحور الرابع : حصاد عام 2018 في سوريا في محاولة استشراف مستقبل سوريا والمنطقة واتجاهات تطور الأحداث في ضوء النتائج التي أمكن التوصل إليها.

الحصاد السياسي للعام 2017

مع إسدال الستار عن العام 2017 أصبح المشهد السياسي في سوريا يخضع برمته لمنازعات وخلافات بين القوى والتنظيمات الإرهابية المتقاتلة في سوريا وتدخل أمريكي - تركي سافر وعلني على الأراضي السورية وبالأخص بعد فوز ترامب بالرئاسة ما أدّى لتدهور الحلول المنطقية أكثر من ذي قبل، بالإضافة لمحاولات عديدة ومكثفة للكيان الصهيوني والصهيوأمريكي لمساندة الإرهابيين وتشتيت الجيش العربي السوري وحلفائه لإعاقة تقدمه في محاربة الشراذم من الإرهابيين، وكالمعتاد تواطؤ وعجز المجتمع الدولي وجامعة الأمة العربية وجميع المنظمات غير اللازم ذكرها.

وقد شهد العام قبل المنصرم سيطرة الروس على الموقف الدولي باستخدام حق النقض (فيتو) مرتين في مجلس الأمن الدولي، وإخراج الملف السوري تقريباً من أروقة الأمم المتحدة التي تسعى لتفتيت ما عجز الإرهاب عن تفتيته إلى العاصمة الكازخية آستانا.
 ويمكن تلخيص أهم الأحداث السياسية لعام 2017 بما يلي:
 من جنيف 4 إلى جنيف 8 المراوحة في المكان، فقد شهد العام 2017م أربعة مؤتمرات في جنيف السويسرية بين وفدي الحكومة السورية والمعارضة وتخلله خرق دائم للهدنة والاتفاقات من قبل المعارضة تحت مسميات مختلفة تتبع لقيادات وزعامات مختلفة، ما خلّف فشلاً ضمنياً لنتائج المؤتمرات، تلاها مؤتمرات آستانه واحد حتى آستانة ثمانية والتي ربما كانت أهم نتيجة إيجابية فيها أن هذه المؤتمرات أعطت الوقت لمن خُدع وضُلل لإعادة النظر في سياساته وسياسات داعميه كما أعطى فرصة للحكومة والدولة السورية لإثبات حسن نيتها والسعي وراء الحل السياسي والحل السلمي علّها تنفع الذكرى لمن بغى وتجبر، ومن ثم الدعوة إلى مؤتمر الحوار السوري في منتجع سوتشي الروسي.

الحصاد السياسي للعام 2018
كما نعلم بأن القوى المتصارعة في سوريا منذ بداية الأزمة يمكن تقسيمها إلى أربعة مجموعات:
المجموعة الأولى: اللاعبون الرئيسيون وهم على الصعيد الداخلي السوري متمثلون بالجيش والشعب السوري ضد المعارضة السورية في الداخل.
المجموعة الثانية: اللاعبون الإقليميون في منطقة غرب آسيا مثل السعودية وقطر وتركيا والكيان الصهيوني بالإضافة للحليف الإيراني.
المجموعة الثالثة: اللاعبون الدوليون وهنا نشير إلى أمريكا وفرنسا وألمانيا وبعض الدول الأوروبية بالإضافة للصديقين الروسي والصيني.
المجموعة الرابعة: المنظمات الدولية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن.

التحولات الميدانية
بعد الانتصارات التي شهدناها في سوريا واندثار حلم داعش في تشكيل دولة متأسلمة في سوريا وبعد تحرير حلب والرقة والمصالحات التي قامت بها الحكومة السورية لإعادة المذنب النادم لحضن الوطن، شهدنا أيضاً اعتداءات صاروخية على السيادة السورية من قبل أمريكا وربيبتها "إسرائيل".
- وهنا سأتطرق لأحداث عام 2018م،  لنستذكر ما حدث ونقرأ التاريخ ممزوجاً بتحليل سياسي يزيل الغبار لكشف الحقيقة، فقد واصل الجيش السوري تقدمه في تحرير الغوطة الشرقية وسلّم مسلحي الغوطة أنفسهم إلى الجيش مع تسوية أوضاعهم عدا عن البعض من الذين قست قلوبهم فقد بدؤوا بالرحيل عبر الباصات الخضر إلى إدلب وكان هذا بعد الاحتلال التركي لمدينة عفرين السورية وتشريد السوريين ونزوح أهالي هذه المدينة والمدن المجاورة لها بعد اشتباكات عنيفة بين القوات التركية مستندين على مسلحي درع الفرات ضد وحدات حماية الشعب داخل المدينة.
- وبعدها من الأحداث المهمة، استعادة الجيش العربي السوري السيطرة على منطقة وادي عين ترما في الغوطة الشرقية بريف دمشق وهي من أهم أوكار الإرهابيين في سوريا.
 ( 5-7  رجب 1439 ) تم في هذا التاريخ طرد المسلحين وإخراجهم مع عائلاتهم من حرستا باتجاه إدلب، وكان حينها من المقرر تحرير 3500 مخطوف عسكري ومدني كانوا محتجزين لدى الجماعات الإرهابية في مدينة دوما بالغوطة الشرقية بالإضافة لإخلاء (3000) ثلاثة آلاف حالة إنسانية وهذا ضمن أحد بنود الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الجهات المعنية في الحكومة السورية والإرهابيين في دوما، ليتفاجأ بعدها الشعب السوري والأمهات الثكالى بأنَّ الإرهابيين قاموا بقتل أعداد هائلة من المحتجزين ودفنهم في مقابر جماعية وهذا ما يؤكد خيانة وحقد هذه الجماعات التكفيرية اللقيطة.
- وفيما بعد تسلسلت أحداث انتصارات وبطولات الجيش العربي السوري وحلفائه على جميع الأراضي السورية وشهدنا خلال عام 2018 تقهقر أهم أوكار المسلحين وقيادتهم وفيالقهم وجحافلهم ففي (15رجب) من هذا العام هُزِم إرهابيو (فيلق الرحمن) في دوما و شهدنا الانسحاب الإجباري والذليل ( لجيش الإسلام ) وهذا بعد الانتصارات الكبيرة التي حققها الجيش السوري والحلفاء في بلدات زملكا وعربين وعين ترما وجوبر و...
-  وكالمعتاد بعد هذه الانتصارات شهد مطار التيفور هجوماً صاروخياً إرهابياً سافر ليتيح للإرهابين أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة بعد أن أصبحوا في خطر جسيم، وليعطوا المجموعات الإرهابية الماسونية والمتأسلمة أملاً جديداً بتحقيق الانتصار، إلّا أن الدفاعات الجوية السورية استطاعت إسقاط معظم الصواريخ وحرف بعضها عن أهدافها وتلاها صلف إسرائيلي واختراق إقليمي صارخ للسيادة السورية لمرات متعددة، وفي محاولة منها لدعم تعنّت المعارضة والإرهابيين الرافض للتسوية والمصالحة.
- فيما ترافق بعدها بعدة أيام (الجمعة 27 رجب 1439) إنزال جوي أمريكي لمساندة إرهابيي تل الشاير جنوب شرق مدينة الشدادي لإخلاء عدد من المتزعمين الإرهابيين الأجانب كونهم مرتزقة يخدمون مصالح الشيطان الأكبر، وتبعها غارات التحالف على المدنيين بقيادة أمريكا، ووفقاً لـ"المرصد السوري لحقوق الإنسان"، وهو مجموعة مراقبة مقرها بريطانيا،" قُتل أكثر من 1,100 مدني في غارات جوية شنتها طائرات التحالف منذ بدء حملة إعادة السيطرة على مدينة الرقة".
(29 رجب 1439 ) هذه الأحداث مهّدت للحدث الأكبر الذي شهدته سوريا في إعلان القيادة العامة للجيش السوري
- تحرير الغوطة الشرقية بكامل بلداتها وقراها من التنظيمات الإرهابية و هذا ما جاء بالتزامن مع العدوان الثلاثي الغاشم الذي شنته أمريكا وفرنسا وبريطانيا بدعم من الكيان الصهيوني الغاصب والحكومة السعودية، ما يعني مشاركة القوات الجوية الأمريكية، بحرية أمريكا، سلاح الجو الملكي بالإضافة للقوات الجوية والبحرية الفرنسية بإمداد صهيوني إسرائيلي وأموال سعودية ضد قوات الدفاع الجوي في الجيش العربي السوري، على العديد من الأهداف في سوريا وبالأخص مركز البحوث العلمية في منطقة برزة.
وبعد كل هذه الاعتداءات والمحاولات البائسة في ترجيح كفّة الميزان لمصلحة إرهابيي العالم على الأرض السورية، إلا أن الميدان والمعارك العسكرية صرّحت بغير ذلك! فبعد أن سطّر جنود الجيش العربي السوري وحلفاؤهم معارك النصر، فقد شهدنا عودة اللاجئين السوريين عبر جميع الحدود السورية وبالأخص عبر معبر نصيب الحدودي بين سوريا والأردن مستفيدين من مرسوم العفو رقم  18 لعام 2018، ليعودوا بذلك إلى حضن الوطن.
وهنا لا يسعني إلّا أن أشير مستنكراً ومندداً إلى الاعتداءات الصاروخية التي ما زالت تحدث وكان آخرها الاعتداء الذي حاول فيه الكيان الصهيوني توديع عام 2018  في الساعة العاشرة بتوقيت دمشق على الأراضي السورية مستهدفاً ثلاث مواقع في غرب دمشق وقد تم التصدي له بمنظومات " إس 200 وسام المطوّرتين " وتم إسقاط "8" صواريخ من أصل 10 صواريخ وهذا الاعتداء شاهد بيان على الغيظ الصهيوني من الانتصار الاستراتيجي والجيوبوليتيكي والسياسي لسوريا ومحور المقاومة والإحساس بالخطر الحتمي الذي يواجه بقاء واستمرارية الكيان الصهيوني الغاصب.
التحولات السياسية
الحرب في سوريا استمرت قرابة الثماني سنوات مذ كانت أزمة وتحوّلت إلى حرب عالمية ثالثة على أرض سوريا التي ضمت وحمت ودافعت عن كل المظلومين في العالم، ونظراً للتداخل العضوي بين النظام العربي وبيئته الدولية والإقليمية المحيطة، فقد حلّت ثمان سنوات عجاف على سوريا فأُحرق زرعها وشرد سكانها حيث إن وراء كل حرب تكمن سياسةٌ وأطماعَ ومصالح. فتركيا اليوم تحاول التقرب من الرئيس الأسد، بعد كل العداء السابق، فقد قالت على لسان وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو في مؤتمر الدوحة: إنّ بلاده ستدرس العمل مع الرئيس السوري بشار الأسد إذا فاز في انتخابات ديمقراطية (16 كانون الأول ،ديسمبر 2018 ) وهذا ما أكده رجب طيب أدروغان منذ عدة أيام سبقت هذا الحديث عندما قال: بأن تركيا لا تطمع بالأرض السورية ولا تريد السيطرة عليها وهذا ما يعني التراجع مع محاولة حفظ ماء الوجه الذي أريق على الأرض وما سُكِب لا يُجمَع!!
أما عن المؤتمرات والاستشارات والاجتماعات المقامة حول الملف السوري والتي يطول ذكرها فكان أهمها وأبرزها القمة الثلاثية الإيرانية الروسية والتركية المقامة في طهران والتي هدفت لدعم تحقيق المصالحات والاستمرار في مقارعة الإرهاب وتحرير الأراضي السورية حتى آخر شبر منها، وما نتج من تراجع صريح في الموقف التركي حيال بقاء الرئيس الأسد في سوريا بعد التقهقر العلني للسياسات الأردوغانية تجاه دمشق وحكومتها، وهذا يعني هزيمة أضلاع الشر في سوريا مقابل انتصار سوريا وحلفائها وفيما بعد صدرت مواقف سياسية عديدة كالتي صدرت عن مصر عندما وجهت المذكورة دعوة رسمية لرئيس مكتب الأمن الوطني السوري (علي مملوك ) وهو ما قوبل بتلبية الدعوة في 22 أكتوبر من عام 2016 والتقى حينها مع ( خالد فوزي ) والعديد من الشخصيات الأمنية والعسكرية الكبرى في مصر، وفي الدعوة الثانية أيضاً التقى « بعباس كامل » رئيس جهاز الاستخبارات المصرية وبحث معه أوضاع البلدين وكيفية إعادة التنسيق الأمني والاستخباراتي بين البلدين، وهذا ما يعني محاولات التقرب من قبل من وقفوا بوجه تحقيق الأمن والأمان في سوريا أو من غضّوا الطرف عن الإرهاب فشربوا بنفس الكأس، كما يعني اعتراف مصر بأنَّ سوريا هي الحاضن للأمن والسلام في الوطن العربي وهذا ما يدعو لوضع خطة عمل مشتركة لتحقيق الهدف المشترك  في طرد الإرهاب والإرهابيين.
- إعادة إعمار سفارة الإمارات في دمشق وما تلاها من زيارة هيئة رفيعة المستوى من شركة (داماك ) الإعمارية وما حملته من مشاريع اقتصادية وغير اقتصادية ممّا يعني رغبة الإمارات في إعادة المياه لمجاريها مع سوريا وهذا ما سنرى انعكاسه قريباً على باقي الدول التي وقفت في الطابور.
-  وقد تقارب هذا الأمر بقرار الانسحاب الأمريكي الذليل من سوريا بعد إقرارهم بالهزيمة وبعد إيقانهم بأنهم لا يملكون أي قاعدة شعبية في سوريا وأنّ سوريا ليست قطر أو السعودية وليست من أشباه الدول والحكومات التي ترضى بعار الوجود الأمريكي على أرضها، لا بقواعد عسكرية ولا بغير قواعد، وكي لا يطول الحديث سأعرج على الأردن، فقد صرّح الملك عبدالله الثاني: "بأنًّ العلاقات مع سورية ستعود لسابق عهدها لأننا نشهد تحسّناً في الأوضاع السورية ونحن نتمنى لسوريا كل خير، على أمل أن تعود الأوضاع في سوريا إلى حالتها السابقة"، وأخيراً وليس آخراً الرسالة العلنية من قبل الحكّام العرب المحمولة على لسان الرئيس السوداني الذي هدد منذ مدة بأنه سيدخل سوريا غازياً إلّا أنه كان أوّل رئيس عربي يزور سورية بصفة رسمية لإعادة المياه لمجاريها ولفتح العلاقات من جديد مع دمشق.

لمحة سريعة عن ملخص أحداث 2018
النقطة الأولى: صمود حكومة الرئيس الأسد وتمكّن الجيش العربي السوري من تحقيق انتصارات كبيرة ليس فقط في مواجهة الجماعات الإرهابية، وإنما أيضاً في مواجهة قوى المعارضة التي تحمل السلاح في وجهه، وذلك بفضل الصمود والإيمان العقائدي لجنوده والعون العسكري المقدَّم له من الدول الحليفة، وفي مقدمتها إيران.
النقطة الثانية: دخول إيران كطرف رئيسي، جنباً إلى جنب مع كلٍ من روسيا وتركيا، في معادلة التسوية السياسية للأزمة في سوريا. ورغم أن الدور الروسي كان الأكبر والأهم في حسم المعارك العسكرية، إلا أن وجود إيران إلى جانب سوريا منذ بداية الأزمة والتأكيد على الحل السياسي للحرب السورية، وقدرتها على ممارسة نفوذ سياسي وأيديولوجي على جميع الأطراف المتنازعة والإقليمية كونها تمثّل الوسطية في طرح حلولها يضفيان على دورها مزية إضافية.
النقطة الثالثة: تضاؤل احتمالات الحسم العسكري للأزمة السورية كما أكدت الحكومة السورية وحليفتها إيران منذ بداية الأزمة.
النقطة الرابعة: انتهاء حلم تركيا وأمريكا و"اسرائيل" بتقسيم سوريا واستقطاع أراضٍ منها تحت حجج ومسميات واهية.
وسنشهد عمّا قريب استمرار الطلبات المقدمة للحكومة السورية لفتح السفارات والقنصليات في سوريا، بالإضافة لتسيير الرحلات من وإلى مطار دمشق الدولي وإعادة الرحلات الجوية وسيشهد هذا العام ازدحاماً للطائرات على مدرج مطار دمشق، كما سيكون هناك سباق في تقديم يد العون لإعادة الإعمار في سوريا ولكن الحظ لن يحالف إلّا من وقفوا بجانب سوريا في أوج أزمتها.
إلّا أنه لا يمكننا أن نغلق أعيننا وألّا نقرأ التجاوزات والاعتداءات التي سيجهد بها الكيان الغاصب لتوجيه آخر الضربات لسوريا، ظناً منه أنه سيتمكن من قلب المعادلات في اللحظة الأخيرة. فكل شيء جائز في عام 2019 فكما كان جُلّ الأزمة والحرب على سوريا مفاجئاً؛ فهناك مفاجئات من الصعب توقعها أو التنبؤ بها تحمل في طياتها أسراراً ربما تقلب الموازين في ليلة وضحاها.

كتب جوناثان تيرون تقريراً في موقع "بلومبيرغ" الأميركي كشف فيه عن ضغوط أميركية على الوكالة الدولية للطاقة النووية لفتح تحقيق خاص في الأبعاد العسكرية للبرنامج النووي الإيراني، ناقلاً عن دبلوماسيين في الوكالة قولهم إن هذه الضغوط لم تثمر حتى الآن بسبب ممانعة الدول الأخرى الراعية للاتفاق النووي مع إيران. والآتي ترجمة نص التقرير:

تحث إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الوكالة الدولية للطاقة النووية على إعادة فتح تحقيق خاص في الأبعاد العسكرية للعمل النووي الإيراني السابق. لكنها لا تكتسب زخماً بين المسؤولين الدوليين القادرين على تحقيق ذلك.

وقد ضاعف المسؤولون الأميركيون ضغوطهم على الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الأسابيع الاخيرة ويهددون بفرض عقوبات جديدة ويدعون الى إجراء مزيد من عمليات التفتيش الصارمة، وذلك وفقاً لوثائق حصل عليها موقع بلومبرغ ومقابلات أجراها مع دبلوماسيين.

ومع ذلك، فإن الجهود لم تؤتِ أكلها، كما يقول ثلاثة دبلوماسيين شاركوا في اجتماع عقد إلى جانب سفارة الولايات المتحدة في واشنطن الأسبوع الماضي في فيينا.

إنه ضغط نادر بالنسبة للولايات المتحدة في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كان مفتشوها فعالين في فرض عقوبات الأمم المتحدة السابقة على إيران. توضح هذه الواقعة الصعوبة المتزايدة التي يواجهها المسؤولون الأميركيون في إقناع الحلفاء باتباع الولايات المتحدة بشأن إيران.

وطلب دبلوماسيون شاركوا في اجتماع فيينا عدم الكشف عن أسمائهم في مقابل مناقشة تفاصيل اللقاء الخاص الذي عقد في 20 كانون الثاني / يناير وحضره 70 دبلوماسياً تم تعيينهم كممثلين لبلادهم لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي الهيئة المكلفة بالتحقق من الاتفاق النووي لعام 2015 بين إيران والقوى العالمية الذي انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترك ترامب في أيار – مايو 2018.

وقد سمع المبعوثون تفاصيل حول ما وصفه مستشار الأمن القومي جون بولتون بـ "أدلة جوهرية" بأن إيران كذبت على مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وقال إيلي جيرانمايه وهو باحث بارز في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية : "هناك شعور بأن الإدارة محبطة لأن حملتها لإعادة التفاوض على الصفقة (مع إيران) لا تعمل. ما نراه هو أن حملة الضغط الأميركية الأقصى تزداد تسخينًا".

وكان أساس ادعاء بولتون تحليل قام به اثنان من المعارضين لفترة طويلة للاتفاق النووي مع إيران - وهما مؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" و"معهد العلوم والأمن الدولي". وقد زعم هذان الباحثان المقيمان في واشنطن، باستخدام بيانات جديدة مقدمة من "إسرائيل"، وهي جزء من وثائق كانت مخبأة زعمت "إسرائيل" أنها سرقتها من إيران العام الماضي، أنها تعرفا على منشأة نووية إيرانية لم تكن معروفة من قبل، إلى جانب وجود فجوات في تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وتتطلّب هذه المعلومات من الوكالة الدولية للطاقة الذرية "إعادة تنشيط تحقيقاتها حول ماضي إيران النووي، وربما حول برنامج أسلحة نووية مستمر"، وفقاً لوثائق وزّعت في الاجتماع داخل الوكالة وحصل عليها "بلومبيرغ". وتريد الولايات المتحدة الحصول من الوكالة الدولية على مزيد من المعلومات حول المواقع الإيرانية التي يتم تفتيشها، وتهدد بفرض عقوبات على مشاريع التعاون التقني التي تقوم بها الوكالة مع إيران، وذلك وفقًا لوثيقة منفصلة اطلع عليها "بلومبيرغ" ووزعت على الدبلوماسيين في فيينا الشهر الماضي.

وقد رفضت السفارة الأميركية في فيينا التعليق لدى سؤال مراسل موقع "بلومبيرغ" لها، مشيرة إلى إغلاق الحكومة الفيدرالية الأميركية. كما امتنعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن التعليق.

وقد أنهت الوكالة في عام 2015 تحقيقاً استمر 12 عامًا بشأن برنامج إيران النووي، وخلص إلى أن العلماء أجروا دراسات تتعلق بالأسلحة النووية قبل عام 2009 من دون التقدم على الإطلاق لصنع قنبلة نووية.

وقال المدير العام للوكالة الدولية يوكيا أمانو في أكتوبر / تشرين الأول الماضي إن الوكالة تخضع معلومات جديدة بشأن إيران إلى "مراجعة صارمة". وقال إن الاتفاق مع إيران يوفّر للمفتشين "أكثر آلية مراقبة صارمة تم التفاوض بشأنها على الإطلاق."

وقال الدبلوماسيون إن البيانات الإسرائيلية عززت الحاجة إلى صفقة نووية مع إيران، الأمر الذي يمنح المفتشين مراقبة فورية للمواد النووية من المهد إلى اللحد. وأشاروا إلى المستوى القياسي لعمليات التفتيش المفاجئة التي أطلقتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إيران، فضلاً عن ثلاث سنوات من تقارير الرصد التي تظهر أن طهران قد التزمت جانبها من الصفقة.

وقال جيرمانمايه الذي يقدم المشورة للحكومات الأوروبية بشأن إيران: "كان هناك قلق من أن الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى ترغب في خلق أزمة التفتيش. لكن هناك مقاومة لهذا. يشعر أصحاب المصلحة في الصفقة بأنهم يملكون قبضة جيدة على ما يحدث في إيران ".

منذ انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي، تكافح القوى المتبقية في الصفقة - الصين، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، وبريطانيا - لتوفير تخفيف العقوبات الذي تم التعهد به عندما وافقت إيران على القيود النووية. في حين أنه من المتوقع أن تكون هناك آلية أوروبية خاصة مصممة لحماية الشركات من العقوبات الأميركية جاهزة في غضون أيام، إلا أنها تواجه تأخيرات وتشككًا في قدرتها على إقناع الشركات بالتداول مع إيران بنجاح.

وقال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي، هذا الأسبوع، إن إيران مستعدة لإعادة تشغيل برنامج تخصيب اليورانيوم باستخدام تكنولوجيا أكثر تقدماً إذا فشل الاتفاق النووي، بحسب ما أوردته وكالات الأنباء الإيرانية. وتنظر طهران في تصنيع الوقود النووي المستخدم في أنظمة الدفع البحري، مما يعني أنها قد تزيد من مستوى تخصيب اليورانيوم على مقربة من النقاء المطلوب للأسلحة النووية.

وقال الدبلوماسيون في فيينا إنه في الوقت الذي سيواصلون فيه التعامل مع الولايات المتحدة، فإنهم يريدون تجنب إثارة سيناريو سيتصاعد إلى أزمة جديدة مع إيران. وقال أحد المبعوثين إن إجبار الوكالة الدولية للطاقة الذرية على إعادة صياغة معلومات عمرها 20 عاماً قد يغلق الأبواب أمام الدبلوماسية ويؤدي إلى "عواقب مأساوية".

دعا الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عسكريي بلاده إلى البقاء ثابتين في محاربة الإنقلاب إضافة إلى التحلي بأقصى درجات الوحدة والتعاون.

موقف مادورو جاء قبيل بدء تدريبات عسكرية شمال البلاد, حيث أكد إستعداد بلاده لأهم التدريبات العسكرية لمئتي عام من التاريخ, مشيراً أن فنزويلا تريد السلام وبحاجة اليه.

الجنود الفنزويليون أعلنوا ولاءهم للثورة البوليفارية ورفضهم قانون العفو الذي أَعلنه رئيس الجمعية الوطنية خوان غوايدو بهدف إقناعهم بالالتحاق به.

ومن جهتهم, كان أنصار غوايدو قد وزعوا مناشير على عسكريين في الجيش الفنزويلي تضمنت ما سمي قانون عفو لهم بهدف إقناعهم بالانشقاق عن حكومة الرئيس مادورو.

وتظهر الصور إحراق بعض عناصر الجيش المناشير رفضاً لدعوات المعارضة.

يأتي ذلك بعد تقديم غوايدو وعوداً للجيش تقضي بمنح العفو للعسكريين اذا انشقوا عن مادورو, معلناً أنه على استعداد للتحدث مع أي شخص يجب أن يتحدث معه  وأيضاً تأليف حكومة انتقالية وإجراء انتخابات حرة وتنفيذ جدول أعمال واضح جداً يقرره شعب فنزويلا.

مستشار الامن القومي الاميركي جون بولتون قال إن بلاده ستفرض عقوبات على عدد من المسؤولين وشركات النفط الفنزويلية، داعياً الجيش الفنزويلي والقوات الامنية إلى أن تقبل بنقل السلطة في فنزويلا بشكل رسمي.

وأضاف "كل الخيارات تجاه فنزويلا مطروحة على الطاولة كما ذكر الرئيس".

وفي تغريدة له على تويتر, هدّد مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون برد قوي على أي اعتداء على غوايدو أو على الجمعية نفسها وفق تعبيره.

بدوره، قال وزير الخزانة الأميركي إن واشنطن فرضت عقوبات على شركة  PDVSA النفطية المملوكة لفنزويلا.

وأمام البيت الأبيض، تظاهر العشرات تضامناً مع فنزويلا واحتجاجاً على التدخل الأميركيِّ فيها ودانوا دعم إدارة الرئيس دونالد ترامب التنصيب "غير الشرعي" لغوايدو وشددوا على أن التدخل الأميركي في فنزويلا سيفاقم الأزمةَ في البلاد.

وفي المواقف الدولية, أعلنت أستراليا اعترافها بغوايدو رئيساً لفنزويلا، فيما حذرت الولايات المتحدة مما سمته الترهيب والعنف بحقِ المعارضة أو البعثة الدبلوماسية الأميركية هناك.

الرئيس الفنزويلي مادورو كان قد دعا الدول الأوروبية إلى سحب مهلة الثمانية أيام لإجراء انتخابات رئاسية، معلناً أنّ المجموعة الأخيرة من الدبلوماسيين الأميركيين غادرت كاراكاس.