Super User

Super User

اسمها ونسبها:

زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، أمّها سيدة نساء العالمين، فاطمة بنت النبي(ص)،.

ولادتها:

ولدت بالمدينة المنورة، في الخامس من جمادى الأولى، في السنة الخامسة للهجرة.

سيرتها وفضائلها:

كانتعليها السلام  عالمة غير معَلّمة، وفهِمة غير مفهّمة، كما وصفها بذلك الإمام زين العابدين(ع)([1])، عاقلة لبيبة، جزلة، وكانت في فصاحتها وزهدها وعبادتها كأبيها أمير المؤمنين وأمها الزهراء عليهما السلام.

اتصفت عليها السلام بمحاسن كثيرة، وأوصاف جليلة، وخصال حميدة، وشيم سعيدة، ومفاخر بارزة، وفضائل طاهرة.

حدثت عن أمها الزهراءعليها السلام ، وكذلك عن أسماء بنت عميس كما روى عنها محمد بن عمرو، وعطاء بن السائب، وفاطمة بنت الإمام الحسين(ع)، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعبّّاد العامري([2]).

عرفت زينبعليها السلام  بكثرة التهجّد شأنها في ذلك شأن جدّها الرسول(ص)،  وأهل البيت عليهم السلام ، وروي عن الإمام زين العابدين(ع) قوله: Sما رأيت عمتي تصلي الليل عن جلوس إلا ليلة الحادي عشرR أي أنها ما تركت تهجدها وعبادتها المستحبة حتى تلك الليلة الحزينة، بحيث أن الإمام الحسين(ع) عندما ودّع عياله وداعه الأخير يوم عاشوراء، قال لها: «يا أختاه لا تنسيني في نافلة الليل»([3]).

وذكر بعض أرباب السير أن زينب عليها السلام كان لها مجلس خاص لتفسير القرآن الكريم تحضره النساء في الكوفة في زمن إمامة أمير المؤمنين(ع)، حيث دخل عليها أبوها (ع) فوجدها تفسّر لهنّ (كهيعص)([4]) من سورة مريم، وأيضاً روى أرباب السير أن دعاءها كان مستجاباً.

شخصية السيدة زينب عليها السلام :

ولدت السيدة زينب الكبرى في جمادى الأولى السنة الخمسة للهجرة، على ما حققه الشيخ جعفر النقدي، وقيل في السادسة، أبوها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، وأمها فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، وأخوتها الحسن والحسين من أمها فاطمةعليها السلام ([5]).

حينما علم النبي(ص)،  بهذه المولودة المباركة سارع إلى بيت بضعته فأخذها، غير أن دموعه تبلورت على سحنات وجهه الكريم، فضمها إلى صدره، وجعل يوسعها تقبيلاً.

بهرت فاطمةعليها السلام  من بكاء أبيها، فانبرت قائلةً: ما يبكيك يا أبتي، لا أبكى الله لك عيناً؟!

فقال: يا فاطمة، اعلمي أنّ هذه البنت بعدي وبعدك سوف تنصبّ عليها المصائب والرزايا([6])..

وحينما علم سلمان المحمدي بولادة هذه الوليدة المباركة أقبل على أمير المؤمنين يهنئه، فألفاه حزيناً واجماً، فتحدث له ما ستعانيه ابنته من المآسي والخطوب([7]).

سألت فاطمة عليها السلام علياً أن يسمي وليدته المباركة، فقال (ع): Sما كنت لأسبق رسول الله (ص)، R فعرض الإمام (ع) على النبي (ص)،  أن يسميها، فقال (ص)، : Sما كنت لأسبق ربيR.. فجاءه النداء من السماء: Sسمّ هذا المولود زينب، فقد اختار الله لها هذا الاسمR([8])..

وكانت عليها السلام تكنّى بأم كلثوم، وقيل بأم الحسن([9])، ولقّبت بألقاب سامية تنم عن صفاتها الكريمة، ونزعاتها الشريفة، فقد لقبت بـ‍: عقيلة بني هاشم، - ومعنى العقيلة: المرأة الكريمة على قومها، والعزيزة في بيتها -، والعالمة وعابدة آل علي، والكاملة والفاضلة([10])، كما اشتهرت بأمّ المصائب، لهول ما لاقته في مسيرة حياتها، وكنّاها الكتّاب المتأخّرون ببطلة كربلاء.

تربّت السيدة زينب عليها السلام في بيت النبوة، ومركز العلم والفضل، ومنبع الكمال، فجدّها المصطفى خير من على وجه الأرض، وأبوها سيد الأوصياء، وإمام المتقين، وأمها سيدة نساء العالمين، وإخوتها الحسن والحسين الإمامان إن قاما أو قعدا، فورثت من جدها دعوته ورسالته، ومن أبيها بلاغته وشجاعته، ومن أمها عبادتها وجلالتها، فكانت بحق مصداقاً فريداً للبيت النبوي.

فقدت السيدة زينب جدها النبي(ص)،  وعاصرت محنة علي وفاطمة، وعايشت جميع مصائب أمها الزهراء، وشاهدت عن كثب آلامها وأوجاعها بقلب حزين، ومهما تخيلنا فلا نصل إلى واقع مصابها عندما فقدت أمها ولم تزل في ربيع الصبا، في الوقت الذي أحوج ما كانت تحتاجه إلى أمها، وكم أظلم البيت عليها في تلك الليالي التي كانت تمر عليها، ولا ترى لأمها فيه شخصاً، ولا تسمع لها حسيساً.

لكن رغم كل الصعوبات كانت تقف مع إخوتها إلى جانب السيد الأكبر علي بن أبي طالب، مجسّدة أفعال أمها، وارثة عنها حنانها المتدفّق الذي أفرغته لسائر أفراد أسرتها، ولئن وفّق الله النبي(ص)،  بابنته الزهراء التي كانت مصداقاً حقيقياً لخديجة في وفرة حنانها على النبي(ص)،  والوقوف إلى جانبه، حتى قال فيها النبي(ص)، : Sفاطمة أم أبيهاR([11]). فكذلك كانت زينب أُماً حنوناً ليست لعلي(ع) فحسب بل لسائر أفراد أسرتها.

لما بلغت مبلغ النساء هبّ لخطبتها الأشراف([12])، غير أن علياً(ع) اختار لها ابن أخيه عبد الله بن جعفر الطيار، الذي ربّاه([13]) بعد شهادة أبيه، وكانت أمه أسماء بنت عميس وثيقة الصلة والعلاقة بالسيدة الزهراء، وقد أصدقها الإمام (480 درهماً) من خالص ماله، كصداق أمها الزهراء ([14]).

وكان عبد الله ممن صحب النبي وسمع حديثه، وحفظ عنه، ولازم عمه أمير المؤمنين، وابني عمه الحسن والحسين، وأخذ العلم عنهم. وكان أغنى بني هاشم وأيسرهم، وكانت له ضياع كثيرة، ومتاجرة واسعة، وكان أسخى رجل في الإسلام، وله حكايات في جوده وسخاءه وكرمه كثيرة وعجيبة([15]).

عاشت زينب عليها السلام مع ابن عمها في حياة يسودها الإيمان والطمأنينة والرحمة، وكان نتاج هذا الزواج المبارك أربعة أولاد: عون([16]) - الذي استشهد مع خاله في كربلاء -، وعلي المعروف بالزينبي([17])، وإليه يرجع نسل عبد الله من زينب، وعباس([18])، وأم كلثوم البنت الوحيدة لزينب، والتي خطبها مروان بأمر من معاوية ليزيد، فجاء مروان وخطبها من أبيها عبد الله بن جعفر، فقال له: إن أمرها ليس إليّ، إنما هو لخالها الحسين، فلما أخبر الحسين بذلك وجرى بينه وبين مروان حوار، زوّجها (ع) من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر الطيار، وكان صداقها كصداق أمها وجدتها (480 درهماً)([19]).

وذكر بعض المؤرخين أن لها عليها السلام ولد آخر واسمه (محمد)، وقد استشهد مع الحسينA في كربلاء ولكنه خطأ، لأن محمداً هذا هو ابن عبد الله بن جعفر من الخوصاء من بني بكر بن وائل([20])، فاشتبه البعض فظن أن نسبته إلى عبد الله يعني ابن زينب.

مواقـفها:

يُسجل لنا التاريخ بكل فخر واعتزاز مواقف مشرّفة وبطولية للسيدة زينبعليها السلام  في يوم عاشوراء، حتى أنها أصبحت شريكة الحسين(ع) في نهضته، فلا يمكن التحدّث عن واقعة الطف ونتجاهل مواقفها، وسنذكر بعضاً من مواقفها في ذلك اليوم العصيب وفاءً لها ولصمودها بوجه أعداء آل البيت عليهم السلام.

شاهدت زينب عليها السلام  قتل أخيها الإمام الحسين(ع) وإخوتها وبني عمومتها من الشيوخ والشباب والأطفال، وخلّص أصحاب الحسين(ع) يوم عاشوراء، وكذلك قتل ولديها عون ومحمد مع خالهما أمام عينيها، ثم حُملت أسيرة من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام مع رؤوس الشهداء، ومع ذلك قابلت ابن زياد بكل شجاعة ورباطة جأش.

والملفت للنظر أن زينب عليها السلام كانت متزوجة من عبد الله بن جعفر، واختارت مرافقة أخيها الحسين(ع)، والخروج معه على البقاء عند زوجها، وزوجها راضٍ بذلك، وقد أمر ولديه بلزوم خالهما، والجهاد بين يديه ففعلا حتى قُتلا، وحق لها ذلك، فمن كان لها أخ مثل الإمام الحسين(ع) وهي بهذا الكمال الفائق، لا يستغرب منها تقديم أخيها على زوجها.

أمّا موقفها عليها السلام من ثورة الإمام الحسين(ع) فقد تبنّتْ التبليغ لهذه الثورة مع باقي نساء أهل البيت عليهم السلام بلسان فصيح هو لسان علي(ع)، والخطبتان المشهورتان اللتان ألقتهما في الكوفة والشام خير شاهد على ما نقول.

 

([1]) مقتل الحسين للخوارزمي، والاحتجاج للطبرسي، طبع لبنان عام 1403 هـ ج2، 305.

([2]) الخصائص الزينبية للسيد الجزائري 68، وكتاب رياحين الشريعة للمعلاقي ج3، 57.

([3]) زينب الكبرى من المهد إلى اللحد: 255.

([4]) سورة مريم: الآية 1.

([5]) زينب الكبرى: 18.

([6]) الطراز المذهّب: 83.

([7]) بطلة كربلاء: 21.

([8]) زينب الكبرى: 17.

([9]) المصدر السابق.

([10]) السيدة زينب: 39-40.

([11]) طبعاً هذا المعنى الظاهري لكلمته ، ويوجد لها معاني عميقة أُخرى.

([12]) عقيلة بني هاشم: 31.

([13]) المرأة العظيمة: 89-90.

([14]) المصدر السابق.

([15]) مع بطلة كربلاء لمغنية: 33.

([16]) ذكره الكثير من المؤرخين، وقد ورد ذكره فيمن استشهد مع الحسين(ع) في كربلاء في زيارة الناحية.

([17]) زينب الكبرى: 127.

([18]) المرأة العظيمة: 104، ولم يذكر المحققون شيئاً عن حياته.

([19]) زينب الكبرى: 129.

([20]) ذكره ابن الجوزي في تذكرة الخواص: 110، وغيره.

الثلاثاء, 15 كانون2/يناير 2019 07:15

معركة حطين (3 / جمادى الأولى / السنة 375 هـ )

في يوم الجمعة (26 /حزيران/ 1187م) استعرض الحاكم الأيوبي صلاح الدين عساكره بحوران، فتولى هو قيادة قلب الجيش، وجعل ابن أخيه على الجناح الأيمن، وقائداً آخر على الجناح الأيسر، وخرج الجيش إلى جنوب بحيرة طبرية حتى عبر نهر الأردن. أما الملك الصليبي غاي، فإنه قد حشد كل ما بوسعه أن يحشد من الفرسان في عكا، فلم يتركوا سوى حاميات صغيرة للدفاع عن القلاع الموكول أمرها إليهم، وأصدر الأوامر بالتحرك إلى طبرية، لكن صلاح الدين سبقهم وعسكر بجيشه جنوب حطين بحيث جعل البحيرة إلى ظهره، وقرية حطين إلى يمينه، وبعد الظهر وصل الفرنج إلى الهضبة التي تقع حطين خلفها مباشرة فوجدوا المسلمين أمامهم، في أسفل السفح قد سدوا عليهم الطريق، وحالوا بينهم وبين الوصول إلى البحيرة، وتحت جنح الليل حرك صلاح الدين جيشه وعبأه للقتال، ومدّ جناحيه يميناً ويساراً بحيث طوّق الجيش الصليبي كله، وما كاد يبزغ فجر السبت الرابع من تموز حتى اكتشف الصليبيون أن المسلمين قد سدّوا عليهم المنافذ، وأحاطوا بهم من ثلاث جوانب، ومع بدء إرسال الشمس أشعّتها الذهبية بدأ المسلمون الهجوم، فتقدمت فرقة الرماة، وأمطرت العدو وابلاً من سهامها، ثم تقدم القلب والجناحان بخيلهم ورجالهم، فاشتبكوا مع العدو بالسيوف والرماح، وأدرك الصليبيون أن الكارثة باتت وشيكة فانسحبوا إلى تل حطين يساراً ثم شنّوا هجوماً صاعقاً مستميتاً على ميمنة الجيش الإسلامي، فأفسح لهم المسلمون المجال حتى يمروا، ثم سدّوا عليهم الثغرة فلم يستطيعوا العودة، ولم تمض ساعات قليلة حتى ردوا جميعاً إلى التل، وهناك أعمل المسلمون في رقابهم السيف، وأبيد الجيش الإفرنجي، وكان أكبر جيش استطاع الإفرنج حشده لمعركة، وقتل ما يزيد على العشرين ألفاً منهم، وزاد عدد الأسرى على الإثني عشر ألفاً.

وتعتبر معركة حطين أول معركة جديدة قابل بها الشرق المسلم أعداءه الصليبيين، وهي نقطة انعطاف ما بين مرحلتين كان المسلمون في أولاهما مدافعين فأصبحوا في الثانية مهاجمين، وقد قضت نهائياً على أسطورة الفارس الصليبي الذي لا يقهر.

الثلاثاء, 15 كانون2/يناير 2019 07:13

واقعة مؤتة (1/ جمادى الأولى/ السنة 8 هـ)

تمهيد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شمس الهداية نبينا محمد(ص)، وعلى الأقمار المضيئة الأئمة الطاهرين عليهم السلام.

مع إطلالة شهر جمادى الأولى تطلّ علينا أحداث ومناسبات مفرحة ومحزنة مهمة في الإسلام.

ففي اليوم الخامس منه للسنة الخامسة للهجرة يوم ولادة أسوة الصبر والجهاد وبطلة الطف والفداء السيدة زينب الكبرى عليها السلام ، فينبغي الاهتمام بهذه الذكرى العطرة من إقامة الاحتفالات ومجالس الفرح.

ومن الحوادث المهمّة التي جرت في هذا الشهر أيضاً واقعة مؤتة وشهادة جعفر الطيار، ومعركة حطين والجمل، وغيرها من المناسبات..

وفي اليوم الثالث عشر من هذا الشهر ذكرى وفاة الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام على إحدى الروايات المشهورة، فينبغي على الإنسان المسلم المؤمن أن يهتم بهذا اليوم فيحضر المجالس التي تقام بهذه المناسبة لكي يتعرف على هذه الشخصية العظيمة ويشارك النبي(ص)،  وأهل البيت عليهم السلام في هذا المصاب الجلل، وهو أكبر مصيبة وأكثر حزن بعد فقد النبي(ص)، .

ونحن إذ نقدّم هذه الباقة من سلسلة المناسبات الإسلامية للقرّاء الأعزّاء نرجو من العلي القدير أن تكون هذه البحوث قد كشفت جزءاً من تراثنا الإسلامي القيّم، وذلك من أجل التعرّف على بعض من هذا التراث العظيم، والله الموفّق والمسدّد، وهو من وراء القصد.

وقعت هذه الواقعة عام (8 هـ)، ومؤتة قرية من قرى البلقاء في الكرك، من بلاد الأردن، وسببها؛ أن رسول الله(ص)،  بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتاب إلى حاكم بصرى، وهي قصبة من أعمال الشام، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغسّاني وهو من كبار بلاط قيصر فقتله، وبلغ ذلك رسول الله(ص)،  فاشتد عليه، وندب الناس فأسرعوا وخرجوا فعسكروا بالجرف، فأتى(ص)،  الجرف وعرض الجيش، وكان يعدّ ثلاثة آلاف مقاتل ثم عقد لهم راية بيضاء، وأسند الإمارة إلى جعفر بن أبي طالب، ثم قال (ص)، : Sفإن أصيب جعفر فزيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب عبد الله فليرتض المسلمون بينهم رجلاً فليجعلوه عليهمR.

وكان بعض اليهود حاضراً فقال: يا أبا القاسم، إن كنت نبياً فسيصاب من سمّيت قليلاً كانوا أو كثيراً، إن الأنبياء في بني إسرائيل كانوا لو سمّوا مئة أُصيبوا جميعاً.

ثم أوصاهم رسول الله(ص)،  إذا بلغوا حيث قتل الحارث أن يدعوا الكفار إلى الإسلام فإن أبوا فليحاربوهم، ومضى المسلمون حتى قاربوا مؤتة، فلما بلغ شرحبيل مقدمهم استنجد بالقيصر فأمدّه بجيش قوامه مئة ألف أو أكثر.

كان المسلمون طلاّب شهادة، فلم يسترهبوا كثرة الأعداء ولم يهنوا ويضعفوا لكثرة جموعهم، واصطفّ الجيشان، ونادى جعفر في الناس: أن ترجّلوا عن رواحلكم، وقاتلوا رجالا.ً وكان هذا التدبير ليشعر المسلمين أنهم لا يستطيعون الفرار، وأن عليهم أن يقاتلوا بصدق، ثم نزل عن فرس له شقراء فعقرها، ثم رفع الراية وتقدّم، واحتدمت المعركة وأقدم جعفر على القتال، وقد أنشد يقول:

يا حبّذا الجنة واقترابها
والروم روم قد دنا عذابها

 

طيبة وبـارد شـرابها
كافرة بعيدة أنسابها

عليّ إذا لاقيتها ضرابها

فقاتل قتالاً شديداً والكفار يتعاقبون كالموج فوجاً إثر فوج، وأحاطوا بجعفر كالحلقة، ثم أهووا عليه بالسيوف فقطّعوا يمناه، فأخذ الراية بيسراه فقاتل حتى أصيب مقبلاً بخمسين جراحة، ثم قطعوا يسراه فأخذ الراية بين عضديه، فضربوه في وسطه فوقع شهيداً.

ثم أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل حتى شاط في رماح القوم فقاتل قتالاً عظيماً حتى قتل فأخذ الراية عبد الله بن رواحة فتردد بعض التردّد ثم قال يخاطب نفسه:

أقسمت يا نفس لتنزلنّه

 

طائعة أو لا لتُكرهنه

إن أجاب الناس وشدّوا الرنة

 

مالي أراك تكرهين الجنة

قد طال ما كنت مطمئنة

 

هل أنت إلا نطفة في شنة

وقال أيضاً:

يا نفس إن لم تقتلي تموتي

 

هذا حمام الموت قد صليت

وما تمنيت فقد أعطيت

 

إن تفعلي فعلهما هديت

وإن تأخرت فقد شقيت

ثم نزل عن فرسه وأتاه ابن عم له بعرق لحم فأكل منه، ثم سمع الحطمة في ناحية العسكر، فقال لنفسه: وأنت في الدنيا ثم ألقاه وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ورجع بالناس. قالت أسماء بنت عميس زوجة جعفر(ع): أتاني رسول الله(ص)،  في اليوم الذي أصيب فيه جعفر وقد فرغت من أشغالي وغسلت أولاد جعفر، ودهنتهم فضمهم وشمهم، وجعل يمسح على رؤوسهم وذرفت عيناه بالدموع فبكى. فقلت: يا رسول الله(ص)،  بلغك عن جعفر شيء؟ قال: نعم قتل اليوم. فصحت، واجتمع إليَّ النساء، فقال: ألا أبشرك؟ قلت: بلى بأبي أنت وأمي. قال: إنّ الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة.

يطفو حزب "العدالة والتنمية"، قائد الائتلاف الحاكم في المغرب، دائما على سطح المشهد السياسي في المملكة، عبر "ضربات" يتلقاها عدد من رموز وقيادات الحزب الإسلامي.

ثمة ترجيحات بأن استهداف رموز وقيادات في الحزب يهدف إلى إضعافه، في انتظار الإعلان عن دخوله خانة الأحزاب العادية، في الانتخابات التشريعية والبلدية المرتقبة عام 2021.

يذهب مراقبون إلى أن مثل هذه الضربات ربما تدفع الحزب بالفعل إلى خارج مضمار النجاحات الانتخابية، الذي يتسيده منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2011، في سياق ثورات "الربيع العربي".

لكن آخرون يرون أن تلك الضربات ستشكل ما يشبه "أرنب سباق" لفوز ثالث على التوالي للحزب في الانتخابات التشريعية، رغم محاولات وضع العصي في عجلته .

** في مرمى النيران

خلال الأيام القليلة الماضية، نشرت مواقع إعلامية وصحف مغربية صورة تقول إنها للقيادية في "العدالة والتنمية"، آمنة ماء العينين، في العاصمة الفرنسية باريس، وهي من دون حجاب وترقص.

آمنة، وهي أيضا عضو في البرلمان، قالت إن الصورة "مفبركة".

اندلع جدل على منصات التواصل الاجتماعية وفي وسائل الإعلام المحلية بين معارض لنشر صورة شخصية للبرلمانية وبين منتقد لسلوكها المزعوم.

الجدل الجديد القديم جاء بعد أقل من شهر من إعادة فتح ملف قضائي من طرف محكمة مغربية تتهم عبد العالي حامي الدين، القيادي في الحزب، بـ"المساهمة في القتل العمد".

وجاءت إعادة فتح الملف رغم حصول حامي الدين على البراءة قبل 25 سنة، على خلفية مقتل طالب جامعي يساري، عام 1993.

وقبل هذين الحدثين، تم تسريب صور للقيادي في "العدالة والتنمية"، محمد يتيم، وزير التشغيل، مع خطيبته في باريس.

** تماسك "العدالة والتنمية"

قال بلال التليدي، محلل سياسي مغربي، للأناضول، إن "تماسك العدالة والتنمية بعد محطات سياسية عديدة أثار حفيظة المشروع السلطوي في البلاد (لم يسمه)، خصوصا بعد اتهامات تم توجيهها للحزب من طرف وزير الرياضة والشباب، رشيد الطالبي العلمي، أو بعد فتح ملف قديم لحامي الدين سبق للقضاء أن أغلقه بالبراءة".

وانتقد سليمان العمراني، النائب الأول للأمين العام لـ"العدالة والتنمية"، في سبتمبر/ أيلول 2018، حديث الوزير العلمي (من حزب التجمع الوطني للأحرار المشارك في الائتلاف الحكومي) وصف فيه مشروع "العدالة والتنمية" بـ"الدخيل"، وزعم أن الحزب "يريد تخريب البلاد ليسهل عليه وضع يده عليها".

وأضاف التليدي للأناضول أن "المشروع السلطوي يرى أن العدالة والتنمية لم ينته، وله احتياطي رمزي مهم، خصوصا زعيمه السابق (الأمين العام السابق للحزب) عبد الإله بنكيران".

واعتبر أن "الضربات التي تستهدف العدالة والتنمية تتسم ببعدين: أخلاقي وسياسي".

بخصوص البعد الأخلاقي، أوضح التليدي أن "بعض الجهات (لم يسمها) تبحث عن أخطاء أو تفبرك أحداث أو تبحث عن سجلات سابقة لتشويه رموز العدالة والتنمية، فهناك رغبة للانتقام من الحزب، لإضعاف شعبيته".

وفيما يتعلق بالبعد السياسي، أضاف أنه "يوجد توجه للانتقام السياسي من قياديين بالحزب، وهي معركة ليست جديدة، إذ سبق وأن تم استهداف قياديين في فترات متقطعة، إلا أن ذلك لم يأت أكله".

وأردف أن "من يراهنون على ضرب العدالة والتنمية يفتحون معارك سياسية أخرى مع تيارات أخرى غير إسلامية، خاصة وأن الأمر يتعلق باستهداف الحرية الشخصية".

وتابع: "لذلك نجد أن أغلبية المدافعين عن بعض القياديين المستهدفين في العدالة والتنمية، هم ليسوا من الإسلاميين، بل يسارييين أو حقوقيين لهم توجهات أخرى".

وبحسب التليدي فإن "مستقبل الحريات في المغرب أصبح مهددا، والأفراد، بمن فيهم اليساريون أو تيارات أخرى، ليسوا في مأمن من هذه الحملات".

** تشويه السمعة

وقالت لطيفة البوحسيني، وهي ناشطة حقوقية مغربية، إن "ما تتعرض له البرلمانية آمنة ماء العينين من محاولة بئيسة ومنحظة لتشويه سمعتها، هو بسبب جرأتها في التعبير عن مواقفها واطلاعها بمهامها الحزبية والسياسية".

وأضافت في صفحتها بموقع "فيسبوك" أن "ما تتعرض له يعد أحد عناوين البؤس والانحطاط الذي تعيشه بلادنا، والذي يتطلب يقظة وصحوة كل الأصوات الحرة كيفما كان انتماؤها".

بينما قال لحبيب حاجي، وهو محام، على "فيسبوك": "أطالب بإلحاح من البرلمانية ماء العينين أن تلتمس من القضاء إجراء خبرة تقنية (فحص) على صورها المنشورة، والتي تزعم أنها مفبركة، كما أطالبها باختيار المختبر أو الجهة التقنية التي تراها مناسبة للقيام بهذه الخبرة، إن كانت صادقة فعلا فيما تزعمه وتدعيه".

** تأثير معاكس

بحسب التليدي فإن "الضربات التي يتلقاها حزب العدالة والتنمية لن تضر مشروعه السياسي".

واستدرك: "ممكن لبعض الحملات أن تكون لها انعكاسات سلبية على بعض القياديين، خصوصا إذا كانت الأحداث صحيحة، ولكن في العموم لن تضر مشروع العدالة والتنمية السياسي، بل بالعكس ستقوية".

وأعلن فريق "العدالة والتنمية" في مجلس النواب (الغرفة الأولى بالبرلمان) تضامنه مع البرلمانية ماء العينين، ومؤازرتها في "كل الخطوات القضائية التي تنوي اتخاذها في مواجهة العنف الذي يطالها، عبر بث وتوزيع ادعاءات كاذبة بقصد المس بحياتها الخاصة والتشهير بها".

وقال الفريق النيابي، في بيان، إنه يُتابع "بامتعاض وأسف شديدين، الحملة الإعلامية غير الأخلاقية والمشبوهة والمسعورة، التي تشنها أطراف فاقدة للمصداقية، ضد ماء العينين".

وشدد على أن "هذه الأطراف تنتمي ظلما لمهن نبيلة، كالمحاماة والإعلام، والتي يقتضي شرف الانتماء إليها تحري المهنية والموضوعية والمصداقية وتوقير الأعراض والترفع عن الأحقاد".

الأحد, 13 كانون2/يناير 2019 04:55

ولادة السیدة زینب سلام الله علیها

وما من صفهٍ کریمهٍ أو نزعهٍ شریفهٍ یفتخر بها الإنسان، ویسمو بها على غیره من الکائنات الحیه إلاّ وهی من عناصر عقیله بنی هاشم، وسیده النساء زینب علیها السّلام، فقد تحلّت بجمیع الفضائل التی وهبها الله تعالى لجدّها الرسول الأعظم صلّى الله علیه وآله، وأبیها الإمام أمیر المؤمنین علیه السّلام، واُمّها سیده نساء العالمین علیها السّلام، وأخویها الحسن والحسین سیدی شباب أهل الجنه وریحانتی رسول الله صلّى الله علیه وآله، فقد ورثت خصائصهم، وحکت ممیزاتهم، وشابهتهم فی سموّ ذاتهم ومکارم أخلاقهم.

لقد کانت حفیده الرسول بحکم مواریثها وخصائصها أعظم وأجلّ سیده فی دنیا الإسلام، فقد أقامت صروح العدل، وشیّدت معالم الحق، وأبرزت قیم الإسلام ومبادئه على حقیقتها النازله من ربّ العالمین، فقد جاهدت هی واُمّها زهراء الرسول کأعظم ما یکون الجهاد، ووقفتا بصلابه لا یعرف لها مثیل أمام التیارات الحزبیه التی حاولت بجمیع ما تملک من وسائل القوه أن تلقی الستار على قاده الاُمّه وهداتها الواقعیین، الذین أقامهم الرسول صلّى الله علیه وآله أعلاماً لاُمّته، وخزنه لحکمته وعلومه، فقد أظهرت زهراء الرسول بقوه وصلابه عن حقّ سیّد العتره الإمام أمیر المؤمنین، رائد العداله الاجتماعیه فی الإسلام، فناهضت حکومه أبی بکر فی خطابها التأریخی الخالد، وسائر مواقفها المشرّفه التی وضعت فیها الأساس المشرق لمبادئ شیعه أهل البیت، فهی المؤسِّسه الاُولى بعد أبیها صلّى الله علیه وآله لمذهب أهل البیتعلیهم السّلام، وکذلک وقفت ابنتها العقلیه أمام الحکم الاُموی الأسود الذی استهدف قلع الإسلام من جذوره ومحو سطوره، وإقصاء أهل البیتعلیهم السّلام عن واقعهم الاجتماعی والسیاسی، وإبعادهم عن المجتمع الإسلامی، فوقفت حفیده الرسول صلّى الله علیه وآله مع أخیها أبی الأحرار فی خندق واحد، فحطّم أخوها بشهادته وهی بخطبها فی أروقه بلاط الحکم الاُموی، ذلک الکابوس المظلم الذی کان جاثماً على رقاب المسلمین.

وعلى أی حال، فإنا نعرض بصوره موجزه لبعض العناصر النفسیه لحفیده الرسول صلّى الله علیه وآله، وما تتمتّع به من القابلیات الفذه، التی جعلتها فی طلیعه نساء المسلمین، وفیما یلی ذلک:

الإیمان الوثیق

وتربّت عقیله بنی هاشم فی بیت الدعوه إلى الله تعالى، ذلک البیت الذی کان فیه مهبط الوحی والتنزیل، ومنه انطلقت کلمه التوحید وامتدت أشعتها المشرقه على جمیع شعوب العالم واُمم الأرض، وکان ذلک أهمّ المعطیات لرساله جدّها العظیم.

لقد تغذت حفیده الرسول بجوهر الإیمان وواقع الإسلام، وانطبع حبّ الله تعالى فی عواطفها ومشاعرها حتى صار ذلک من مقوماتها وذاتیاتها، وقد أحاطت بها المحن والخطوب منذ نعومه أظفارها، وتجرّعت أقسى وأمرّ ألوان المصائب، کلّ ذلک من أجل رفع کلمه الله عالیه خفّاقه.

إنّ الإیمان الوثیق بالله تعالى والانقطاع الکامل إلیه کانا من ذاتیات الاُسره النبویه ومن أبرز خصائصهم، ألم یقل سید العتره الطاهره الإمام أمیر المؤمنین فی دعائه:عبدتک لا طمعاً فی جنتک، ولا خوفاً، من نارک، ولکنی وجدتک أهلاً للعباده فعبدتک.

وهو القائل:لو کشف لی الغطاء ما ازددت یقیناً.

أما سیّد شباب أهل الجنه الإمام الحسین علیه السّلام، فقد أخلص لله تعالى کأعظم ما یکون الإخلاص، وذاب فی محبته وقد قدّم نفسه والکواکب المشرقه من أبنائه وأخوته وأبناء عمومته قرابین خالصه لوجه الله، وقد طافت به المصائب والأزمات التی یذوب من هولها الجبال، وامتحن بما لم یمتحن به أحدٌ من أنبیاء الله وأولیائه، کل ذلک فی سبیل الله تعالى، فقد رأى أهل بیته وأصحابه الممجدین صرعى، ونظر إلى حرائر النبوه وعقائل الوحی، وهنّ بحاله تمید من هولها الجبال، وقد أحاطت به أرجاس البشریه وهم یوسعونه ضرباً بالسیوف وطعناً بالرماح، لیتقرّبوا بقتله إلى سیّدهم ابن مرجانه، لقد قال وهو بتلک الحاله کلمته الخالده، قال: لک العتبى یا ربّ إنّ کان یرضیک هذا، فهذا إلى رضاک قلیل، ولمّا ذُبح ولده الرضیع بین یدیه، قال:هوّن ما نزل بی أنّه بعین الله۱٫

أرأیتم هذا الإیمان الذی لا حدود له!

أرأیتم هذا الانقطاع والتبتل إلى الله!

وکانت حفیده الرسول زینب سلام الله علیها کأبیها وأخیها فی عظیم إیمانها وانقطاعها إلى الله، فقد وقفت على جثمان شقیقها الذی مزّقته سیوف الشرک، هو جثه هامده بلا رأس، فرمقت السماء بطرفها، وقالت کلمتها الخالده التی دارت مع الفلک وارتسمت فیه:اللّهمّ تقبّل منّا هذا القربان۲٫

إنّ الإنسانیه تنحنی إجلالاً وخضوعاً أمام هذا الإیمان الذی هو السرّ فی خلودها وخلود أخیها.

لقد تضرعت بطله الإسلام بخشوع إلى الله تعالى أن یتقبّل ذلک القربان العظیم الذی هو ریحانه رسول الله صلّى الله علیه وآله.

فأیّ إیمان یماثل هذا الإیمان؟!

وأیّ تبتّل إلى الله تعالى یضارع هذا التبتّل؟!

لقد أظهرت حفیده الرسول بهذه الکلمات الخالده معانی الوراثه النبویه، وأظهرت الواقع الإسلامی وأنارت السبیل أمام کلّ مصلح اجتماعی، وأنّ کلّ تضحیه تُؤدّى للاُمّه یجب أن تکون خالصه لوجه الله غیر مشفوعه بأیّ غرض من أغراض الدنیا.

ومن عظیم إیمانها الذی یبهر العقول، ویحیّر الألباب أنّها أدّت صلاه الشکر إلى الله تعالى لیله الحادی عشر من المحرّم على ما وفّق أخاها ووفّقها لخدمه الإسلام ورفع کلمه الله.

لقد أدّت الشکر فی أقسى لیله وأفجعها، والتی لم تمرّ مثلها على أیّ أحدٍ من بنی الإنسان، فقد أحاطت بها المآسی التی تذوب من هولها الجبال، فالجثث الزواکی من أبناء الرسول وأصحابهم أمامها لا مغسّلین ولا مکفّنین، وخیام العلویات قد أحرقها الطغاه اللئام، وسلبوا ما على بنات رسول الله صلّى الله علیه وآله من حُلی وما عندهنّ من أمتعه وهن یعجن بالبکاء لا یعرفن ماذا یجری علیهن من الأسر والذلّ إلى غیر ذلک من المآسی التی أحاطت بحفیده الرسول صلّى الله علیه وآله وهی تؤدی صلاه الشکر لله على هذه النعمه التی أضفاها علیها وعلى أخیها.

تدول الدول وتفنى الحضارات وهذا الإیمان العلوی أحقّ بالبقاء، وأجدر بالخلود من هذا الکوکب الذی نعیش فیه.

الصبر

من النزعات الفذه التی تسلّحت بها مفخره الإسلام وسیّده النساء زینب علیها السّلام هی الصبر على نوائب الدنیا وفجائع الأیام، فقد تواکبت علیها الکوارث منذ فجر الصبا، فرزئت بجدّها الرسول صلّى الله علیه وآله الذی کان یحدب علیها، ویفیض علیها بحنانه وعطفه، وشاهدت الأحداث الرهیبه المروعه التی دهمت أباها وأمّها بعد وفاه جدّها، فقد اُقصی أبوها عن مرکزه الذی أقامه فیه النبی صلّى الله علیه وآله، وأجمع القوم على هضم اُمّها حتى توفیت وهی فی روعه الشباب وغضاره العمر، وقد کوت هذه الخطوب قلب العقیله إلّا أنّها خلدت إلى الصبر، وتوالت بعد ذلک علیها المصائب، فقد رأت شقیقها الإمام الحسن الزکیعلیه السّلام قد غدر به أهل الکوفه، حتى أضطر إلى الصلح مع معاویه الذی هو خصم أبیها وعدوّه الألد، ولم تمض سنین یسیره حتى اغتاله بالسمّ وشاهدته وهو یتقیأ دماً من شده السمّ حتى لفظ أنفاسه الأخیره.

وکان من أقسى ما تجرعتّه من المحن والمصائب یوم الطف، فقد رأت شقیقها الإمام الحسین علیه السّلام قد استسلم للموت لا ناصر له ولا معین، وشاهدت الکواکب المشرقه من شباب العلویین صرعى قد حصدتهم سیوف الاُمویین، وشاهدت الأطفال الرضع یذبحون أمامها.

إن أی واحده من رزایا سیده النساء زینب لو ابتلی بها أیّ إنسان مهما تذرّع بالصبر وقوه النفس لأوهنت قواه، واستسلم للضعف النفسی، وما تمکن على مقاومه الأحداث، ولکنّها سلام الله علیها قد صمدت أمام ذلک البلاء العارم، وقاومت الأحداث بنفس آمنه مطمئنه راضیه بقضاء الله تعالى وصابره على بلائه، فکانت من أبرز المعنیین بقوله تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِینَ الَّذِینَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِیبَهٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَیْهِ رَاجِعون﴾َ ۳، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا یُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَیْرِ حِسَاب﴾ٍ ۴، وقال تعالى: ﴿ وَلَنَجْزِیَنَّ الَّذِینَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا کَانُواْ یَعْمَلُون﴾َ ۵، لقد صبرت حفیده الرسول صلّى الله علیه وآله وأظهرت التجلّد وقوه النفس أمام أعداء الله، وقاومتهم بصلابه وشموخ، فلم یشاهد فی جمیع فترات التأریخ سیده مثلها فی قوه عزیمتها وصمودها أمام الکوارث والخطوب.

العزه والکرامه

من أبرز الصفات النفسیه الماثله فی شخصیه سیده النساء زینب علیها السّلام هی: العزه والکرامه، فقد کانت من سیّدات نساء الدنیا فی هذه الظاهره الفذه، فقد حُملت بعد مقتل أخیها من کربلاء إلى الکوفه سبیه ومعها بنات رسول الله صلّى الله علیه وآله قد نُهب جمیع ما علیهنّ من حُلی وما عندهنّ من أمتعه، وقد أضرّ الجوع بأطفال أهل البیت وعقائلهم، فترفعت العقیله أن تطلب من أولئک الممسوخین – من شرطه ابن مرجانه- شیئاً من الطعام لهم، ولمّا انتهى موکب السبایا إلى الکوفه، وعلمن النساء أنّ السبایا من أهل بیت النبوه سارعن إلى تقدیم الطعام إلى الأطفال الذین ذوت أجسامهم من الجوع، فانبرت السیّده زینب مخاطبه نساء أهل الکوفه قائله:الصدقه محرّمه علینا أهل البیت….

ولما سمع أطفال أهل البیت من عمّتهم ذلک ألقوا ما فی أیدیهم وأفواههم من الطعام، وأخذ بعضهم یقول لبعض: إن عمتّنا تقول: الصدقه حرام علینا أهل البیت.

أیّ تربیه فذّه تربّى علیها أطفال أهل البیت إنّها تربیه الأنبیاء والصدّیقین التی تسمو بالإنسان فترفعه إلى مستوى رفیع یکون من أفضل خلق الله.

ولمّا سُیِّرت سبایا أهل البیت من الکوفه إلى الشام لم تطلب السیّده زینب طیله الطریق أیّ شیء من الإسعافات إلى الأطفال والنساء مع شدّه الحاجه إلیها، فقد أنفت أن تطلب أیّ مساعده من أولئک الجفاه الأنذال الذین رافقوا الموکب.

لقد ورثت عقیله بنی هاشم من جدّها وأبیها العزّه والکرامه والشرف والإباء، فلم تخضع لأی أحدٍ مهما قست الأیام وتلبدت الظروف، إنها لم تخضع إلاّ إلى الله تعالى.

الشجاعه

ولم یشاهد الناس فی جمیع مراحل التأریخ أشجع ولا أربط جأشاً ولا أقوى جناناً من الاُسره النبویه الکریمه، فالإمام أمیر المؤمنین سلام الله علیه عمید العتره الطاهره کان من أشجع خلق الله، وهو القائل:لو تضافرت العرب على قتالی لما ولیت عنها، وقد خاض أعنف المعارک وأشدّها قسوه، فجندل الأبطال، وألحق بجیوش الشرک أفدح الخسائر، وقد قام الإسلام عبل الذراع مفتول الساعد بجهاده وجهوده، فهو معجزه الإسلام الکبرى، وکان ولده أبو الأحرار الإمام الحسینعلیه السّلام مضرب المثل فی بسالته وشجاعته، فقد حیّر الألباب وأذهل العقول بشجاعته وصلابته وقوه بأسه، فقد وقف یوم العاشر من المحرم موقفاً لم یقفه أی أحدٍ من أبطال العالم، فإنه لم ینهار أمام تلک النکبات المذهله التی تعصف بالحلم والصبر، فکان یزداد انطلاقا وبشراً کلما ازداد الموقف بلاءً ومحنهً، فإنه بعدما صُرعَ أصحابه وأهل بیته زحف علیه الجیش بأسره – وکان عدده فیما یقول الرواه ثلاثین ألفاً- فحمل علیهم وحده وقد طارت أفئدتهم من الخوف والرعب، فانهزموا أمامه کالمعزى إذا شدّ علیها الذئب – على حد تعبیر بعض الرواه- وبقی صامداً کالجبل یتلقى الطعنات والسهام من کل جانب، لم یوهن له رکن، ولم تضعف له عزیمه.

وتمثلت هذه البطوله العلویه بجمیع صورها وألوانها عند حفیده الرسول وعقیله بنی هاشم السیّده زینب سلام الله علیها، فإنّها لمّا مثلت أمام الإرهابی المجرم سلیل الأدعیاء ابن مرجانه احتقرته واستهانت به، فاندفع الأثیم یظهر الشماته بلسانه الألکن قائلاً:الحمد لله الذی فضحکم، وقتلکم، وکذّب اُحدوثتکم…

فانبرت حفیده الرسول بشجاعه وصلابه قائله: الْحَمْدُ للهِ الَّذِی أَکْرَمَنَا بِنَبِیِّهِ، وَطَهَّرَنَا مِنَ الرِّجْسِ تَطْهِیراً، إِنَّمَا یَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ وَیَکْذِبُ الْفَاجِرُ، وَهُوَ غَیْرُنا، وَهُوَ غَیرنَا یَا بْنَ مَرْجَانَه..۶٫

لقد قالت هذا القول الصارم الذی هو أمض من السلاح، وهی والمخدرات من آل محمّد فی قید الأسر، وقد رفعت فوق رؤوسهن رؤوس حماتهن، وشهرت علیهن سیوف الملحدین.

لقد أنزلت العقیله – بهذه الکلمات- الطاغیه من عرشه إلى قبره، وعرّفته أمام خدمه وعبیده أنّه المفتضح والمنهزم، وأنّ أخاها هو المنتصر، ولم یجد ابن مرجانه کلاماً یقوله سوى التشفّی بقتل عتره رسول الله صلّى الله علیه وآله، قائلاً: کیف رأیت صنع الله بأخیک..؟۷٫

وانطلقت عقیله بن هاشم ببساله وصمود، فأجابت بکلمات الظفر والنصر لها ولأخیها قائله: ما رَأَیْتُ إِلاّ جَمیلاً، هؤُلاءَ قَوْمُ کَتَبَ اللهُ عَلَیْهِمُ الْقَتَلَ، فَبَرَزُوا إِلى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَیَجْمَعُ اللهُ بَیْنکَ وَبَیْنَهُمْ، فَتَحَاحُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلجُ یَوْمَئِذٍ، ثَکَلَتْکَ اُمُّکَ یَا بْنَ مَرْجَانَهَ…

أرأیتم هذا التبکیت الموجع؟ أرأیتم هذه الشجاعه العلویه؟ فقد سجلت حفیده الرسول صلّى الله علیه وآله وسلم بموقفها وکلماتها فخراً للإسلام وعزاً للمسلمین ومجداً خالداً للاُسره النبویه.

أما موقفها فی بلاط یزید، وموقفها مع الشامی وخطابها الثوری الخالد فقد هزّ العرش الاُموی، وکشف الواقع الجاهلی لیزید ومن مکّنه من رقاب المسلمین، وسنعرض لخطابها وسائر مواقفها المشرّفه فی البحوث الآتیه.

الزهد فی الدنیا

ومن عناصر سیده النساء زینب علیها السّلام: الزهد فی الدنیا، قد بذلت جمیع زینتها ومباهجها مقتدیه بأبیها الذی طلّق الدنیا ثلاثاً لا رجعه له فیها، ومقتدیه باُمّها سیّده نساء العالمین زهراء الرسول، فقد کانت فیما رواه المؤرّخون لا تملک فی دارها سوى حصیر من سعف النخل وجلد شاه، وکانت تلبس الکساء من صوف الإبل، وتطحن بیدها الشعیر، إلى غیر ذلک من صنوف الزهد والإعراض عن الدنیا، وقد تأثرت عقیله الرسول صلّى الله علیه وآله بهذه الروح الکریمه فزهدت فی جمیع مظاهر الدنیا، وکان من زهدها أنّها ما ادّخرت شیئاً من یومها لغدها حسب ما رواه عنها الإمام زین العابدین علیه السّلام۸٫ وقد طلقت الدنیا وزهدت فیها وذلک بمصاحبتها لأخیها أبی الأحرار، فقد علمت أنه سیستشهد فی کربلاء أخبرها بذلک أبوها، فصحبته وترکت زوجها الذی کان یرفل بیته بالنعیم ومتع الحیاه، رفضت ذلک کلّه وآثرت القیام مع أخیها لنصره الإسلام والذبّ عن مبادئه وقیمه، وهی على علم بما تشاهده من مصرع أخیها، وما یجری علیها بالذات من الأسر والذل، لقد قدّمت على ذلک خدمه لدین الله تعالى.

كشفت صحيفة "التلغراف"البريطانية أن السعودية تعتزم إعادة علاقاتها مع سوريا وافتتاح سفارتها في العاصمة دمشق خلال العام الجاري، بعد سنوات على انقطاع العلاقات الدبلوماسية منذ الأزمة السورية عام 2011.

وأضافت الصحيفة، أن هذه الخطوة من السعودية، وهي أقوى دولة في المنطقة كانت تعارض الرئيس السوري بشار الأسد، باتت اعترافاً رسمياً بالأسد كرئيس شرعي لسوريا بعد 8 سنوات على معارضته.

و نقلت الصحيفة عن أحد الدبلوماسيين البريطانيين، قوله مع ابتسامة مرتبكة إن المحطة التالية في خدمته الدبلوماسية قد تكون دمشق، إذ "بلا أدنى شك، بعد سنة أو سنتين، سنعيد فتح سفارتنا هناك ".

وكانت العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين السعودية وسوريا بدأت بالتراجع منذ اندلاع الازمة في سوريا عام 2011 وانقطعت العلاقات بعد أن أغلقت السعودية سفارتها في دمشق، وإعلان السفير السوري في السعودية غير مرحب به مع حلول عام 2012.

وتشهد سوريا هذه الأيام عودة دفء العلاقات العربية السورية، بدأت بزيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق ولقائه بالرئيس بشار الأسد، إلى جانب إعلان كلٍّ من الإمارات والبحرين عن عودة افتتاح سفارتي البلدين في سوريا بعد انقطاع دام سنوات.

فيما نقلت صحيفة قبس الكويتية، أن عودة سفارة الكويت إلى دمشق مرهونة بقرارات الجامعة العربية، مشيرة أن السفارة السورية في الكويت تعمل بشكل طبيعي، ومؤكدة في الوقت نفسه أن السفارة الكويتية ستعود إلى دمشق قريباً بحسب مصدر سوري صرّح للصحيفة.

منذ نحو أسبوعين اتجهت أطراف السلطة التونسية إلى مساعٍ للتهدئة بعد أشهر من التوتر؛ لا سيما بين الرئاسة ورئاسة الحكومة.

وفي 28 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، دعا الرئيس الباجي قايد السبسي، كل من رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان) محمد الناصر، ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، والأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابيّة) نور الدّين الطبوبي، ورئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة الأعراف) سمير ماجول إلى اجتماع للتباحث حول الوضع العام.

وحضر الاجتماع من الأحزاب، "حركة النّهضة" (68 نائبًا من أصل 217)، وكتلة "الائتلاف الوطني" (44 مقعدًا)، و"مشروع تونس" (15 مقعدًا).

وحث السبسي على "ضرورة مواصلة الحوار بين كل الأطراف على قاعدة تغليب المصلحة الوطنيّة، والترفّع عن الحسابات السياسيّة الضيقة، وإيجاد حلول جذريّة كفيلة بتفكيك عناصر الأزمة الراهنة".

إحساس الجميع بالخطر

واعتبر المحلل السياسي، الحبيب بوعجيلة، أن هذا التحوّل في المشهد السياسي يعزى إلى "حالة الضعف التي لا تسمح لأي طرف بحسم الأمور لصالحه في الوقت الراهن".

وقال "بوعجيلة" في تصريحات للأناضول: "هناك إدراك من طرف القوى المختلفة والمتصارعة بأن نوازع الضعف التي تحكمها لا تسمح لها بمواصلة معركة كسر العظم المتبادلة".

وأشار إلى أن أوضاع البلاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وارتفاع موجة الاحتجاجات، اقتضت من رأسي السلطة في القصبة (قصر الحكومة)، وقرطاج (قصر الرئاسة) الجلوس على طاولة الحوار.

ما ذهب إليه "بوعجيلة" من إحساس الجميع بالخطر، اتفق معه أستاذ التاريخ المعاصر بالجامعة التونسية، عبد اللطيف الحناشي، وقال: "هناك تصور من قبل رأسي الدولة (السبسي والشاهد) أولًا، والمجتمعين ثانيًا أن الفترة التي تمرّ بها تونس صعبة جدًا من الناحية الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية".

وأضاف الحناشي في تصريحات للأناضول: "هناك أزمة سياسية وحزبية خانقة خاصة بالنسبة للنداء (حزب نداء تونس)، وسيادة مناخ من عدم الثقة بين الأحزاب والشخصيات الفاعلة".

وحذر الحناشي، من أن الأزمة الاقتصادية مهولة والاحتجاجات تتصاعد مع تدهور الدينار، وتفاقم الدين الخارجي والعجز.

وتراجع سعر الدينار التونسي من 1.26 دينار أمام الدولار الأمريكي و1.81 دينار مقابل اليورو في بداية عام 2011، إلى 3.02 دينار أمام الدولار، و3.43 دينار مقابل اليورو، حسب إحصائيات نشرها البنك المركزي التونسي الأسبوع الماضي.

وأشار الحناشي إلى أن الاجتماع الذي دعا له السبسي، "هو للاستعداد للفترة القادمة وكل الأطراف واعية بخطورة الوضع وبضرورة أن تُجرى الانتخابات، وواعية أيضًا بأن هناك أطراف (لم يسمها) لا تريد إجراءها".

وأضاف: "رئاسة الدولة الآن مساندة لإجراء الانتخابات في وقتها (مقررة للخريف المقبل) ومن خلال دعوته لهذا الاجتماع بيّن السبسي أنه رجل دولة بامتياز".

أما نور الدين العرباوي، رئيس المكتب السياسي لحركة "النهضة"، فاعتبر أن اجتماع السبسي بمختلف الفاعلين هدفه كان واضحًا، وهو إيجاد حلّ لمشكلة الإضراب العام في الوظيفة العمومية وخفض التوتر، فالوضع لا يحتمل الإضراب العام.

ومنذ 17 ديسمبر/كانون الأول الماضي، قرر الاتحاد العام التونسي للشغل القيام بإضراب عام، للمطالبة بالزيادة في الأجور، وتجري قيادته اجتماعات ماراثونية منذ مدة لإنجاحه رغم تواتر بعض الأخبار غير الرسمية عن إمكانية الوصول إلى حل قبل الموعد المحدد.

وأضاف العرباوي في تصريحات للأناضول، أن الاجتماع تمّ لمهمة عاجلة فالمطلوب عدم تنفيذ الإضراب العام ليوم 17 يناير/كانون الثاني، وإيجاد حل تفاوضي بين الحكومة والاتحاد.

الرئيس "رجل الدولة الجامع" وليس "قائد" الاحتجاجات

وبرز السبسي من خلال اجتماع، الجمعة، 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي في قصر قرطاج بالأطراف السياسية المساندة للحكومة وبممثلي الأطراف الاجتماعية كقائد جامع يتعالى عن الصراعات "الصغيرة".

وفي هذا الصدد، قال "بوعجيلة": "السبسي لا يريد أن يظهر كطرف يقود عملية التصعيد والاحتجاج ومواجهة الحكومة وضرب الاستقرار ومسار الانتقال الديمقراطي".

وأظهرت وسائل التواصل الاجتماعي صورة لاجتماع أحد قادة "السترات الحمراء"، بمسؤول بارز في "نداء تونس"، وذهبت تحليلات في تونس إلى أن الحركة الاحتجاجية مرتبطة بحزب "نداء تونس" والرئيس السبسي نفسه.

وأضاف "بوعجيلة": "السبسي تحدث في كلمته التي بثّها التلفزيون الرسمي بمناسبة رأس السنة الجديدة، باعتباره رئيس جمهورية مسؤول عن الوضع العام في البلاد، وحاول أن يكون على نفس المسافة من الجميع، وذكر الاحتجاجات وحذر منها".

وتابع: "في نفس الوقت أشار (السبسي) إلى ضرورة استكمال الهيئات الدستورية (المحكمة الدستورية وانتخاب رئيس جديد للهيئة العليا المستقلة للانتخابات) والاستعداد للذهاب للانتخابات القادمة في وضع يسمح لتونس بأن تفتخر بالانتقال الديمقراطي".

ورأى عبد اللطيف الحناشي، أن السبسي ظهر في اجتماعه بالأطراف السياسية والاجتماعية، كرجل دولة بامتياز، تغاضى عن كل التناقضات سواء مع "النهضة" أو مع رئيس الحكومة، حيث يسعى إلى تهدئة الأوضاع.

وأضاف الحناشي، أن "مؤسسة الرئاسة ومجلس الأمن القومي (يرأسه الباجي) لها معطيات حول خطورة الوضع الأمني".

وتابع: "الأهم هو دعوة الاتحاد العام التونسي للشغل كطرف فاعل في الميدان ويهدد بالإضراب العام".

من جانبه، لفت نور الدين العرباوي رئيس المكتب السياسي لحركة "النهضة" أيضًا إلى إيجابية دعوة الباجي لأطراف السياسية والاجتماعية للاجتماع.

وقال العرباوي: "مبادرة جيدة من رئاسة الجمهورية ونسجل التفاعل الإيجابي لكل الأطراف".

وأكد العرباوي أن علاقة حركة "النهضة" بالسبسي "إيجابية"، مضيفا: "وإذا كان هناك فضل لنجاح التجربة الديمقراطية التونسية، فالقدر الأساسي منها هو لرئيس الجمهورية ونحن مستمرون في ربط علاقة إيجابية به".

وتابع العرباوي: "نحن نعتبر الرئيس شريكًا أساسيًا في إنجاح هذه التجربة".

مساع دولية للتهدئة في تونس

وفي سياق الصراع الدائر بين "النهضة" والرئاسة التونسية من جهة، و"النهضة" و"نداء تونس" من جهة أخرى، تحدثت تسريبات في تونس عن مساعٍ دولية لخفض التوتر والحفاظ على التجربة الديمقراطية التونسية.

وأشارت تقارير إعلامية إلى لقاءات في الدوحة خلال ديسمبر/كانون الأول الماضي، شارك فيها كل من رئيس حركة "النهضة"، راشد الغنوشي، ورئيس الهيئة السياسية لحركة "نداء تونس"، حافظ قايد السبسي، دون أن يجتمعا في مكان واحد.

وكان هدف اللقاءات وفق هذه التقارير، إعادة العلاقة المتوترة بين الحركتين حيث يتهم "النداء" حركة "النهضة"، بـ"مساندة رئيس الحكومة يوسف الشاهد في عصيانه لمعلمه الباجي قايد السبسي"، إلا أن الأطراف المعنية لم تؤكد هذه اللقاءات.

في السياق، اعتبر الحبيب بوعجيلة، أن هناك "نصائح" دولية من رعاة الانتقال الديمقراطي في تونس (لم يسمهم)، بأن ينتهي الصراع سريعًا للاتجاه للانتخابات، وحضور "الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية" (اتحاد أرباب العمل) والاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر نقابة عمالية في تونس) يفسر وجوب الاستماع للأطراف الاجتماعية.

وذهب الحناشي في ذات الاتجاه بشأن سعي أطراف خارجية لحلحلة وضعية الاحتقان في تونس، وقال "يبدو أن أطرافًا خارجية (لم يسمها) تسعى لإنقاذ الموقف".

وأضاف: "المسألة ليست مرتبطة بتونس بل بكل الإقليم، السودان الأردن ولبنان بلدان تشهد توترات، وتونس مرشحة لأكثر توتر لأن هناك أطرافًا خارجية تسعى لعدم نجاح التجربة بأي ثمن".

لليوم الثاني على التوالي تواصل القوات الجوية في الجيش الايراني مناوراتها تحت اسم  "فدائيو سماء الولاية ثمانية" في مدينة اصفهان العريقة  وبمشاركة انواع مختلفة من مقاتلات وطائرات سلاح الجو الايراني.

المقاتلات الايرانية نفذت غارات جوية على اهدافها ليلا ونهارا أطلقت خلالها أنواعا مختلفة من الصواريخ التي اصابت اهدافها بدقة عالية حيث اكد القادة العسكريون ان الهدف الاولي هو اختراق خطوط العدو وتعطيل انظمة رصده .

العميد الطيار حميد واحدي نائب قائد القوة الجوية للجيش الايراني اكد ان جميع الخطط والتكتيكات المرجوة للقتال في الليل حققت اهدافها وتمكنت المقاتلات الايرانية من اصابة جميع اهدافها المحددة باستخدام التكنلوجيا الحديثة والمعدات المحلية الصنع.

وقال العميد واحدي في تصريح صحفي مساء الخميس: ان القوة الجوية للجيش نفذت غارات ليلية بقاذفات القنابل بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى بنجاح في مناورات 'فدائيو سماء الولاية' وحققت الاهداف المرسومة.

كما اعلن نائب قائد القوة الجوية الايرانية بانه تم في هذه العمليات استخدام قنابل واسلحة مصنعة محليا من ضمنها قنابل ذكية ومطورة، واشار الى مشاركة جميع القواعد الجوية في البلاد في هذه المناورات بقيادة قاعدة 'الشهيد بابائي' الجوية في اصفهان.

نسور القوة الجوية يدافعون عن سماء البلاد بكل اقتدار

وصرح بان الهدف من هذه المناورات هو عرض اقتدار القوة الجوية في الدفاع عن البلاد واضاف، ان نسور القوة الجوية يدافعون عن سماء البلاد بكل قواهم حتى الموت.

وفي اليوم الاول من المرحلة الرئيسية من المناورات الثامنة لـ 'فدائيي سماء الولاية' للقوة الجوية للجيش شنت قاذفات القنابل الاستراتيجية الثقيلة سوخوي 24 وفانتوم مساء الخميس غارات ليلية مباغتة دمرت خلالها الاهداف المرسومة مسبقا بعمليات قصف مكثفة.

وقامت قاذفات سوخوي 24 وفانتوم من خلال الاستفادة من عنصر المباغتة الليلية وعبر التحليق في ارتفاعات منخفضة، بتنفيذ عمليات قصف جوي مكثف ضد اهداف ارضية قصفت من خلالها اهداف العدو الافتراضية.

وخلال هذه العملية قامت طائرات فانتوم 'اف 4' بعملية التنوير القتالي (فلر) لساحة العمليات بهدف كشف الاهداف وتسهيل تدميرها من قبل باقي المقاتلات.

كما تميزت العمليات في مناورات 'فدائيو الولاية' باستخدام ذخيرة ذكية تم انتاجها على يد خبراء الصناعة الدفاعية في البلاد.

من جانبه فقد كشف العميد الطيار "علي رضا انغيزة" المتحدث باسم المناورات عن مشاركة طيارين شباب استطاعوا تنفيذ جميع المهام الموكلة اليهم حيث جرت جميع مراحل المناورات بنجاح مؤكدا ان القوة الجوية جاهزة للرد على اي اعتداء.

وكما كشف العميد طيار علي رضا انغيزة في تصريح له يوم امس عن عملية هامة قامت بها طائرات "ميغ-29" باطلاقها صواريخ مطورة "R-73" قد تعقبت ودمرت بنجاح صواريخ اطلقتها طائرات "اف-5".

ولفت علي رضا انغيزة الى عمليات قصف ثقيل (Carpet Bombing) قامت بها طائرات "اف-4" وتدمير الاهداف المحددة لها سلفا واوضح العميد الطيار: انه في هذه المرحلة من المناورات قامت المقاتلات الاعتراضية "اف-14" بتنفيذ عملية الدورية الجوية المسلحة واعتراض طائرات العدو المفترض وتنفيذ مهمة" Top Cover" واضاف، ان مقاتلات "اف-14" و"ميغ-29" بتنفيذها عمليات القتال الجوي، قد طبقت ظروف الاشتباك في ساحة القتال الحقيقية بنجاح.

واضاف، ان الفرق المتخصصة في مجالات الحرب الحديثة في منطقة المناورات بادرت في هذه المرحلة الى التصدي للهجوم الكيمياوي المعادي باستخدام مختلف انواع المنظومات الموطّنة محليا في هذا المجال.

تنفيذ عملية القصف الثقيل بواسطة طائرات فانتوم

وتابع العميد طيار انغيزة، ان الطائرات قاذفات القنابل الاستراتيجية الثقيلة "سوخوي 24" وفانتوم قامت ابتنفيذ عملية القصف الثقيل "جو-ارض" للاهداف المحددة سلفا في ارتفاع واطئ وباستغلال عنصر المباغتة الليلية.

واوضح بان طائرات النقل الجوي "سي -130" قامت خلال هذه المرحلة من المناورات بعملية اسقاط الشحنات في ظروف صعبة ومن ارتفاع عال.

وحول اهداف المناورة اعلن نائب قائد القوة الجوية في الجيش الإيراني العميد الطيار حميد رضا واحدي ان رسالة المناورات الجوية "سماء الولاية 8" هي من اجل الأمن والسلام في المنطقة والعالم.

وقال العميد الطيار واحدي في مؤتمر صحفي : ان القوات الجوية الايرانية ستطور قدراتها باستمرار في المرحلة القادمة، مشيراً الى ان مقاتلة "ساغر" الحربية ستشارك في المناورات الجوية.

وأضاف: ان التمهيدات الاولية للمناورة قد بدأت منذ السبت الماضي بانتشار مقاتلات القوات الجوية للجيش الايراني من مختلف القواعد بإتجاه قاعدة الشهيد بابائي وباقي القواعد.

وحول القواعد الجوية التي شاركت بشكل اساسي في هذه هذه المناورات اشار الطيار واحدي الى القواعد الموجودة في مدن أصفهان وهمدان ودزفول.

وبشأن عمليات الاستطلاع قال الطيار واحدي الى ان تنفيذ عمليات الاستطلاع تجري باستخدام مقاتلات استطلاع وطائرات مسيرة، مؤكدا السعي خلال هذه المناورات للاستفادة من طيارين جدد تدربوا داخل البلاد بالاضافة الى استخدام عتاد وقنابل وصواريخ محلية الصنع.

وقال: ان المرحلة الرئيسية والعملانية لمناورة "فدائيو سماء الولاية ثمانية" للاقتدار الجوي، انطلقت يوم الخميس وتستمر لمدة يومين وتنتهي اليوم الجمعة بمشاركة القواعد الجوية للجيش في اصفهان.

مع احتفاله باليوبيل الذهبي طرأت تغييرات جديدة على "معرض القاهرة الدولي للكتاب" هذا العام من أبرزها انتقاله إلى موقع جديد في القاهرة الجديدة بعد عقود قضاها في حي مدينة نصر بشرق القاهرة.

وتقام الدورة الخمسون للمعرض في الفترة من 23 كانون الثاني/يناير إلى 5 شباط/فبراير في "مركز مصر للمعارض الدولية" بمشاركة 1273 ناشراً سواء بشكل مباشر أو بطريق التوكيلات من 35 دولة.

وقالت وزيرة الثقافة المصرية إيناس عبد الدايم في مؤتمر صحفي "أعتبر هذه الدورة استثنائية وتاريخية، ونقلة حضارية جديدة للمعرض".

أما رئيس اتحاد الناشرين المصريين سعيد عبده فقال "في السنوات الأخيرة عندما كنا نذهب للمعارض العربية نلحظ أننا تأخرنا كثيراً، وكانت هناك بعض الملاحظات من مديري المعارض الأخرى التي كنت أحزن لها الحقيقة"، مضيفاً "الآن، انتهى كل هذا ونفتح معا صفحة جديدة، تليق بالكتاب المصري، والناشر المصري، والقارئ المصري".

ومن أبرز ملامح اختلاف المعرض هذا العام غياب "سور الأزبكية" وهو تجمع لباعة الكتب المستعملة التي تباع بأسعار زهيدة وتلقى إقبالاً كبيراً من رواد المعرض.

وقال رئيس الهيئة العامة للكتاب هيثم الحاج علي "لم نلغ سور الأزبكية لكن وضعنا كراسة شروط للمشاركة في المعرض التزم بها جميع الناشرين، من التزم من بائعي سور الأزبكية انضم إلينا في المعرض".

ومن ملامح التغيير في اليوبيل الذهبي للمعرض توفير مترجمين للغة الإشارة لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة، بينما اختارت اللجنة العليا للمعرض هذا العام جامعة الدول العربية "ضيف شرف" الدورة الخمسين.

وبجانب البرنامج الخاص لضيف الشرف يقيم المعرض أنشطة خاصة بمناسبة عام الصداقة المصري-الفرنسي وكذلك (بانوراما أفريقيا) بمناسبة رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي واستضافتها هذا العام لبطولة كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم.

وبدأ معرض القاهرة الدولي للكتاب نهاية الستينيات من القرن الماضي في أرض الجزيرة بوسط القاهرة قبل أن ينتقل في الثمانينيات إلى أرض المعارض بمدينة نصر والتي تملكها الهيئة العامة للاستثمار. وهذه هي النقلة الثانية له.

الأحد, 13 كانون2/يناير 2019 04:29

حركة النهضة وخلفيّات بيانها بشأن سوريا

في بيان لم تعرف بعد دواعي إصداره في هذا الوقت، دعا حزب حركة النهضة التونسي إلى مصالحة وطنية شاملة في سوريا.

وجاء في البيان بخصوص (مصالحة وطنية شاملة يستعيد فيها الشعب السوري حقه في أرضه وفي حياة ديمقراطية، وتضع حداً للتقاتل وما نتج منه من مآسٍ إنسانية، وتعيد إلى سوريا مكانتها الطبيعية في المنظمات الدولية والعربية).

ولئن عُدّ البيان مفاجئاً للبعض، فإن مضمونه بما حواه، لا يعدّ مفاجأة، ذلك أنّ ما جاء فيه، لم يكن يتضمن تغييراً في موقف الحركة المبدئي، الذي يتّفق تماماً مع الموقف العام لحركة الإخوان العالمية، التي يُنظر إلى حركة النهضة على أنها جزء منها، باعتبار أن حركة الإخوان السورية، شاركت بصورة عملية في الأعمال الإرهابية، بمختلف مناطق سوريا، وكان لها دور خفيّ في الإعداد لها قبل الأحداث وأثناءها وحتى اليوم.

وحتى لا يؤوّل البيان على حسب تصوّر من رأى فيه تغيّراً لموقفها، صرّح القيادي في الحركة والنائب في مجلس نواب الشعب السيد عبد اللطيف المكي بأن موقف حزبه لم يتغيّر وبقي على ما هو عليه. داعماً مطامح الديمقراطية والثورة السلمية للشعب السوري - بحسب قوله - مبيّناً أنّ الذين يتّهمون حركة النهضة بأنها داعمة للعنف في الأزمة السورية، هم من أوّلوا بيان الحركة، على أساس أنه تحوّل استراتيجي في موقفها... وختم بالقول: الآن عندما برزت تطورات جديدة تسير بالأزمة السورية إلى الحوار، النهضة ذكّرت بموقفها ودعت إلى المصالحة السورية الشاملة. (حقائق أون لاين 4/1/2019).

وذهاب السيد عبد اللطيف المكي، الى اعتبار أن سياسة حركة النهضة الخارجية، تقف إلى جانب مطامح الشعب السوري في الديمقراطية، والثورات السلمية في الوطن العربي، مستحضراً معارضة الحركة، في مؤتمر ما سمّي أصدقاء سوريا، تسليح المعارضة السورية، وهو موقف أثار غضب المشاركين من المعارضة.

التطوّرات الجديدة التي أشار اليها القيادي في حركة النهضة، والتي نسبها إلى الحوار، ليست جديدة في واقع الأمر. ذلك أنّ مؤتمرات الحوار السوري برعاية الأمم المتحدة (مؤتمرات جنيف/ أستانا) بدأت لم تؤدِّ إلى شيء تقريباً، وظهر فيها النظام السوري الأقدر على تقديم الحلول سياسياً - أمام ارتباك واختلاف الجانب المقابل له من المعارضة، التي تبيّن عدم امتلاكها قرارها السياسي- والأقوى على محاربة الإرهاب التكفيري الغازي لبلاده (تركيا/ الأردن)، من أول يوم بدأت فيه العمليات العسكرية، والجيش السوري لم يخرج حينها من ثكنه وقواعده.

فإن كان السيد عبد اللطيف مكي يقصد بالتطورات قرارات دول الخليج مثل الإمارات والبحرين ومن سيتبعهما كالكويت والسعودية بإعادة بعثاتها وتشغيل سفاراتها في العاصمة السورية دمشق، فذلك لا يستدعي أن تُصدر بشأنه حركة النهضة بياناً، لأنه لا يعنيها بحال من الأحول، وهي لا تخرج عن أمرين: إما أن تكون مناورة سياسية، ومحاولة أخيرة لإبقاء خيط مودّة يربط من جديد، الأنظمة التي دعمت الفصائل الإرهابية المسلحة، في مسعى منها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من علاقة، أو أنها خضوع للأمر الواقع الذي أصبح عليه الوضع الميداني في سوريا.

السيد المكي وحركة النهضة تناسيا، أنّ في صلب الحكومة السورية وزارة، اسمها وزارة المصالحة (تأسست سنة 2012)، استطاعت جهودها أن تعيد إلى حضن الوطن، معظم من غرّر بهم الغرب وعملاء الصهيونية، وأسهمت في حقن دماء كثيرة، كانت ستذهب هدراً لولا تلك الجهود الوطنية، فعن أي مصالحة يتحدّث بيان الحركة؟ 

جدير بالذكر أن الرئيس التونسي السابق، المنصف المرزوقي، قرر في فبراير/شباط 2012، قطع العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري، وطرد سفيره من تونس، وإغلاق سفارة بلاده في دمشق، بمشاركة وتحريض من حركة النهضة، التي كانت الطرف الأقوى في السلطة آنذاك.

حركة تبييض الوجوه السياسية، التي نشهدها اليوم على مستوى حكومات، انضمّ اليها حزب حركة النهضة، ليعبّر بأسلوبه عن براءته من التهم الموجّهة اليه، في دعم الأعمال المسلحة في سوريا منذ انطلاقها، وينطبق هذا تماماً على الدّول التي موّلت الفصائل المسلحة بالمال والعتاد، وتريد أن تمسح ما طبع ملامحها، من نقض لميثاق جامعة الدول العربية، وغدر بأصول الأخوّة وحسن الجوار العربي.

وتبدو حركة النهضة المعرقل الوحيد، لعودة العلاقات الدبلوماسية بين تونس وسوريا، ليس من حيث المبدأ فقط، وإنما أيضاً لاعتبار مهمّ آخر، يتلخّص في أن عودة العلاقات الدبلوماسية الطبيعية بين البلدين، سوف تفتح ملفّاً شائكاً وثقيلاً، في دعم الإرهاب من طرف شخصيات بارزة في الحركة، ستكون تحت طائلة المساءلة والمحاكمة، إذا ثبت تورطها في الإشراف على شبكات تسفير الشباب التونسي، للقتال في سوريا، عبر وسائط وهميّة، كجمعيات خيرية، أو نحوها من الجمعيات التي عملت سنوات 2011 و2012 و2013.

وأتذكّر جيّداً في مؤتمر نظمته الكلية الزيتونية سنة 2012، وحضره الدكتور يوسف القرضاوي  إلى جانب رئيس حركة النهضة، وكنت من بين الحضور، الكلمة التي ألقاها الشيخ راشد الغنوشي، والتي عبّر فيها عن موقف لم يكن نابعاً من الشعب السوري، قائلاً إن الشعوب العربية التي ثارت على حكامها، كانت تنادي بإسقاطهم فقط، بينما نادى الشعب السوري بإعدام الرئيس.

وكنت حاضراً أيضاً أثناء اندلاع الأزمة في ريف دمشق، فلم أسمع بمقالة الشيخ أبداً، بل إنّ كل ما سمعته لم يكن ليرقى الى إسقاط النظام، وأنا كنت متابعاً لما يجري في درعا، عبر قناة الفتنة القطرية (الجزيرة)، واستمعت إلى شاهد عيان منها قال بالحرف الواحد: ( أنقذونا من حزب الله والحرس الثوري الايراني)، والحال أنه لا وجود لأحد من هؤلاء، بل إنه لا وجود للجيش السوري في بداية الأحداث، وهذا يؤكّد أن التحريض بالكذب، كان أسلوباً دعائياً خبيثاً، مخادعة للشعب السوري، المتعايش بمختلف طوائفه في أمن وأمان، في محاولة لإثارته طائفياً، وهذا ما حدث فعلاً.

التنصّل من تبعات الأعمال والمواقف بدأت وتيرته تتصاعد، وما خفي بالأمس القريب، سيظهر حتماً في المقبل من الأيام، على ضوء جدارة النظام السوري في القيادة، وانتصار جيشه وروافده، وتراجع دول كبرى ساهمت في إطالة أزمته، وكانت تصر على رحيله، عن مواقفها، وهي لم تجد اليوم بدّاً من الإقرار ببقائه، وفي مقدمتها أميركا ودول الغرب، والأيام حبلى بالأحداث. 

محمد الرصافي المقداد، كاتب تونسي